Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

براهين وجود الله عند أبي البركات

الكاتب

هيئة التحرير

براهين وجود الله عند أبي البركات

تميز منهج أبي البركات بنقد لاذع لمذهب ابن سينا الأرسطي، معتبراً أن الاستدلال بالحركة ليس الطريق الأقوم لمعرفة الله؛ لذا، أسس استقلاليته الفكرية برفض التقليد، مقدماً براهين تنطلق من التأمل الذاتي في الوجود والنظام الكوني لتجاوز قصور الأدلة التقليدية السابقة.

نقد دليل الحركة

قبل أن يدلو فيلسوفنا، بدلوه في البرهنة على وجود الله، ذهب يوجه نقده، للآراء التي وجدها لا تتفق مع منزعه العقلي، ولعل أول هذه الآراء دليل الحركة الأرسطي وهو في ذلك يتفق مع ابن سينا ففي نقدهما لهذا البرهان، وكعادة فيلسوفنا ونهجه أن يبدأ بنقد آراء السابقين أولًا ثم يقدم رأيه - ثانيًا.

يعتقد فيلسوفنا أن الاستدلال على المبدأ الأول من الحركة على ما قيل ليس بحق ولا هو الطريق الخاص إلى معرفته [أبو البركات: المعتبر في الحكمة جـ ۳، ص ۱۳۰].

وينتقد ابن ملكا بشدة هذا البرهان الأرسطي حيث أن الحركة عن طريق الشوق والعشق إلى محرك لا معنى له، إذ أن المتحرك إنما يتحرك بشوقه إلى معشوقه ليقرب منه بحركته إليه ويطمع في انتهائه إلى مشاهدته ومجاورته في مقامه إن كان ساكنا أو يتبعه إن كان متحركا والحركة الدورية لا تنقل الفلك من مكان إلى مكان بل تحرك إلى جهة [نفس المرجع : ص ۱۳۲]، ولذلك يسخر ابن ملكا من هذا البرهان ويرى أن القائلين بهذا الدليل لم يذكروا كيف هذا الشوق وإلى ماذا، ولو قالوا لامتثال أمره وطاعته في تقديره لكان أولى وأسهل فإن هذا يعرف منه لم وكيف ولا يعرفان من ذلك، فالطريق إلى معرفة الله تعالى من جهة الحركة الفلكية على الوجه الذي قالوا غير مهد [نفس المرجع : ص ۱۳۳].

برهان الممكن والواجب

قبل أن يعرض هبة الله بن ملكا هذا البرهان، ذهب يبين أن هناك من الموجودات ما يدركها الإنسان بحاسة من حواسه كالبصر والسمع والشم ومن الموجودات مالا يستطيع إدراكها شخص ويدركها آخر، ولا ينبغي ذلك أن يجعلنا نقدح في عدم وجودها، فإن الإدراك ليس شرطًا في الوجود وإنما الوجود شرط في الإدراك

ويقسم ابن ملكا الموجودات إلى قسمين الموجودات الحسية المشاهدة أو على حد تعبيره موجودات الأعيان والموجودات العقلية الذهنية وما يسميها موجودات الأذهان، وموجودات الأعيان هي التي يدركها كثيرين مثل الشمس التي يراها الناس، وغيرهم فهي واحدة ولا تتكثر بإدراك المدركين لها.

أما موجودات الأذهان، أو الموجودات العقلية، فالأمر بخلاف ذلك، فقد يدرك إنسان ما شيء في ذهنه ويدرك آخر نفس الشيء بالذهن لكن لا يكون الإدراك بينهما واحد، فالأخير يدرك مثل الذي أدرك صاحبه في ذهنه ولا يكون هو هو، وهكذا ينتهى فيلسوفنا بعد هذا التوضيح البين إلى أن موجودات الأعيان (المحسوسات ) تختلف عن موجودات الأذهان (المعقولات) عند من يتأمل ويتحقق في تأمله [انظر : أبو البركات : المعتبر في الحكمة، ج ۳ ص ۲۰ - ۲۲]، ونلحظ هنا أن ابن ملكا كما أشرنا دأبه وديدنه التأمل والتحقق وليس مجرد تقليد الآخرين لمجرد التأثر وهو طبقا لما التزم به فيلسوفنا من نهج وطريقة في التفكير

بعد هذا التمهيد يدخل فيلسوفنا إلى صميم برهانه، وهو قسمة الموجودات إلى إما أن يكون موجودًا بذاته وعن ذاته وإما أن يكون وجوده واجب عن غيره ولم يجب له بذاته وهذه قسمة عقلية [المرجع نفسه : ص ۲۲ ]، وطبقًا لهذه القسمة العقلية يوضح فيلسوفنا الموجود بغيره والموجود بذاته، فيرى أن الموجود بغيره لا يخلو إذا اعتبرت ذاته بذاته إما أن يجب له وجود بذاته أو يمتنع أو يمكن فإن امتنع أن يوجد البتة فإنه إذا قيل لشيء إنه ممتنع الوجود فإما أن يقال ذلك فيه مطلقًا أو بشرط، فإن قيل مطلقًا وصدق لم يمكن أن يوجد ذلك الشيء بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب وإن قيل بشرط فلا يصح وجوده إلا بارتفاع ذاته وارتفاع ذاته عدمه فيكون القائل كأنه قال لا يصح وجوده إلا مع عدمه ووجود الشيء وعدمه لا يجتمعان فالممتنع الوجود لا يصح أن يوجد بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب، ولما كان الواجب الوجود بغيره لا يكون وجوده بذاته واجبًا ولا ممتنعًا، وما ليس بواجب ولا ممتنع فهو ممكن الوجود[أبو البركات : المعتبر في الحكمة، جـ ٣، ص ۲ ].

ويعتقد أبو البركات أن التسلسل من ممكن إلى ممكن يفضى حتمًا لا محالة إلى موجود واجب الوجود بذاته فيرى أن الممكن الوجود بذاته إذا صار موجودًا فوجوده عن غيره وبغيره وذلك الغير الموجب لوجود الممكن الوجود إذا كان ممكن الوجود أيضًا فحكمه كذلك أيضًا في وجوب وجوده بغيره ولا يوجد ما نسب إليه إلا بعد وجوده بعدية بالذات فكل أخير من الموجودات بالغير متأخرًا لوجود عما يوجد به ولا يوجد إلا بعد وجوده بعدية بالذات ووجود المتأخر منها يدل على وجود المتقدم ووجود المتقدم حاصل قبل حصول المتأخر من حيث أنه لا يوجد إلا بعده بعدية بالذات وإن لم تكن بالزمان فكل ممكن الوجود بذاته إنما يوجد عن واجب الوجود بذاته [ نفس المرجع : نفس الصفحة ].

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن فيلسوفنا رغم أنه صوب سهام النقد والتجريح للعديد من الأحجار الأساسية في جدار المذهب السينوي مثل فكرة الفيض التي سنعرض لها في الأبواب القادمة، إلا أنه لم ينج من التأثر بأفكاره، سيما برهان الممكن والواجب الذي عرضنا له توًا.

الدليل الغائي أو دليل الأحكام والنظام في الكون

وهو الدليل الذي استمده فيلسوفنا هبة الله بن ملكا في النظام الموجود في الطبيعة، ولذلك يقول عنه ابن ملكا أنه طريق من جهة الحكمة العملية أي من خلال المشاهدة والملاحظة.

ولهذا يرى فيلسوفنا أن النظام الموجود في الإنسان من حيث تكوينه وإبداع صنعته، وكل جزء فيه مسخر لغاية معينة، وكما أننا نلاحظ هذا في الإنسان، كذلك نشاهد النبات والحيوان وسائر المخلوقات، فالنبات من حيث نموه وتدرجه من حبة إلى أن يصبح شجرة باسقة مثمرة.

فالأشياء كلها في عالم الطبيعة من إنسان وحيوان ونبات وجماد تسير بانتظام دونما خلل بينها وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هناك إله قادر حكيم خلق الأشياء بمقتضى حكمته، ولذلك فإن العقل الواعي المتدبر لو تأمل في هذا الأمر لوصل إلى نفس النتيجة وفى هذا الصدد يقول هبة الله بن ملكا، فالعقل والنظر يشهدان بأن الخالق المصور جمعهما بحكمة ومعرفة بمبدأ حالهما ومالهما [أبو البركات : المعتبر في الحكمة، جـ ٣، ص ١٣٥]، ونلاحظ هنا أن فيلسوفنا يستوحى لفظ الخالق كأحد أسماء الله وكذا المصور مما يدل على أن هذا ليس كالصانع عند أفلاطون من مادة عمياء وإنما الخلق هنا عن طريق الإبداع من إله قادر حكيم بل مصور، وهذا يدل على تأثر فيلسوفنا بالثقافة الإسلامية وباسم من أسماء الله الحسنى أي المصور والخالق يقول في هذا الصدد، خالق النظام في أفعال الأنواع هو واحد للأنواع الكثيرة والجامع في ذلك بين الأفعال السماوية والأرضية، هو واحد في السماء والأرض [نفس المرجع : ص ١٣٦].

والمتأمل في هذا البرهان، يجد أنه قد تكرر عند العديد من فلاسفة الإسلام كالكندي [انظر: د. عاطف العراقي: دراسات في مذاهب فلاسفة المشرق، طبعة ثانية، دار المعارف، ۱۹۷۳، ص ٦٢ - ٦٧]، وابن رشد [حنا الفاخوري، خليل الجر: تاريخ الفلسفة العربية، الجزء الثاني، دار الجيل بيروت، لبنان، ص ٤٤٤]، وغيره من علماء الكلام كالأشاعرة ([د. إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه جزء ثاني، دار المعارف، ص ٤٩]، وواضح أن برهان الأحكام والنظام يعتمد على أن الإبداع والإتقان الموجود في الكائنات التي خلقها الله من إبداعه ووضعه ﴿صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِیۤ أَتۡقَنَ كُلَّ شَیۡءٍۚ﴾، وهذا يدل على تأثر فلاسفة الإسلام بالنظر القرآني .

برهان العالم بذاته والعالم بغيره

يعتقد هبة الله بن ملكا أننا نستدل بالمعلول على العلة، فكذلك نستدل بالمتعلم على المعلم، ومن متعلم إلى معلم غيره وهكذا نظل نتسلسل في هذه السلسلة حتى نصل إلى المعلم الأول العالم بذاته الذي علمه بذاته ومن ذاته ولا يستفيد علمه من غيره، ويرى ابن ملكا أن هذا البرهان المنطقي لم يختلف بصدده الأنبياء والعلماء، لأن الله سبحانه وتعالى هو المعلم الأول ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ [العلق: ٥]، فالعلم يرد في النهاية إلى علم الله تعالى الذى يعلم كل شيء في الوجود بعلمه الأولى القديم ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عِلۡمَۢا﴾ [الطلاق: ١٢]، وهو الذي يعين الإنسان على اكتشاف الحقائق وبذلك يرد ابن ملكا صفة العلم الحقيقي إلى الله سبحانه وتعالى وأن العلم البشرى يستمد هديه ونهجه من علم الله وكما يقول ابن ملكا : الله هو العالم الأول والكتاب هو أم الكتاب أعنى به الوجود لا بل أم الوجود الذي هو علم الأول الذي يحسبه أمر فكان ما أمر به بقدرته التي لا تعجز ولا تمانع فهذا أيضا طريق يهدى إلى معرفة الله [أبو البركات : المعتبر في الحكمة، جـ ٣ ص ١٣٤].

إذن فيلسوفنا يعتقد أن الله هو العالم الحقيقي وأن البشر متعلمون من فيض علمه الغزير لأن الله هو واهب النعم وهو معطى الفهم والتصور والتصديق والقبول والرد هو المعلم لا القائل ويرى ابن ملكا أن القائل من البشر لا يقدر على تعليم كل علم لكل متعلم وإنما يقدر من ذلك على ما يساعده عليه ذهن المتعلم بفهمه وتعلقه وتصديقه وقبوله إذا كان كل شيء من هذه في موضعه وموقعه فذلك ليس من عطاء الأستاذ البشرى من أوتى الفهم والتصور والحكم بالتصديق والقبول والرد والاستدلال باستخراج الحجة على واجب المحجة العقلية فقد أعطى العلم بالقوة القريبة جدا من الفعل بالفطرة بحيث يستغنى بنفسه عن كل معلم من البشر وبذلك يزيد كثير من تلاميذ الحكماء في الحكمة على أستاذيهم وبه يصير كثير من لا أستاذ له فاضلًا حكيمًا [أبو البركات : المعتبر في الحكمة جـ ٣ ص ١٣٤].

وبهذا الدليل يستدل هبة الله بن ملكا على وجود الله، حيث أنه لن نستطيع أن نتسلسل من متعلم إلى معلم وهكذا حتى نصل في قمة المطاف إلى معلم بذاته، علمه من ذاته والكل يستمد منه العلم، دل هذا على وجود واجب الوجود العالم بكل شيء أمره بعلمه وقدرته الأولية التي لا يحدها علم بشري.

دليل الأثر يدل على المؤثر

يفرق هبة الله بن ملكا في هذا الدليل بين المعرفة العرضية والمعرفة الجوهرية الحقيقية فيرى أن معرفة الإنسان لا تتم بمجرد مشاهدة جسمه ولونه وشكله، فهذه المعرفة حتى لو تكررت مرارًا وتكرارًا فهي مجرد معرفة عرضية أما المعرفة الحقيقية فهي المعرفة الجوهرية الذاتية كأن يعرف الإنسان بعلمه وفكره، أدل على المعرفة بصفاته من مجرد النظر إلى هيئته، وفي هذا الصدد يقول أبو البركات : لو رأى الإنسان صاحبه مرارًا كثيرة في زمان طويل ثم لم ير منه سوى ما تراه العين لم يكن قد عرفه إلا معرفة بالعرض لا بالذات وبالأعراض البعيدة لا بالقريبة فإن عرفه بأفعاله الخاصة به كصناعة من صنائعه مثل كتابته أو تجارته أو صناعته كانت معرفته له بما هو أقرب وأخص وأعرف فإن عرفه بعلمه ومعرفته ورأيه ومذهبه واعتقاده كانت معرفته له أتم وأخص من جميع ذلك لأنه يصح أن يعرفه بما عرفه منه في حضوره وغيبته وحياته وموته فإن من يعرف أرسطو طاليس الآن بمقالته في علمه وحكمته أعرف به ممن رآه في وقت حياته بشخصه وصورته ولم يعرف منه ما عرفناه الآن من علمه ومعرفته اللذين هما أفضل صفاته وخواصه [أبو البركات : المعتبر في الحكمة، ج ۳ ص ۱۳۷].

وعلى سبيل القياس يستدل فيلسوفنا ابن ملكا على وجود الله، لأنه إذا كانت المعرفة الحقيقية بأشخاص الناس لا تتم بمجرد المشاهدة بل قد تكون بالأخبار والآثار أتم منها بالمشاهدة، فكذلك معرفة الله تتم بنفس النهج وكما يقول: فمعرفة الله بأفعاله ومعلوماته ومعلولاته ومخلوقاته أتم في المعرفة من معرفة الإنسان بصاحبه من مشاهدته له بالعين [نفس المرجع: نفس الصفحة]، فالأثر يدل على المؤثر كما تدل البعرة على البعير.

الدليل الصوفي أو الحدس المباشر

ينحو أبو البركات في هذا الدليل المنحى الصوفي، ويرى أنه خاض التجربة الروحية، وعاش في ظلالها وخبرها بنفسه وتفيأ روحها، ويعتقد أن الطريق الصوفي تجربة شخصية يستدل بها كل إنسان بحسب استعداداته وأحواله لأن التجارب الروحية ذاتية كما يقول الصوفية، وفي هذا الصدد يذهب الشيخ أبو البركات إلى أنه لولا أن سبيل وطريق البرهان غير طريق الدعوى لشرحت من ذلك ما عرفته من أحوالي في خاصتي وأحوال من عرفته ممن له من ذلك نصیب فعرفه ونعتبر به لكن المخاطب بهذا لا يكفيه الأخبار في الاعتبار دون الاختبار وإنما يستدل من هذه السبيل كل واحد بحسب دليله الخاص بمعرفته وبحسب خبرته واعتباره من تجربته وليس ذلك من خواص الخواص من الناس دون العوام الذين ما منهم إلا من يلجأ عند ضرورته بطبعه إلى من ظن أنه الدعاء حتى البوادي من العرب والأتراك والأكراد الذين لا يعرفون سميع نبيا وعلما نرى عندهم من ذلك معرفة بتجارب يعملون بحسبها [أبو البركات: المعتبر في الحكمة جـ ۳، ص ۱۳۸]، وهذا اتجاه جديد عند أبي البركات حيث يجعل الطريق الصوفي والتجربة الروحية ظاهرة عالمية لا يستقل بها دين واحد، بل هي عامة حتى في الديانات المختلفة [د. جلال أبو الفتوح شرف: المذهب الإشراقي بين الفلسفة والدين في الفكر الإسلامي، دار المعارف، الطبعة الأولى ۱۹۷۲، ص ٧٦].

ويعبر هبة الله بن ملكا على وجود الله بعبارات تفيض شفافية وروحانية تدل على تغلغل النزعة الصوفية والإشراقية في فكره، فالله وجوده أوجب وأتم فهو أظهر إذا كان الإظهار بالوجود فالمظهر هو الموجد والظاهر هو الموجود فالذي وجوده أوجب من كل وجود يجب أن يكون ظهوره أتم لكون وجوده الأقدم والأوحد وإنما الظهور كما قيل قد يكون عند بعض المدركين حجابا وكما أنه إذا أنست العين بالنور الأضعف قدرت على إبصار النور الأقوى وتدرجت من الأقوى إلى الأقوى حتى ترى ما كانت تعجز عن إدراكه في أول بروزها من الظلمة فكذلك تكون النفس الإنسانية إذا أنست بالمدركات الظاهرة من علم الربوبية قويت بأقربها منها على إدراكها عنها حتى تنتهى بمعرفة الأقرب إلى الأبعد والأدنى إلى الأقصى [أبو البركات : المعتبر جـ ٣، ص ١٤٠]، ورغم تفرقة فيلسوفنا بين طريق البرهان والعرفان، وأن معرفة الله بالحدس المباشر أو بالعيان المباشر وأن الطريق العقلي لا ينفصل عن الطريق الذوقي إلا أن هناك من الصوفية من يعتبر أهل الاستدلال والبرهان كالعوام بالقياس إلى أهل الشهود والعيان [د .التفتازاني : ابن عطاء الله السكندري وتصوفه، القاهرة، سنة ١٩٥٨، ص ۲۳۳].

أعتقد أن النزعة الصوفية والإشراقية كانتا جزءا من نسيج مذهب أبي البركات، فلم يذهب إلى ذلك تكلفا أو تتويجا للمذهب، إنما هي بناء أساس في فكره، سيما أن المتأمل وكما سبق أن المحنا في الباب الأول أن النزعة الإشراقية يفوح ريحها في بناء مذهب هبة الله بن ملكا رغم عقلانيته التي التزم بها.

لذلك أجد النزعة الإشراقية والصوفية تطل علينا برأسها من جديد بين الفينة والفينة، مما يدل على أن فيلسوفنا كان يود تأسيس فلسفة تتسم بالنزعة العقلانية والروحية في آن واحد، وخصوصا إذا أخذنا في الاعتبار تأثير الحضارة الإسلامية والبيئة التي نشأ في كنفها وخاصة أن فيلسوفنا قد أشار إلى أنه عايش الصوفية الخلص أصحاب الأذواق والمواجيد وخبر أحوالهم وتجاربهم [أبو البركات: المعتبر جـ ۳، ص ۱۳۸].

الخلاصة

تتضافر براهين ابن ملكا لتشكل فلسفة متكاملة تجمع بين صرامة المنطق "كواجب الوجود" وجمال "النظام الكوني" وعمق "التجربة الذوقية"، وبذلك أثبت أن معرفة الخالق ليست مجرد نتيجة عقلية جافة، بل هي رحلة تبدأ من إدراك الأثر وتنتهي بالاتحاد مع فيض العلم الإلهي.

موضوعات ذات صلة

يقدم أبو البركات البغدادي معالجة عقلية مستفيضة لصفات الذات الإلهية، منطلقاً من إدراك النفس لتقسيم الوجود بين الواجب والممكن

شاعت عبر القرون مقولات مغلوطة حول الفلسفة وعلاقتها بالدين

يعتبر تطور العقل العربي الإسلامي منطلقًا من حالة التشتت الديني والجدل العقائدي قبل الإسلام، وصولًا إلى تحول النظر العقلي بفضل القرآن والسنة نحو "الحكمة" والاجتهاد الفقهي

الصفات الإلهية هي الأوصاف التي يتصف بها الله عز وجل

هبة الله بن علي، أبو البركات وأوحد الزمان، فيلسوف وطبيب بارز جمع بين العقل الفلسفي والروح النقدية

موضوعات مختارة