قبل أن يعرض هبة الله بن ملكا هذا البرهان، ذهب يبين أن هناك من
الموجودات ما يدركها الإنسان بحاسة من حواسه كالبصر والسمع والشم ومن الموجودات
مالا يستطيع إدراكها شخص ويدركها آخر، ولا ينبغي ذلك أن يجعلنا نقدح في عدم وجودها،
فإن الإدراك ليس شرطًا في الوجود وإنما الوجود شرط في الإدراك
ويقسم ابن ملكا الموجودات إلى قسمين الموجودات الحسية المشاهدة أو
على حد تعبيره موجودات الأعيان والموجودات العقلية الذهنية وما يسميها موجودات
الأذهان، وموجودات الأعيان هي التي يدركها كثيرين مثل الشمس التي يراها الناس،
وغيرهم فهي واحدة ولا تتكثر بإدراك المدركين لها.
أما موجودات الأذهان، أو الموجودات العقلية، فالأمر بخلاف ذلك، فقد
يدرك إنسان ما شيء في ذهنه ويدرك آخر نفس الشيء بالذهن لكن لا يكون الإدراك بينهما
واحد، فالأخير يدرك مثل الذي أدرك صاحبه في ذهنه ولا يكون هو هو، وهكذا ينتهى
فيلسوفنا بعد هذا التوضيح البين إلى أن موجودات الأعيان (المحسوسات ) تختلف عن
موجودات الأذهان (المعقولات) عند من يتأمل ويتحقق في تأمله [انظر : أبو البركات :
المعتبر في الحكمة، ج ۳ ص ۲۰ - ۲۲]، ونلحظ هنا أن ابن ملكا كما أشرنا دأبه وديدنه التأمل والتحقق وليس
مجرد تقليد الآخرين لمجرد التأثر وهو طبقا لما التزم به فيلسوفنا من نهج وطريقة في
التفكير
بعد هذا التمهيد يدخل فيلسوفنا إلى صميم برهانه، وهو قسمة الموجودات
إلى إما أن يكون موجودًا بذاته وعن ذاته وإما أن يكون وجوده واجب عن غيره ولم يجب
له بذاته وهذه قسمة عقلية [المرجع نفسه : ص ۲۲ ]، وطبقًا لهذه القسمة العقلية يوضح
فيلسوفنا الموجود بغيره والموجود بذاته، فيرى أن الموجود بغيره لا يخلو إذا اعتبرت
ذاته بذاته إما أن يجب له وجود بذاته أو يمتنع أو يمكن فإن امتنع أن يوجد البتة
فإنه إذا قيل لشيء إنه ممتنع الوجود فإما أن يقال ذلك فيه مطلقًا أو بشرط، فإن قيل
مطلقًا وصدق لم يمكن أن يوجد ذلك الشيء بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب وإن
قيل بشرط فلا يصح وجوده إلا بارتفاع ذاته وارتفاع ذاته عدمه فيكون القائل كأنه قال
لا يصح وجوده إلا مع عدمه ووجود الشيء وعدمه لا يجتمعان فالممتنع الوجود لا يصح أن
يوجد بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب، ولما كان الواجب الوجود بغيره لا يكون
وجوده بذاته واجبًا ولا ممتنعًا، وما ليس بواجب ولا ممتنع فهو ممكن الوجود[أبو البركات : المعتبر في الحكمة، جـ ٣،
ص ۲ ].
ويعتقد أبو البركات أن التسلسل من ممكن إلى ممكن يفضى حتمًا لا محالة
إلى موجود واجب الوجود بذاته فيرى أن الممكن الوجود بذاته إذا صار موجودًا فوجوده
عن غيره وبغيره وذلك الغير الموجب لوجود الممكن الوجود إذا كان ممكن الوجود أيضًا
فحكمه كذلك أيضًا في وجوب وجوده بغيره ولا يوجد ما نسب إليه إلا بعد وجوده بعدية
بالذات فكل أخير من الموجودات بالغير متأخرًا لوجود عما يوجد به ولا يوجد إلا بعد
وجوده بعدية بالذات ووجود المتأخر منها يدل على وجود المتقدم ووجود المتقدم حاصل
قبل حصول المتأخر من حيث أنه لا يوجد إلا بعده بعدية بالذات وإن لم تكن بالزمان
فكل ممكن الوجود بذاته إنما يوجد عن واجب الوجود بذاته [ نفس المرجع : نفس الصفحة ].
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن فيلسوفنا رغم أنه صوب سهام
النقد والتجريح للعديد من الأحجار الأساسية في جدار المذهب السينوي مثل فكرة الفيض
التي سنعرض لها في الأبواب القادمة، إلا أنه لم ينج من التأثر بأفكاره، سيما برهان
الممكن والواجب الذي عرضنا له توًا.