إن المقصود بالموت هو قمع الشهوة المردية، وإخماد نيرانها المحرقة، وتسكين هوائجها المتلفة، وقمع هوى النفس، ويقع الموت على أنواع بحسب أنواع الحياة، والموت لدى الصوفية يأتي على أنواع: منها الموت الأبيض، الموت الأسود، الموت الأحمر، الموت الأخضر.
إن المقصود بالموت هو قمع الشهوة المردية، وإخماد نيرانها المحرقة، وتسكين هوائجها المتلفة، وقمع هوى النفس، ويقع الموت على أنواع بحسب أنواع الحياة، والموت لدى الصوفية يأتي على أنواع: منها الموت الأبيض، الموت الأسود، الموت الأحمر، الموت الأخضر.
كلمة الموت في أصلها اللغوي لها عدة معان:
فالموت ضد الحياة، والميت: الذي مات، والميت المائت: الذي لم يمت بعد.
وقيل الميت يصلح لما قد مات ولما سيموت قال الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [سورة الزمر: ٣٠].
وجمع بين اللغتين عدى بن الرعلاء فقال:
ليس من مات فاستراح بميت * * * إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش شقيا * * * كاسفا باله قليل الرجاء
فأناس يُمَصّصون ثمادًا * * * وأناس حلوقهم في الماء
(الزركلي: الأعلام ،حـ٤، صـ٢٢٠)
وموت مائت: كقولك ليل لائل، يؤخذ له من لفظه ما يؤكد به، ففي حديث الثوم والبصل «مَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًاا» [أخرجه مسلم] أي فليبالغ في طبخهما لتذهب حدتهما ورائحتهما [لسان العرب].
وبمثل هذا يستخدم الصوفية كلمة الموت للمبالغة في قهر النفس كما سنبين.
والموت: السكون، وكل ما سكن فقد مات.
وقد أورد ابن عربي هذا المعنى وقال: الموت هو السكون، والتزم المعنى اللغوي للموت، وهو ما يتيح إطلاق الموت على أمور أخرى قابلة للسكون.
والموت: الخمود، يقال ماتت النار: أي خمدت (الزمخشري).
وقد استخدم الجيلي هذا المعنى حين اعتبر الموت خمود النار الغريزية التي يكون بها سبب الحياة في دار الدنيا. (الجيلي: الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، جـ٢ ، صـ٥٣).
وذكر ابن القيم في مدراج السالكين أن الموت الإرادي هو قمع الشهوة المردية، وإخماد نيرانها المحرقة، وتسكين هوائجها المتلفة، فحينئذ يتفرغ القلب والروح للتفكير فيما فيه كمال العبد، ومعرفته، والاشتغال به. (ابن القيم: مدارج السالكين، جـ٣، صـ٢٤٦).
والموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة:
الأول: ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوانات والنباتات نحو قوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: ٥٠]. وقوله سبحانه: {رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}[سورة ق: ١١].
الثانى: زوال القوة الحاسة نحو قوله تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: ٢٣].
الثالث: زوال القوة العاقلة وهو الجهالة نحو قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: ١٢٢]، وإياه قصد بقوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}[النمل: ٨٠].
الرابع: الحزن المكدر للحياة، وإياه قصد بقوله: {وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ} [إبراهيم: ١٧].
الخامس: المنام، فقيل النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل، وعلى هذا النحو سماه الله توفيا فقال: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: ٤٢] (الراغب الأصفهانى: المفردات في غريب القرآن صـ٤٧٦، ٤٧٧).
وفي حديث الانتباه من النوم «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». [رواه البخارى / كتاب / الدعوات / باب / ما يقول إذا نام (٥٨٣٧)، (٥٨٣٩)، (٥٨٤٩)].
سمى النوم موتا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلا وتشبيها لا تحقيقا (لسان العرب مادة (موت) صـ٤٢٥٩).
وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر، والذل، والسؤال، والهرم، والمعصية، وغير ذلك. (لسان العرب مادة (موت) ص ٤٢٩٦).
ومنه الحديث: «أَوَّلُ مَنْ مَاتَ إِبْلِيسُ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَصَى» (ذكره أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء ٧/٣٠٤].
وفي حديث موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قيل له: «إِنَّ هامَانَ قَدْ مَاتَ، فَلَقِيهُ، فسألَ رَبَّه، فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَعْلَمُ أنَّ مَن أَفْقَرْتُه فَقدْ أَمَتُّهُ؟» [ذكره ابن الأثير في النهاية في غريب الأثر، ٤/٣٦٩].
وهذه كلها معانٍ استخدمها الصوفية في الحديث عن معنى الموت.
والموت في اصطلاح الصوفية هو: قمع هوى النفس، فإن حياتها به، ولا تميل إلى لذاتها وشهواتها ومقتضيات الطبيعة البدنية إلا به، وإذا مالت إلى الجهة السفلية جذبت القلب الذي هو النفس الناطقة إلى مركزها، فيموت عن الحياة الحقيقية العلمية التي له بالجهل، فإذا ماتت النفس عن هواها بقمعه، انصرف القلب بالطبع والمحبة الأصلية إلى عالمه: عالم القدس والنور، والحياة الذاتية التي لا تقبل الموت أصلا. [الكاشانى: اصطلاحات الصوفية صـ١٠٥].
فالموت قمع هوى النفس، فمن مات عن هواه فقد حيي بهداه. [الجرجاني: التعريفات صـ ٢١١].
والصوفية يستخدمون كلمة (قوامع) للتعبير عن كل ما يقمع الإنسان عن مقتضيات الطبع والنفس والهوى عنها، وهي الأمداد الأسمائية والتأييدات الإلهية لأهل العناية في السير إلى الله والتوجه نحوه. (راجع، التعريفات صـ ١٥٩)
والهوى: هو ميل النفس إلى مقتضيات الطبع والإعراض عن الجهة العلوية بالتوجه إلى الجهة السفلية. (اصطلاحات الصوفية صـ ٦٨)
وقد أجمع الصوفية على أن الروح مبدأ الحياة، وأن النفس مبدأ الشهوات، والقلب مركز المعرفة، والسر مركز المشاهدة أو الشهود، أو كما يقال أحيانا: النفس مبدأ الشهوات والأفعال المذمومة، والروح مبدأ الحياة والأفعال المحمودة، والعقل محل العلم، والقلب محل المعرفة والمحبة أصالة، ولكنه إن مال إلى النفس اتصف بصفاتها، وإن مال إلى الروح اتصف بصفاتها، فهو متقلب بينهما. (د/ أبو العلا عفيفي: الملامتية والصوفية وأهل الفتوة صـ ٥٠)
ولقد نقل الصوفية النفس من المعنى الواسع الشامل للفجور والتقوى إلى المعنى المحدود في الأمارة بالسّوء، وأطلقوا على الصفات المذمومة في الإنسان لفظة النفس من باب إطلاق العام على الخاص. (د/ عبد الله الشاذلي: التصوف الإسلامي في ميزان الكتاب والسنة، المجلد الثالث، صـ١٢٤)
وقد ذكر الإمام الغزالي: أن النفس مشترك بين عدة معان.
لكن الاستعمال الغالب على أهل التصوف أنه يراد بالنفس المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان، فيقولون: لابد من مجاهدة النفس وكسرها (الإمام الغزالي: إحياء علوم الدين جـ٣ صـ٤).
والمنهج الصوفي في قمع هوى النفس يبدأ أولا بأن يجتهد الصوفي في مراعاة نفسه، ومعرفة أخلاقها؛ فإنها الأمَّارة بالسوء، ولا يغفل عنها وإن تناهى في المعرفة، فإن النبي r كان مراعيا لها، ومستعيذا بالله من شرها، وكان على بن أبى طالب t يقول: (ما أنا ونفسى إلا كراعى غنم، كلما ضمها من جانب انتشرت من جانب).
وقال أبو بكر الوراق النفس مرائية على جميع الأحوال، منافقة في أكثر الأحوال، مشركة في بعض الأحوال. (طبقات الصوفية صـ٥٢)
وقال الواسطي: النفس صنم، والنظر إليها شرك، والنظر فيها عبادة. (طبقات الصوفية صـ٧٢)
وقيل: مثلها في إبداء الحسن وإخفاء القبيح مثل الجمرة، لونها حسن وإنها لتحرق، وإن عوقبت تشوفت التوبة، وتمنت الأوبة، وإن عوفيت ركبت هواها وأعرضت، قال الله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: ٥١]
وقيل: مثل النفس مثل ماء واقف صاف، إن حركته تبين ما تحته من الحمأة والنتن. (أبو النجيب ضياء الدين السهروردى: آداب المريدين صـ٥٩، ٦٠)
وبعد أن يعرف النفس يؤدبها بالرياضات، ولها صفتان: انهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات، فيروضها بالمجاهدات، وهي فطم النفس عن مألوفاتها، وحملها على خلاف أهويتها، ومنعها من الشهوات، ويأخذها بالمكابدات، وتجرع المرارات، بكثرة الأوراد، واستدامة الصوم والنوافل من الصلوات، مع الندم على المخالفات، ونقلها عن قبيح العادات. (أبو النجيب ضياء الدين السهروردي: آداب المريدين صـ٥٢)
والمنهج الصوفي يعتمد أساسا على السعي إلى تزكية النفس، ومقاومة هواها وميلها، وكبح جماحها وأهوائها، ورغباتها الدنيوية، وهو إحدى الغايات الأولى للتصوف الإسلامي، ولذلك حينما سئل أبو الحسين النوري ما التصوف؟ فقال: ترك كل حظ للنفس. (طبقات الصوفية صـ٣٨)
وسئل الجنيد عن التصوف، فقال: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة واتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الشريعة. (أبو بكر محمد الكلاباذى: التعرف لمذهب أهل التصوف صـ٣٤، ٣٥)
وهذا المنهج الصوفي يعبر عنه برياضة النفس ومجاهدتها، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٣٧- ٤١]
وقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت: ٦٩].
والصــــــورة المثــــلى لمجـــاهــدة النفـــــس لدى الصوفية تكون بقمع النفس، وبموت هـــواهـــــا، وكبـــــح جــمـاحـها، ولـــذلـــك يذكر السهروردي من مقامات وأحوال الســـالكين: مقــام مــن ســلك طريـــــق الريــاضــات والمكـــابــدات وقهر النفس في المخالفات، ويقول عنـــه: وهو أفضــــل الطرق {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص: ٥٤].
وهذه الدلالة الخاصة للموت في المصطلح الصوفي، ربما ترجع إلى وقت مبكر من تاريخ الزهاد والمتصوفة.
فها هو الربيع بن خيثم أحد التابعين الذين أخذوا عن عبد الله بن مسعود، وهو أحد ثمانية من التابعين الذين انتهى إليهم أمر الزهد، وكان عبد الله بن مسعود إذا رآه قال: مرحبا يا أبا يزيد، ويجلسه إلى جنبه، ويقول: لو رآك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين. (أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء جـ٢، صـ١٠٥، ١٠٦)
كان يقوم الليل عابدا متهجدا، وكانت أمه تناديه قائلة: يا بنى، يا ربيع ألا تنام ؟ فيقول يا أمه، من جن عليه الليل وهو يخاف البيات، حق عليه ألا ينام . فلما بلغ أشده ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بنى لعلك قتلت قتيلا ؟ فقال نعم يا والدة، قد قتلت قتيلا. قالت: ومن هذا القتيل يا بنى حتى يتحمل على أهله فيعفون؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر بعد، لرحموك. فيقول: يا والدة هي نفسى.
وفي رواية: (قتلت قتيلا هي نفسي). (أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء جـ٢، صـ١١٤)
علل الربيع بكاءه وزهده وسهره لأمه بأنه قتل نفسه، وأقام لمن جاء بعده من الزهاد والمتصوفة صورة نموذجية للمجاهدة وكان أول من قال بها. (د/ كامل مصطفي الشيبى: الصلة بين التصوف والتشيع صـ٢٧٨)
لقد وضع الربيع إذاً في تاريخ المخبتين – ثم الصوفية من بعده- فكرة قتل النفس. (د/ على سامى النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام جـ٣ صـ٢٣٠)
ويـــؤصـــــل الصـــوفيــــــة لهـــذا المعـنــــى بالاستدلال على ذلك بقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: ٥٤]، فمن تاب فقد قتل نفسه.
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق -رضي الله عنه- الموت هو التوبة. (الكاشانى: اصطلاحات الصوفية صـ١٠٥)
وقد ذكر الإمام الألوسي في تفسير هذه الآية - عقب الحديث عن قصة بنى إسرائيل وعبادتهم للعجل، وأمر الله لهم بالتوبة بقتل أنفسهم – أن حظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بنى إسرائيل، فلا يتخذه إلها {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: ٤٣]
وأن الله –سبحانه – قد خلق نفسه في أصل الفطرة مستعدة لقبول فيض الله تعالى والدين القويم، ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم، والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس.... فمتى أخلدت النفس إلى الأرض، واتبعت هواها، وآثرت شهواتها على مولاها، أمرت بقتلها بكسر شهواتها، وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء، والصحو بعد المحو، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية... وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق، ورجال الصدق، وإليه الإشارة ب"موتوا" قبل أن تموتوا، وقيل: أول قدم في العبودية: إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات، وقطعها عن الملاذ. (الإمام الألوسى: روح المعانى حـ١ صـ٢٦١)
ويستدلون كذلك بقول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: ١٢٢]، يعنى ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم. (اصطلاحات الصوفية صـ ١٠٦)
قال ابن عباس – رضى الله عنهما–: إن المراد بالميت: الكافر الضال، وبالإحياء الهداية، وبالنور: القرآن، وبالظلمات: الكفر والضلالة. (روح المعانى حـ٨ صـ١٨)
ويستدلون كذلك أيضا بأحاديث جهاد النفس وسنتحدث عنها عند الحديث عن أنواع الموت.
المصطلحات الخاصة بأنواع الموت لدى الصوفية أُثرت أول ما أُثرت عن حاتم الأصم. [انظر في ترجمته: طبقات الصوفية صـ٢٢].
فهو أول من أطلقها حيث قال: من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موت أبيض، وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر.
فالموت الأبيض: الجوع، والموت الأسود: احتمال أذى الناس، والموت الأحمر: مخالفة النفس، والموت الأخضر: طرح الرقاع بعضها على بعض.
[طبقات الصوفية صـ٢٢،٢٣، حلية الأولياء جـ٨ صـ٧٨].
ونجد هذا التصنيف عند ابن عربي ولم يضف جديدا [د/ سعاد الحكيم: المعجم الصوفي صـ١٠٣٠].
حيث قال: "فإن لأهل الله أربع موتات، موت أبيض: هو الجوع، وموت أحمر: وهو مخالفة النفس في هواها، وموت أخضر: وهو طرح الرقاع في اللباس بعض على بعض، وموت أسود: وهو تحمل أذى الخلق، بل مطلق الخلق". [ابن عربي: الفتوحات المكية جـ١ صـ٢٥٨].
وقال: سر الموت كرباته وكشف حسراته، فأبيضه: ألم حسى، وأحمره: ألم نفسى، وأسوده مرض عقلي، وأخضره مثل زهر النبات لما فيه من شتات. [ابن عربي: الفتوحات المكية جـ٢ صـ٥٢].
١- الموت الأبيض:
يعرف الصوفية الموت الأبيض بالجوع، ويعللون ذلك بأنه ينور الباطن، ويبيض وجه القلب، فإذا لم يشبع السالك أو إذا كان السالك ممن لا يعرف الشبع بل لا يزال جائعًا، مات بالموت الأبيض، فحينئذ تحيي فطنته، لأن البطنة تميت الفطنة، فمن ماتت بطنته حييت فطنته) [اصطلاحات الصوفية صـ١٠٦]
لذلك يقول ابن عربي:
الجوع موت أبيض وهو من أعلام الهدى
الجوع حلية أهل الله، وأعني بذلك جوع العبادة وهو الموت الأبيض. (الفتوحات المكية جـ٢ صـ١٨٧)
والجوع أحد أركان الطريق الصوفي الذي يتكون من أربعة أشياء: الجوع، والعزلة (أو الخلوة) والسهر، وقلة الكلام (أو الصمت) . (الإمام عبد الوهاب الشعراني: الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية جـ١ صـ٥٦)
فهذه الأربعة تحصن من القواطع، فإن مقصود المريد: إصلاح قلبه ليشاهد به ربه، ويصلح لقربه وهي جنة وحصن- كما يذكر الصوفية- بها تدفع عنه القواطع، وتمنع العوارض القاطعة للطريق، فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق. [إحياء علوم الدين جـ٣، صـ٧٦،٧٧].
والجوع أهم هذه الأركان – في نظر الصوفية – فإذا جاع المريد تبعه الأركان الثلاثة بالخاصية، إذْ الجوعان من شأنه أن يقل كلامه، ويكثر سهره، ويحب العزلة عن الناس.
وأنشدوا:
بيت الولاية قسمت أركانه * * * ســـــاداتنا فيــــــــــه من الأبدال
ما بين صمت واعتزال دائما * * * والجوع والسهر النزيه الغالي.
[طبقات الشافعية جـ٥ صـ١٥٣-١٦٣]
وكان أبو القاسم القشيري– رحمه الله تعالى – يقول: إنما أساس باب الطريق الجوع، لأنهم لم يجدوا ينابيع الحكمة تحصل لهم إلا به، وقد كانوا يتدرجون في تقليل الأكل شيئا فشيئا. [الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية صـ٥٦]
ويقول سهل بن عبد الله التستري:
لما خلق الله الدنيا جعل في الجوع العلم والحكمة، وجعل في الشبع الجهل والمعصية، وكان – رحمه الله تعالى – إذا جاع قوى، وإذا شبع ضعف. [الأنوار القدسية صـ٥٧،٥٦].
وقال يحيى بن معاذ: لو كان الجوع يباع في الأسواق لما كان لطلاب الآخرة أن يشتروا سواه، وقال: لو تشفعت إلى نفسك بالملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، في ترك الشهوة لردّتهم أجمعين، ولو توسلت إليها بالجوع لانقادت لك وصارت من الطائعين. [آداب المريدين ص٩٩].
وقال: الزهد ثلاثة أشياء: الخلوة، والقلة، والجوع.
وقال: جوع التوابين تجربة، وجوع الزاهدين سياسة، وجوع الصديقين تكرمة. [حلية الأولياء جـ١٠ صـ٦٧].
والجوع- كما يذكر الإمام الغزالي- ينقص دم القلب ويبيضه، وفي بياضه نوره، ويذيب شحم الفؤاد، وفي ذوبانه رقته، ورقته مفتاح المكاشفة، كما أن قساوته سبب الحجاب. ومهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدو، فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات
وذكر عشر فوائد أخرى للجوع هي:
١- صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة.
٢- رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر.
٣- الانكسار والذل، وزوال البطر، والفرح، والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله.
٤- ألا ينسى بلاء الله وعذابه، ولا ينسى أهل البلاء.
٥- كسر شهوات المعاصي كلها، والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء.
٦- دفع النوم ودوام السهر.
٧- تيسير المواظبة على العبادة.
٨- يستفيد من قلة الأكل صحة البدن، ودفع الأمراض.
٩- خفة المؤونة فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير.
١٠- أن يتمكن من الإيثار والصدقة بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين.
وابن عربي بالرغم من أنه يعتبر أن الجوع أحد أركان المجاهدة، التزاما بالمنهج الصوفي إلا أنه يعود فيذكر:
أن الجوع المطلوب في الطريق هو للسالكين، جوع اختيار لتقليل فضول الطبع، ولطلب السكون عن الحركة إلى الحاجة، فإن علا فلطلب الصفة الصمدية، وحدّه عندنا صوم يوم، فإن زاد فإلى السحر، هذا هو الجوع المشروع الاختياري، وما لنا طريق إلى الله إلا على الوجه المشروع.
ولولا أن الله جعل هذا حد المصلحة في عموم خلقه، لما وقته إلى هذا القدر، فلا يكون الإنسان في الزيادة عليه أعلم بمصالح الجوع في العبد من ربه، هذا غاية سوء الأدب. فينبغي للصالح السالك ألا يزيد على الحد المشروع فيكون متبعا، فإن ترك العمل بالاتباع أعظم أجرا من العمل بالابتداع، فإنا بالاتباع بحكم الأصل.
ثم يبين المعنى المراد للأحاديث التي يستدل بها البعض على الجوع قائلا: ولما قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، فَسُدُّوا مَجَارِيَهُ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ». [رواه البخاري] ، لم يختلف أحد من العلماء ولا من أهل الله أنه أراد الصوم، والتقليل من الطعام في السحور المسنون لمن واصل، وفي الإفطار لمن أفطر، فإنه قال صلى الله عليه وسلم: «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ». فلا يتعدى المريد الحدَّ الذي سنه من شرع الطريق إلى الله به.
فلا تجع من غير صوم فإنه غير طريق مشروعة، ولا تلحق بأهل الغلط من أهل هذا الطريق الذين يجوعون تلامذتهم من غير صوم، أو يصومونهم ثم يطعمونهم قبل غروب الشمس، ذلك غلط منهم، وجهل بطريق الله تعالى، وإن كانوا يقصدون بذلك مخالفة النفس فما هذا موضعه، وإنما ينبغي أن يخالفوها في تعيين المأكول على حد مخصوص، ووجه معين وميزان مستقيم يعرفه أهل الله.
أما جوع الأكابر فجوع اضطرار، فإن الذي ينتجه الجوع قد حصل لهم ملكة لا تزول عنهم في حال جوع ولا شبع، فلم يبق إلا التقليل، ولكن من الحلال إما للنشاط في الطاعات، وإما لخفة الحساب. (الفتوحات المكية جـ٢ صـ١٨٧- ١٨٨).
وهكذا يؤكد ابن عربي على عدة حقائق خاصة بالجوع:
أ- انه بالنسبة للسالكين أهل الطريق جوع اختيار، وأنه ليس مطلوبا لذاته أو لنفسه، وإنما لما يحدثه في النفس والقلب من صفاء ورقة وضياء؛ ولذلك يقول: إن الجوع ليس مطلوبا لك حتى تستغنى بالشبع عنه، ولكن إن كان الجوع إذا قام بك أعطاك من الصفاء والرقة واللطافة والتحقق بالعبودية والافتقار ما يعطيه حقيقته، فأنت طالب له، غير مستغن عنه، فإن أعطاك الشبع ما أعطاك الجوع من كل ما ذكرناه، فقد استغنيت بالشبع عن الجوع ؛ إذ الجوع ليس مطلوبا لنفسه، وإنما هو مطلوب لما ذكرناه، فإذا وجدنا ذلك في ضده، فلا حاجة لنا به؛ إذ الطبع يرده، كما أن الطبع يوجده، ولذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من الجوع ويقول: إنه بئس الضجيع [أخرجه النسائي]، وذلك لأنه وإن أعطى ما ذكرناه ولكن لا يقطع أن يكون افتقاره ذلك إلى الله. بل قد يكون لغير الله، فلذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه: «إِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ».
الجوع بئس ضجيع العبد جاء به * * * لفظ النبي فلا ترفع به رأسا
قد أدرك القوم في تعيينه غلط * * * ولم يقيموا له وزنا وقسطاسا
من قال ما الجوع لم يعرف حقيقته * * * وقد أضل بما قد قاله الناسا
جوع العوائد محمود ولست أرى * * * فيما أراه من استعماله بأسا
جوع الطبيعة مذموم وليس يرى * * * فيه المحقق بالرحمن إيناسا
(نفس المصدر جـ٢ص١٨٨).
ب- أن الجوع لا يكون إلا عن صيام، أى لابد أن يكون مقصودا به العبادة عن طريق الصوم، فإن هذا هو الوجه المشروع للجوع.
ج- ألا يكون هذا الجوع المقصود للعبادة مؤديا إلى هلاك الشخص الذي يقوم بهذا النوع من أنواع الرياضة الروحية أو إلحاق الضرر به في بدنه، حتى لا يفتر عن العبادة وممارسة أنواع أخرى من الطاعات. [فلسفة الموت عند الصوفية صـ١٨٩].
د- أن الجوع له حد ومقدار، وهو الجوع المحقق بخلاف الجوع المتخيل فما وقعت الاستعاذة النبوية إلا من الجوع المحقق فإنه يكون به الإنسان – كما يقول ابن عربى- عاصيا للشرع ظالما لنفسه إذا كان اختيارا، ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يجوع قط إلا اضطرارا، وهو حال العلماء بالله لأنهم من صفتهم العدل . (الفتوحات المكية جـ٢ صـ٦٥٨)
وهكذا نلاحظ أن ابن عربي لم يتوقف عند الجوع كشرط ضروري من شروط الطريق كما قرره أسلافه، بل نظر إلى الجوع كوسيلة لها فوائدها ومضارها الصحية والفكرية، ولها ممارسة خاصة من خلال نسبيتها. [المعجم الصوفي صـ٢٥٥].
وارتباط الجوع بالزهد والتصوف يرجع إلى عهد مبكر في الحياة الروحية في الإسلام، فعباد الشام قد عرفوا باسم الجوعية.
يقول الكلاباذى: وأهل الشام سموهم "جوعية" لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ». [التعرف لمذهب أهل التصوف، صـ٣٠،٢٩].
وكان أول من دعا إلى الجوع في الشام كعب الأحبار، وربطه بنور القلب وضيائه، ونور الحكمة مما يعنى صلته بما يعرف فيما بعد بالموت الأبيض
قال كعب: إنى لأجد نعت قوم يكونون في هذه الأمة بمنزلة الرهبانية، قلوبهم على نور، تنطق ألسنتهم بنور الحكمة، تعجب الملائكة من اجتهادهم واتصالهم بمحبة الله، قيل من هم؟ قال: قوم جوعوا أنفسهم لله وظمؤوها، ينادى يوم القيامة، ألا ليقم أهل الجوع والظمأ، فيلتقطون من بين الصفوف فيؤتى بهم إلى مائدة منصوبة لم تر العيون ولم تسمع الآذان بمثلها، فيجلسون عليها والناس في الحساب. [حلية الأولياء جـ٥ صـ٣٨٢،٣٨١].
وقال كعب أيضا: قال موسى -عليه السلام-: "إِنِّي لَأَجِدُ فِي الأَلْوَاحِ صِفَةَ قَوْمٍ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنَ النُّورِ مِثْلَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي، تَكَادُ الْجِبَالُ وَالرِّمَالُ أَنْ تَخِرَّ لَهُمْ سُجَّدًا مِنَ النُّورِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ، وَقَالَ: اجْعَلْهُمْ مِنْ أُمَّتِي، قَالَ اللَّهُ: يَا مُوسَى، إِنِّي اخْتَرْتُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وَجَعَلْتُهُمْ أَئِمَّةَ الْهُدَى، وَهَؤُلَاءِ طَوَائِفُ مِنْ أُمَّتِهِ، قَالَ: يَا رَبِّ، فِيمَ بَلَغُوا هَؤُلَاءِ، حَتَّى آمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِهِمْ، وَأُبَلِّغَ نِعْمَتَهُمْ؟ قَالَ: يَا مُوسَى، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ كَادُوا أَنْ يَعْجَزُوا عَمَّا أَعْطَيْتُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، يَا مُوسَى، بَلِّغْهُمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الطَّعَامَ الَّذِي أَحْلَلْتُ لَهُمْ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَكَانَ عَيْشُهُمْ فِي الدُّنْيَا الْفَلْقَ مِنَ الْخُبْزِ، وَالْخَلْقَ مِنَ الثِّيَابِ، أَيِسُوا مِنَ الدُّنْيَا، وَأَيِسَتِ الدُّنْيَا مِنْهُمْ، أَقْرَبُهُمْ مِنِّي وَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ أَشَدُّهُمْ جُوعًا، وَأَشَدُّهُمْ عَطَشًا، يَا مُوسَى، لَمْ يَتَقَرَّبْ أَحَدٌ إِلَيَّ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ كَبِدٍ عَطِشَتْ وَجَاعَتْ، يَا مُوسَى، لَيْسَ لِلْجُوعِ عِنْدِي ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ، يَا مُوسَى، اصْبِرْ وَتَوَكَّلْ عَلَيَّ، فَهُوَ أَشْرَفُ الْعَمَلِ عِنْدِي، يَا مُوسَى، مَنْ جَاعَ وَعَطِشَ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَشْيَتِي، شَبِعَ وَرَوِيَ فِي الآخِرَةِ، يَا مُوسَى، قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيَّ بِذَوْبِ الشُّحُومِ وَاللُّحُومِ فِي الدُّنْيَا، بِقِلَّةِ الطَّعَامِ، فَإِنَّهَا أَحَبُّ الأَشْيَاءِ إِلَيَّ، يَا مُوسَى، طُوبَى لِمَنْ صَحِبَهُمْ وَصَحِبُوهُ، أَقْرَبُهُمْ مِنِّي، وَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ مَنْ أَبْغَضَ جَائِعًا عُرْيَانًا مِنْ مَخَافَتِي". [حلية الأولياء جـ٢ صـ ٣٨٩،٣٨٨].
ثم يأتي بعد ذلك أبو سليمان الداراني [المتوفي سنة ٢١٥هـ] فربط أيضا الجوع بالقلب وصفائه ونقائه ورقته حيث قال: إذا جاع القلب وعطش صفا ورق، وإذا شبع وروى عمى. [طبقات الصوفية صـ٢٠، حلية الأولياءجـ٩ صـ٢٦٦].
وقال: مفتاح الآخرة الجوع، ومفتاح الدنيا الشبع، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله تعالى. (حلية الأولياء جـ٩ صـ٢٥٩).
وبعد ذلك بقليل يأتي حاتم الأصم ت٢٣٧هـ ليعرف الموت الأبيض بالجوع.
ويبقى رأى ابن عربي في الجوع هو الجدير بالصحة والاعتبار خاصة وأنه اعتمد على الدلائل الشرعية الصحيحة والواضحة.
فهو اعتبر أن الجوع لأهل الطريق اختياري، وأنه لا يكون إلا عن صيام، ولا يكون مؤديا إلى الهلاك وأن له حدًا ومقدارًا، وهو وسيلة لها فوائدها ومضارها
٢- الموت الأخضر:
يعرف الصوفية الموت الأخضر بلبس المرقع من الخرق الملقاة التي لا قيمة لها. (اصطلاحات الصوفية صـ١٠٦)
وآدابهم في اللباس متفاوتة: فقد أجمعوا على إباحة لبس سائر الأنواع من الثياب، إلا ما حرمت الشريعة لبسه على الرجال وهو لبس الحرير. (آداب المريدين صـ ٢٦).
حكى عن أبى سليمان الدارنى –رحمه الله تعالى – أنه لبس قميصا أبيض، يعنى غسيلا، فقال له أحمد: لو لبست قميصا أجود من هذا، أو كما قال، فقال له: يا أحمد، ليت قلبي في القلوب مثل قميصى في الثياب.
ويقال إن أبا حفص النيسابورى، –رحمه الله –، كان يلبس قميصا خزا، وثيابا فاخرة، وكان له بيت فرش فيه الرمال. (اللمع صـ٢٤٩،٢٤٨).
وقد ذكر الطوسي آداب الصوفية في اللباس قائلا: وآداب الفقراء في اللباس أن يكونوا مع الوقت، إذا وجدوا الصوف او اللبد أو المرقعة لبسوا، وإذا وجدوا غير ذلك لبسوا، والفقير الصادق أَيْش ما لبس يحسن عليه، ويكون عليه في جميع ما يلبس الجلالة والمهابة، ولا يتكلف ولا يختار، وإذا كان عليه فضل يواسى من ليس معه، ويؤثر على نفسه إخوانه بإسقاط رؤية الإيثار، ويكون الخُلْقان أحب إليه من الجديد، ويتبرم بالثياب الكثيرة الجيدة، ويضن بالخريقات الخلق القليلة، ويتكلف للنظافة والطهارة. [اللمع صـ ٢٤٩].
ويرى الصوفية أن الاقتصار على الأدون من الثياب والخلقان والمرقعات أفضل، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما قل وكفي خير مما كثر وألهى» مسند الأمام أحمد
ولأنه من الدنيا التي حلالها حساب، وحرامها عقاب، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ تَرَكَ ثَوْبَ جَمَالٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى لُبْسِهِ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [المعجم الكبير جـ٢ صـ١٨٩].
ويختارون لبس المرقعات لمعان منها: أنها أقل مئونة، وأقل تخرقا، وأبقى على صاحبها، وأقرب إلى التواضع، وأصبر على الكد، وتدفع الحر والقر، ولا مطمع فيها لأحد من أهل الشر، وتمنع من الفساد والكبر. (آداب المريدين صـ٢٧).
وآدابهم في المرقعات مجانبة الشهرة منها، فلا يضيع أكثر أوقاته بالاشتغال فيها، وتلفيق بعضها إلى بعض، والتجاوز في تزيينها؛ فإن ذلك يحصَّل تفويت الوقت بلا فائدة دينية ولا دنيوية، وكان بعض المشايخ إذا رأوا الفقير تجاوز في تزيين مرقعته ولباسه ازدروه، حتى قال بعضهم: لما فقدوا الفائدة من بواطنهم اشتغلوا بالظواهر وتزيينها. و رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-عَلَى بَعْضِ الْوُفُودِ ثِيَابًا رَثَّةً، فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَلْيُرَ عَلَيْكَ». قَالَ: فَيُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ التَّوَسُّطُ. [سنن الترمذي]. [آداب المريدين صـ١٣٥].
وذكر الطوسي أن جماعة دخلوا على يشر بن الحارث رحمه الله تعالى وعليهم المرقعات، فقال لهم بشر: يا قوم اتقوا الله ولا تظهروا هذا الزى، فإنكم تعرفون به وتكرمون له، فسكتوا كلهم، فقام شاب من بينهم فقال: الحمد لله الذي جعلنا ممن يعرف به ويكرم له، والله لنظهرن هذا الزى حتى يكون الدين كله لله، فقال له بشر: أحسنت يا غلام، مثلك من يلبس المرقعة. [اللمع صـ٢٤٨].
وابن عربي لم يشجع ظاهرة المرقعات وإنما حصرها بأهل الله في موتاتهم الأربع. [الفتوحات حـ١ صـ٢٥٨].
فإذا قنع الصوفي بلبس المرقع، واقتصر على ما يستر العورة وتصح فيه الصلاة فقد مات الموت الأخضر، لاخضرار عينه بالقناعة، ونضارة وجهه بنضرة الجمال الذاتى الذي حيى به، واستغنى عن التجمل العارض كما قيل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * * * فكل رداء يرتديه جميل
وهو المشار إليه بقولهم:
وما الحلى إلا زينة لنقيصة * * * يتمم حسنا حيث ماء الحسن قصر
فأما إن كان الجمالُ موفرا * * * لحسنك لم يحتج إلى أن يؤزر
ولما رؤى الأمام الشافعي رضى الله عنه وعليه ثوب خلق لا قيمة له، فعاب عليه من عاب، فأشار إلى أن تحقق النفس بجمالها الذاتي، منشدا:
لئن كان ثوبي فوق قيمته الفلس * * * فلى فيه نفس لا تقاومها نفس
فثوبك شمس تحت أنواره دجىة * * * وثوبى ليل تحت ظلمته الشمس
[راجع: اصطلاحات الصوفية صـ١٠٦، ١٠٧، لطائف الإعلام صـ٤٣٩].
وإنما سمى لبس المرقعات موتا أخضر لأن حالته - كما يرى ابن عربي – حالة الأرض في اختلاف النبات فيه والأزهار، فأشبه اختلاف الرقاع. [الفتوحات المكية جـ١ صـ٢٥٨].
وهناك من يرى أن وجه الشبه بين المرقعات والنباتات الخضراء يمكن أن يتمثل في أن كلا منهما يعد رمزا للحياة، فالنباتات الخضراء تعد رمزا للحياة غير المنظورة للأرض، كما أن المرقعات تعد رمزا للحياة الباطنية للصوفي.
وهذه الحياة الباطنية أو الروحية للصوفي إنما تكون عن طريق إماتة شهواته التي من مظاهرها لبس المرقعات. (فلسفة الموت عند الصوفية صـ١٩٠، ١٩١).
وواضح أن الصوفية لا يحرِّمون أي نوع من أنواع الثياب إلا ما حرمته الشريعة، وأنهم يؤكدون على طهارة ونظافة الثياب، وعدم التكلف ومجانبة الشهرة، ويهدفون بلبس المرقعات، التواضع، والزهد في الدنيا، ومجاهدة النفس، وعدم الاستعلاء على البشر، والاشتغال بالباطن وتزيينه، وعدم الالتفات إلى الظاهر.
وإذا كانوا هم يؤكدون على إباحة جميع أنواع اللباس المشروعة، فإنه يمكن القول بأنه إذا توافرت هذه الغايات وتلك الأهداف، دون اللجوء إلى لبس المرقعات فلا شك أنه يكون أفضل.
ويعتبر الصوفية أنه بهاتين الموتتين - الأخضر والأبيض- تكتمل المروءة.
قال على – كرم الله وجهه – في وصيته لابنه الحسين – رضى الله عنهما–: واعلم يا بنى أنه لا يكمل المرء مروءته حتى لا يبالي أي طعاميه أكل ولا أي لباسيه لبس.
ولقد أحسن من قال:
توهم الجاهل المغرور عن سفه * * * أن الفضيلة في الإثراء للرجل
وظن أن لباس المرء ينقصه * * * إذا غدا المرء عريانا عن الحلل
وما أدرى لتعاميه وغرته * * * بأن حلية أهل الفضل في العقل
[لطائف الإعلام صـ٤٤٠،٤٣٩].
٣- الموت الأسود:
هو احتمال أذى الخلق، فإذا تحقق السالك بالمقام الذي يصير فيه بحيث لا يجد في نفسه حرجا مما يناله من أذى الخلق، وسبهم، وشتمهم، وغير ذلك، فقد مات الموت الأسود، ويحيا بالإمداد من حضرة الجواد، لأنه يصير ممن قد شاهد النعم الباطنة عن غيره حين صارت في حقه ظاهرة، لا يرى صدور الكل إلا من محبوبه. كما قال القائل:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * * * متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة * * * حبا لذكرك فليلمنى اللّوّم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم * * * إذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتنى فأهنت نفسي عامدا * * * ما من يهون عليك ممن يكرم
[راجع أيضا اصطلاحات الصوفية صـ١٠٧].
وكان الشيخ نجم الدين البكري _رضى الله عنه_ يقول: من أعظم أخلاق المريد التحمل لأذى الناس، وكظم غيظه ما استطاع، فإن كل من لم يحمل كظم الغيظ، فلابد من وقوعه في ذل الاعتذار. [الأنوار القدسية في معرفة قواعد صوفية جـ١ صـ١٤٢].
وذكر المحاسبي أن علامة حسن الخلق: احتمال الأذى في ذات الله، وكظم الغيظ، وكثرة الموافقة لأهل الحق على الحق، والمغفرة، والتجافي عن الزلة. (المحاسبي: آداب النفوس صـ١٤٧)
ويعلل ابن عربي تسمية تحمل أذى البشر بالموت الأسود؛ لأن فيه غم النفس، والغم ظلمة النفس، والظلمة تشبه في الألوان السواد. (الفتوحات المكية جـ١ صـ٢٥٨).
إن الإنسان حينما يتحمل الأذى يشعر بالحزن والغم، والحزن فيه كآبة يمكن التعبير عنها بظلمة النفس، ولما كانت الظلمة توافق السواد، لذلك يمكن التعبير عن تحمل الأذى، وما يحدث عنه من حزن وغم بالموت الأسود. [فلسفة الموت عند الصوفية صـ١٩٣].
٤- الموت الأحمر:
عرفه البعض بأنه مخالفة النفس، وهي العبارة التي ذكرها حاتم الأصم، وابن عربي.
وهناك من عرفه بمخالفة الهوى. (لطائف الإعلام صـ٤٤٠).
لذلك يقول الإمام الشعراني: ومن شأن المريد مخالفة هوى نفسه، فلا يوافقها قط فيما تهواه، وقد أجمع الأشياخ على أن رأس مال المريد مخالفة نفسه، ومن أطلق عنان نفسه فيما تهواه فقد أهلكها.
وكان أبو حفص – رحمه الله – يقول: من لم يتهم نفسه على دوام الحالات، ولم يخالفها في جميع شهواتها، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر الأوقات، فهو معذور في سائر الحالات.
وكان أبو بكر الطهسنانى يقول: أعظم حجاب بينك وبين ربك موافقة نفسك. [الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية جـ١ صـ٥٩].
وهو ضرب من ضروب المجاهدة، ومن شأن المريد مجاهدة نفسه دائما في ترك الشهوات. (الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية جـ١ صـ٨٠)
وسمى ذلك الموت بالموت الأحمر، لأنه شبيه بحمرة الدم، فإن من خالف هواه فقد ذبح نفسه. [الفتوحات المكية جـ١ صـ٢٥٨].
وهذا الموت - كما يذكر الكاشانى ـ جامع باقي الموتات كلها، لأنها لا تتحقق بدونه، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم لما كان يرجع من قتال الكفار: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال: مخالفة النفس». [ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار ٢/٣٩٥].
وفي حديث آخر: «المجاهد من جاهد نفسه». [أخرجه ابن حبان في صحيحه].
فمن مات عن هواه فقد حيا بهداه من موت الضلالة، وبمعرفته من موت الجهل، كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * * * وأجسادهم قبل القبور قبور
وكل امرئ لم يحى بالعلم قلبـــه * * * فليس له بعد الممات نشور
وقالوا:
[لطائف الإعلام صـ٤٤١، ٤٤٠، اصطلاحات الصوفية صـ١٠٦،١٠٥].
ليس من مات فاستراح بميت * * * إنما الميت ميت الأحياء
وقالوا:
لم يمت موتة الوفاة ولكن * * * مات من كل صالح وحميد.
الموت ضد الحياة، والسكون، والخمود، ويحلل أنواعه المختلفة: من القوة النامية إلى زوال القوة العاقلة، والحزن، والنوم، والفقر، ثم ينتقل لتوضيح مفهوم الموت في اصطلاح الصوفية كقمع لهوى النفس ومجاهدتها لتحقيق التزكية والارتقاء الروحي، ويُفصِّل في أنواع الموت الصوفي الأربعة: الأبيض (الجوع)، الأخضر (لبس المرقعات)، الأسود (احتمال أذى الخلق)، والأحمر (مخالفة النفس والهوى).
الإماتة تعنى مفارقة الحياة
البعث هو إحياء الله الموتى
الجنَّةُ هي الدارُ التي أعدّها اللهُ للمتقين جزاءً لهم على إيمانهم الصادق وعملهم الصال