لعل أول الصفات التي أعارها فيلسوفنا عنايته،
ألا وهي صفة الوحدانية، وحاول أن يؤكد عليها، لأنها أخص خصائص الصفات الإلهية.
ففي البداية يعرض هبة الله بن ملكا لمعنى الواحد،
كالواحد بالشخص للإنسان مع كثرة أعضائه أو الواحد بالنوع الأشخاص النوع الإنساني
مثل زيد أو عمر ثم يحاول أن يعمم رأيه هذا فيقول الواحد بالجنس مثل الحيوانية
المملكة الحيوان والإنسان والواحد بالذات أو العدد كالشمس مثلًا ثم ينتهي إلى
الواحد بالهو هو كالشيء البسيط الذي لا تركيب فيه ولا أجزاء.
فواجب الوجود بذاته لا علة له فلا وجه
لكثرته بعد وجوب بالذات لا بالذاتيات ولا بالعرضيات فهو واحد بالشخص لا مثل ولا ند.
ويعتقد فيلسوفنا: أن واجب الوجود لا تركيب
في ذاته من أجزاء إن كان بعضها واجب الوجود وبعضها لا، فواجب الوجود هو ذلك البعض
الواجب دون ما ليس بواجب فهو واحد منها والباقية غير واجبة الوجود وكل ما ليس
بواجب الوجود بذاته فهو معلول، واجب الوجود فهو بعده في الوجود والأجزاء في الوجود
قبل المركب، فواجب الوجود بذاته لا أجزاء له وإلا لكان علة علته وكان سابق سابقه
إلى الوجود هذا محال، فذاته لا تركيب فيها من أجزاء مختلفة من أعضاء أو غيرها فهو
صمد أي بسيط وواحد لا غيرية فيه [المعتبر: ج٣ ص٦١].
ويسوى هبة الله بن ملكا بين الماهية والوجود
في ذات الله فيذهب إلى أن المبدأ الأول واحد الذات والحقيقة والماهية فهو واحد أحد
فرد صمد ، الواحد من حيث لا كثرة فيه مطلقا ، والأحد من حيث لا كثرة فيه كما في
-العسكر الواحد والفرد من حيث لا ند ولا ضد له والصمد من حيث لا تركيب في ذاته
فالأحدية فصل متمم للواحدية والفرد فصل متمم للأحدية ، والصمد فصل متمم للفردية
فإن الواحد قد يكون كالعسكر الواحد فلا يكون أحدا ، والأحد قد يكون له نظير وضد
فلا يكون فردا والفرد قد يكون فيه تركيب فلا يكون صمد فهو واحد أحد فرد صمد فهو
واحد من كل وجه لا كثرة فيه وهو خالق الخلق وعلة العلل والواجب الوجود بذاته وحده
لا شريك له [تفسير ابن كثير: الجزء الرابع ، دار الفكر للطباعة والنشر ، ص ٥٥٦].