Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أبو البركات البغدادي

الكاتب

أ.د/ جمال رجب سيدبي

أبو البركات البغدادي

هبة الله بن علي، أبو البركات وأوحد الزمان، فيلسوف وطبيب بارز جمع بين العقل الفلسفي والروح النقدية في بيئة بغداد العلمية، أسهم في تطوير الفكر الإسلامي من خلال مؤلفاته العميقة ومنهجه العقلي المستقل.

نبذة عن حياة أبي البركات البغدادي ومؤلفاته

هبة الله بن علي بن ملكا، وكنيته أبو البركات، المشهور بأوحد الزمان، فيلسوف وطبيب ولد في ضيعة اسمها (بلد) من ناحية الموصل سنة (٤٧٠هـ - ١٠٧٧م) على أكثر تقدير، وتحول من اليهودية إلى الإسلام، اختلف المؤرخون حول وفاته، وذهب سارتون إلى أنه توفي ٥٧٠هـ.

وكان له تلامذة كثيرون، وكان له حلقة يتصدرها للتدريس، وتخرج على يديه الكثير من أصحاب ذوي الشأن في الطب والحكمة، ومنهم الشيخ والد موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (٦٢٩هـ) صاحب كتاب (في علم ما بعد الطبيعة)، كما تتلمذ على أبي البركات - أيضًا - جمال الدين بن فضلان، وابن الدهان المنجم، والمهذب ابن النقاش، وغيرهم.

 [(sartor introduction to the history science vol. ١١.p٣٠٢)]

ترك لنا فيلسوفنا العديد من المؤلفات والأبحاث في مجالي الفلسفة والطب، فهو يجمع ما بين البُعد العلمي والفلسفي، ويمكننا أن نشير إلى أهم مؤلفاته: مثل (المعتبر في الحكمة)، وهو يحتوي على ثلاثة أجزاء: المنطق، الطبيعيات، الآليات، وقد طُبع لأول مرة في الهند برعاية دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن سنة ١٣٥٨م، ورسالة في سبب ظهور الكواكب ليلًا، كتاب (الأقراباذين) ويحتوي على ثلاث رسائل في علوم الصيدلة، (شرح سفر الجامعة في التوراة) ولا يزال هذا الكتاب مخطوطًا بمكتبة أكسفورد، (رسالة في النفس) موجودة بمعهد المخطوطات العربية، (حواشي على كتاب القانون في الطب لابن سينا)، (رسالة في العقل وماهيته)، وغيره من مؤلفات غزيرة.

منهج أبي البركات البغدادي الفكري

يمكننا القول إن أبا البركات اهتم بإشكالية المنهج أيما اهتمام، والواقع أنه قد اهتم بتأسيس فلسفته على أساس عقلاني بجانب الوقوف على التراث الفلسفي السابق عليه، فقد كان ثائرًا ومجددًا في فلسفته.

ونود أن نشير إلى قواعد المنهج التي انتهى إليها فيلسوفنا، والتي استخلصناها من خلال تأملنا في فلسفته.

القاعدة الأولى: الاطلاع الغزير مع التحصيل القليل: كانت دعوة فيلسوفنا الانكباب على تراث السابقين، والشروح والتصانيف التي شرحها المتأخرون، وكان يقرأ كثيرًا ويحصل علمًا قليلًا، ولعل هذا من منهجيات الباحث الراغب في الوصول إلى الحقيقة.

القاعدة الثانية: الاستقلال بالرأي والنظر في تحصيل المعاني: يذهب فيلسوفنا إلى أن النظر المستقل في تحصيل المعاني يوصلنا إلى اليقين، ومن ثم كان فيلسوفنا يتفق مع الآراء التي توافق مذهبه، ويختلف مع بعض الآراء التي لا توافقه؛ إذ إن سمة الفلسفة والتفلسف الاختلاف في الرأي، وليس مجرد ترديد آراء السابقين أو على حد قوله: (فكنت أجتهد بالفكر والنظر في تحصيل المعاني)، ولعل هذا من المنهجيات الهامة عند فيلسوفنا.

القاعدة الثالثة: الشك طريق إلى اليقين: يذهب فيلسوفنا إلى أنه لم يكن يأخذ رأيًا في مذهبه إلا بعد طول نظر وتحقق وتأمل وتدبر، وليس مجرد النقل عن آراء السابقين لشهرتهم الطاغية أو لمكانة صاحب الرأي في النفوس، ولا خالف رأيًا لمجرد أن صاحبه صغير، بل كان الحق من ذلك هو الغرض، والموافقة والمخالفة فيه بالعرض.

لم يكن فيلسوفنا يُسلم بالآراء التي يطلع عليها تسليمًا أعمى، بل كان منهجه الشك في آراء السابقين، كضرورة منهجية، وهو يذكرنا بما ذهب إليه الغزالي ومِن بعده ديكارت في العصر الحديث مع اختلاف المنطلقات الفكرية والخصوصية الحضارية عند كل منهما.

هذه لمحة يسيرة عن قواعد المنهج عند أبي البركات، تمهد الطريق للحديث عن آرائه الفلسفية.

آراء أبي البركات الفلسفية

أولًا: المتأمل فيما كتب فيلسوفنا، خاصة في سِفْرِه الضخم (المعتبر في الحكمة)، يجد أنه قد اهتم بالميتافيزيقا والطبيعيات والآليات، بل نستطيع القول ونحن مطمئنون إن أبا البركات البغدادي استطاع أن يستوحي العقيدة الإسلامية ويستفيد منها في معالجته للقضايا والمشكلات، بل يمكننا القول إن سبب احتفاء فيلسوفنا بالنظر العقل والنظر النقدي - في أحد جوانبه - هو تأثره بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة [انظر: ابن القفطي: أخبار الحكماء، مكتبة المتنبي، القاهرة. بدون تاريخ ص ٢٢٤].

فلو نظرنا – مثلًا - إلى معالجته لمشكلة الألوهية لوجدنا أنه يدعم رأيه بالدليل القرآني، مثل دليل الإحكام والإتقان في الكون وغيره من أدلة بجانب تأثره بالدليل الفلسفي.

ثانيًا: يلاحظ على مذهب أبي البركات بروز النزعة الإشراقية، والصوفية كامتداد للنزعة الإشراقية السينوية.  فرغم منهجه العقلاني والنقدي - كما أشرنا آنفًا - إلا أنه أراد أن يكفكف من غلواء العقل بهذه النزعة الروحية والإشراقية؛ مما يدل على أن هذه النزعة كانت بناء أصيلًا في فكره.

ثالثًا: بروز النزعة النقدية في مذهبه الفلسفي، وليس أدل على هذا من نقده لابن سينا في ذهابه

للقول بالفيض، على ضوء منهجه العقلاني والنقدي، فهو يرى أن مبدأ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، صحيح في ذاته، ولكن النتائج التي ذهب إليها ابن سينا بناء على هذا المبدأ خاطئة لتفسير مشكلة الخلق؛ إذ كيف يصدر عن العقل الأول واحد، وعن الثاني ثلاثة، وبهذا النهج العقلاني والنقدي، وبفهمه لطبيعة الألوهية  يرفض هبة الله الفيض، ذا البعد الطولي في الخلق، ويرى أن هذه النظرية متهافتة؛ لأنه إذا كان الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فالموجودات بحسب هذا ينبغي أن تكون علة ومعلولًا على نسق واحد، والمتأمل في الوجود يرى عكس ذلك، بل يرى أشخاصًا لا يتناهى عددها ليس بعضها علة لبعض.

رابعًا: ذهب ابن ملكا إلى آراء أصيلة أثناء معالجته للقضايا الفلسفية، مثل قوله بالخلق المستمر من مادة أولى وبفاعلية الإرادة الإلهية، وإن لاحظنا تغلغل النزعة الأفلاطونية والأفلوطينية في ثنايا مذهبه إلا أنه والحق يُقال إن فيلسوفنا كان يحاول التوفيق بين آرائه الفلسفية وعقيدته الدينية، مثل تأكيده على أنّ الله هو العلة الفاعلة الوحيدة في الوجود، وكان مُوفقًا إلى حد كبير.

خامسًا: عالج فيلسوفنا جُل قضاياه الفلسفية بمنهج نقدي أصيل، مثل مشكلة حدوث العالم وقدمه، وإن كنا قد رجحنا قدم العالم عنده، وكذلك معالجته الرصينة لمشكلة الزمان، ومشكلة النفس الإنسانية، والقضاء والقدر، وغيره من مشكلات.

سادسًا: يمكننا القول في نهاية المطاف إن هبة الله بن ملكا استطاع أن يؤسس لنفسه منهجًا عقلانيًّا صحيحًا، وهو أنه لا يقبل رأيًا من الآراء إلا بعد أن يضعه على ميزان العقل والنقد أو بعد التأمل والاعتبار على حد تعبيره، ثم يقدم بعد ذلك وجهة نظره التي يؤمن بها.

سابعًا: نجح أبو البركات البغدادي أن يؤسس نسقًا فلسفيًّا متماسك الأركان، فالألوهية على قمة مذهبه الفلسفي بما لها من مفهوم ومدلول عنده، غدت هي العلة الوحيدة الفاعلة في الوجود، وأنّ لها طلاقة القدرة والمشيئة في الكون، ومن ثم ترتب على فهمه هذا النتائج الأخرى، مثل ذهابه إلى القول بالعلم الإلهي الشامل للأشياء والموجودات في الأجن والزمان، وذهابه إلى القول ببعث الأجسام في الآخرة، والقول بالحرية الإنسانية حتى يتم الحساب والمسئولية، وغيره من آراء أخرى في تضاعيف مؤلفاته.


مراجع للاستزادة:

١- أبو البركات البغدادي: (المعتبر في الحكمة)، المنطق، الطبيعيات، الإلهيات، طبعة أولى تحت رعاية جمعية دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن ١٣٥٨هـــ.

٢- د/ جمال رجب سيدبي: (أبو البركات البغدادي وفلسفته الإلهية) دراسة لموقفه النقدي من فلسفة ابن سينا، الناشر مكتبة وهبة طبعة أولى ١٩٩٦ م.

٣- دائرة المعارف الإسلامية، المجلد الأول، مادة أبو البركات مقال بنيس، ترجمة الأب قنواتي، الناشر دار الشعب.

الخلاصة

أبو البركات البغدادي وضع منهجًا عقلانيًّا نقديًّا في تناول الفلسفة، جامعًا بين العقل والعقيدة، ناقش قضايا الألوهية والعلم والخلق والزمان، داحضًا نظريات سابقة برؤية فلسفية متماسكة، اهتم بإشكالية المنهج وبنى فلسفته على أسس عقلية مع مراجعة التراث الفلسفي في كتابه (المعتبر في الحكمة)، تناول الميتافيزيقا والطبيعيات والآليات بعمق وتحليل.

موضوعات ذات صلة

ابن طفيل، الفيلسوف والطبيب الأندلسي، ترك بصمة فريدة في الفكر الإسلامي من خلال أعماله الفلسفية والعلمية

يُعد ابن باجة أحد أبرز أعلام الفلسفة الإسلامية في المغرب والأندلس

ابن سينا أحد أعلام الفكر الفلسفي والطبي في الحضارة الإسلامية

ابن ملكا البلدي، الملقب بأوحد الزمان، طبيب وفيلسوف بارز في القرن السادس الهجري

لم يكن التوفيق بين الوحي والعقل مجرد ترف فكري عند ابن طفيل، بل كان ضرورة لبيان وحدة الحقيقة رغم تعدد طرق الوصول إليها

موضوعات مختارة