Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ابن رشد الحفيد: الجذور والنشأة العلمية

الكاتب

هيئة التحرير

ابن رشد الحفيد: الجذور والنشأة العلمية

وُلد محمد بن أحمد بن رشد في بيئة فقهية بقُرْطُبَة، فجمع بين الطب والقضاء والفلسفة حتى لُقب بالحفيد تمييزًا عن جده، وقد تنقل في مناصب الدولة الموحدية بين إشبيلية ومراكش، مكرسًا حياته؛ لشرح تراث أرسطو، والربط بين الحكمة والشريعة.

نسبه ونشأته

هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد، ويكنى أبا الوليد ويلقب بـ "الحفيد" تمييزًا له عن أبيه وجده اللذين كانا قاضيين وفقيهين مشهورين، وكان جده أبو الوليد محمد فقيهًا مالكيًا، وقاضيًا للقضاة في قُرْطُبَة، ولا يزال جزء من فتاويه محفوظًا في مخطوط بالمكتبة الوطنية في باريس، وكان أبوه - أي والد صاحبنا - قاضيًا في قُرْطُبَة.

ولد صاحبنا في مدينة قُرْطُبَة في سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، ودرس علم الفقه المالكي، والحديث، واشتغل على الفقيه الحافظ أبي محمد بن رزق، واستظهر كتاب الموطأ للإمام مالك – رضي الله عنه- على أبيه، وأخذ يسيرًا عن أبي القاسم بن بَشْكُوَال، وأبي مروان بن مَسرَّة، ودرس علم الكلام، ثم درس الطب على أبي مروان بن جريول البَلَنْسِي، وعلى أبي جعفر الترجالي.

ودرس الفلسفة لكن لا ندري على من، ولا يمكن أن يكون قد درسها على ابن باجه؛ لأن ابن باجه توفي كما رأينا في سنة ٥٣٣ هـ في فارس وابن رشد عمره ١٣ سنة، كما أنه يبدو أنه لم يعرف ابن طفيل إلا في وقت متقدم من عمره، سنة ٥٦٥هـ (١١٦٩م) أو قبيل ذلك بقليل [الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية، ص١٠٧].

وولي ابن رشد قضاء قُرْطُبَة، بعد أبي محمد بن مُغِيث، فحمدت سيرته [ابن الآبار، ج٢، ص٧٤].

وعاد ابن رشد إلى قُرْطُبَة حوالى سنة ٥٦٧هـ (١١٧١م)، لكنه مع ذلك لم يتوقف عن الأسفار في دولة الموحدين: فنجده مرة في مراكش وأخرى في إشبيلية، وثالثة في قُرْطُبَة، ويشهد على ذلك ما ذكره في تفاسيره لكتب أرسطو من أسماء للبلاد التي أتم فيها كتابتها، فهو في سنة ٥٧٤هـ (۱۱۷۸ م) كتب في مراكش قسمًا من كتابه "في الجرم السماوي"، وفي سنة ٥٧٥ هـ (۱۱۷۹ م) فرغ في إشبيلية من أحد كتبه في علم الكلام ثم دعاه السلطان يوسف مرة أخرى إلى مراكش في سنة ٥٧٨ هـ (١١٩٢م)، وعينه طبيبًا له مكان ابن طفيل الذي بلغ سنًا عالية، فاعتزل الطب لكنه بقي وزيرًا [الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية، ص١٠٩].

وتوفي السلطان يوسف في ربيع الثاني سنة ٥٨٠هـ (١١٨٤/٧/١٣م)، وخلفه ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور بالله، فزاد من تقريب ابن رشد "وكان مكينًا عند المنصور، وجيهًا في دولته" [طبقات الأطباء، ابن أبي أصيبعة، ص٣٤٠].

وقد توجس ابن رشد من هذا التقريب الشديد، كما يدل على ذلك ما أورده ابن أبي أصيبعة (الموضع نفسه) من أنه: لما قرب المنصور لابن رشد، وأجلسه إلى جانبه، حادثه ثم خرج من عنده وجماعة الطلبة وكثير من أصحابه ينظرونه، فهنأوه بمنزلته عند المنصور وإقباله عليه، فقال ابن رشد: "والله إن هذا ليس مما يستوجب الهناء به فإن أمير المؤمنين قربني دفعة إلى أكثر مما كنت أؤمل فيه، أو يصل رجائي إليه" [المرجع السابق، ص٣٤٠].

أسباب النقمة على ابن رشد

ذهب المؤرخون في تفسير أسباب نقمة يعقوب المنصور بالله على ابن رشد مذاهب شتى:

۱ - فذكر عبد الواحد المراكشي [تلخيص أخبار المغرب، ص ٢٢٤ – ٢٢٥]، وابن أبي أصيبعة [عيون الأنباء، ص ٣٤١ – ٣٤٢]، أن السبب في ذلك أن ابن رشد، وكان قد صنف كتابًا في "الحيوان"، وذكر فيه أنواع الحيوان ونعت كل واحد منها، فلما ذكر الزرافة وصفها ثم قال: "رأيتُ الزرافة عند ملك البربر" - يعني المنصور- فلما بلغ ذلك المنصور، صعب عليه، وكان أحد الأسباب الموجبة في أنه نقم على ابن رشد وأبعده، ويقال: إن مما اعتذر به ابن رشد أنه قال: إنما قلت "ملك البرين" وإنما تصحفت على القارئ فقال: "ملك البربر"، ويقول عبد الواحد إن هذه عادة العلماء حينما يذكرون عظماء البلاد فإنهم لا يستعملون عبارات التفخيم التي يستخدمها الكُتَّاب والمنافقون.

٢ - كذلك يذكر عبد الواحد المراكشي [تلخيص أخبار المغرب، ص ٢٢٤]، أن خصوم ابن رشد أطلعوا يعقوب المنصور بالله على عبارة كتبها ابن رشد في أحد شروحه يقول فيها: "إن كوكب الزهرة أحد الآلهة"، وفصلوا العبارة عما سبقها، وأوهموا أن قائلها هو ابن رشد، وأنه بذلك مشرك بالله.

٣- ويذكر الأنصاري نقلًا عن أبي الحسن الرُّعَينيِّ أن من الأمور التي أخذت على ابن رشد عند هؤلاء العامة وأشباههم - أنه وحين شاع في المشرق والأندلس على ألسنة المنجمين أن ريحًا عاتية تهب في يوم كذا وكذا - في تلك المدة تهلك الناس، واستفاض ذلك حتى اشتد جزع الناس منها، واتخذوا الغيران (المغارات والأنفاق تحت الأرض) توقيًا لهذه الريح، ولما انتشر الحديث بها، وطبق البلاد، استدعي إلى قُرْطُبَة إذ ذاك طلبتها، وفاوضهم في ذلك، وفيهم ابن رشد - وهو القاضي بقرطبة يومئذ - وابن بندود، فلما انصرفوا من عند الوالي، تكلم ابن رشد وابن بندود في شأن هذه الريح من جهة الطبيعة، وتأثيرات الكواكب، قال شيخنا أبو محمد عبد الكبير: وكنتُ حاضرًا، فقلتُ في أثناء المفاوضة: "إن صح أمر هذه الريح، فهي ثانية الريح التي أهلك الله تعالى بها قوم عاد؛ إذ لم تعلم ريح بعدها يعم إهلاكها".

قال: فانبرى إلى ابن رشد، ولم يتمالك أن قال: "والله، وجود قوم عاد ما كان حقًا، فكيف سبب إهلاكهم، فسقط في أيدي الحاضرين، وأكبروا هذه الزلة التي لا تصدر إلا عن صريح الكفر، والتكذيب لما جاءت به آيات القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [الرشد والرشدية، رينان، ص٣٣٤-٣٣٥]، ومعنى هذا الخبر أن ابن رشد أنكر وجود قوم عاد، وأنكر تبعًا لذلك أنهم هلكوا بريح عاتية، وهذا يتنافى مع ما ورد في القرآن قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ} [الحاقة: ٦]، لكننا لا نجد مصدرًا آخر ذكر هذا الخبر [الفلسفة والفلاسفة في الحضارة العربية، ص ١١٢].

٤ - لكن ربما كان الأصح في تفسير السبب في حملة الفقهاء - ومن ورائهم العامة - على ابن رشد هو ما ذكره الأنصاري بعد ذلك مباشرة عن ابن الزبير الذي قال عن ابن رشد إنه "كان من أهل العلم والتفنن"، وأخذ الناس عنه، واعتمدوه، إلى أن شاع منه ما كان الغالب عليه في علومه، من اختيار العلوم القديمة، والركون إليها، وصرف عنانة جملة نحوها حتى لخص كتب أرسطو الفلسفية والمنطقية، واعتمد مذهبه أي (مذهب أرسطو) فيما يذكر عنه ويوجد في كتبه، وأخذ ينحي (يحمل) على من خالفه، ورام الجمع بين الشريعة والفلسفة، وحاد عما عليه أهل السنة، فترك الناس الرواية عنه [ابن رشد والرشدية، ص٣٣٥].

ويظهر أن محنة ابن رشد على يد السلطان أبي يوسف يعقوب كانت محنة علنية جرت في قُرْطُبة، واشتهر أمرها، وممن رووا بعض تفاصيلها الإمام الذهبي [تاريخ الإسلام، ج٤٢، ص٢٢٤]، فقال: "إن قومًا ممن يناوئه بقرطبة، ويدعي معه الكفاءة في البيت والحشمة، سعوا به عند أبي يوسف يعقوب المنصور بالله بأن أخذوا بعض التلاخيص، فوجدوا فيه بخطه حاكيًا عن بعض الفلاسفة قد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة - فأوقفوا أبا يوسف على هذا، فاستدعاه بمحضر من الكبار بقرطبة، فقال له: أخطك هذا؟ فأنكر، فقال: لعن الله كاتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أمر بإخراجه مهانًا، وبإبعاده، وإبعاد من تكلم في شيء من هذه العلوم، وبالوعيد الشديد، وكتب إلى البلاد بالتقدم إلى الناس في تركها، وبإحراق كتب الفلسفة، سوى الطب والحساب والمواقيت".

غير أن المنصور بالله لما عاد بعد ذلك إلى مراكش، وتدخل بعض الناس لصالح هذه الجماعة، وشهدوا لأبي الوليد بن رشد بغير ما نسب إليه، فعاد المنصور، ورضي عن ابن رشد، واستدعاه؛ للإحسان إليه [الفلسفة والفلاسفة، ص ١١٥].

وفاته

أقام ابن رشد في مراكش مقربًا من جديد إلى السلطان الذي توفي بعد ذلك في صفر سنة ٥٩٤هـ، وتوفي ابن رشد في مراكش، وتاريخ وفاته بالدقة مختلف فيه:

(أ) فابن الآبار والأنصاري يذكران أنه توفي في ٩ صفر سنة ٥٩٥هـ، ويذكر الأنصاري التاريخ الميلادي المقابل وهو ١٠ ديسمبر [ابن رشد والرشدية، ص٣٣٧].

(ب) ويذكر الذهبي وابن الآبار أيضًا أنه توفي في نهاية سنة ٥٩٤ هـ، كما يذكران صفر أو ربيع الأول سنة ٥٩٤هـ.

مؤلفاته

من حسن الحظ أن الترجمات العربية لمؤلفات ابن رشد قد حفظت لنا في أواخرها تواريخ وأماكن تأليف بعض كتبه، مما يسمح بترتيبها تاريخيًا على النحو التالي:

  • قبل سنة ٥٥٨هـ (١١٦٢م): كتاب "الكليات في الطب".
  • سنة ٥٦٥هـ (١١٦٩م) تلخيص تسع مقالات من كتاب "الحيوان"، وذلك من الحادية عشرة إلى آخر (الحيوان)- وتم في مدينة أشبيلية.
  • سنة ٥٥٦ هـ (۱۱٧٠م): "تلخيص السماع الطبيعي"، "شرح كتاب البرهان"- في مدينة أشبيلية.
  • سنة ٥٦٦هـ (١١٧١م): "شرح السماء والعالم"- في أشبيلية".
  • سنة ٥٧٠هـ (١١٧٤م): "تلخيص كتاب "الخطابة"، "تلخيص كتاب الشعر"، "تلخيص ما بعد الطبيعة" - في قُرْطُبة.
  • سنة ٥٧٢ هـ (١١٧٦م): "تلخيص كتاب الأخلاق" لأرسطو طاليس.
  • سنة ٥٧٤هـ (١١٧٨م) أقسام من كتابه "في الجرم السماوي" - في مراكش
  • سنة ٥٧٥هـ (١١٧٩م): "منهاج الأدلة في الكشف عن عقائد الملة" - في أشبيلية.
  • سنة ٥٨٢هـ (١١٨٦م): "شرح السماع الطبيعي".
  • سنة ٥٨٩هـ (۱۱۹۳م): تلخيص كتاب "الحميات" لجالينوس.
  • سنة ٥٩٢هـ (١١٩٥م): "مسائل في المنطق" - كتبها أثناء محنته.

٢- تصنيف مؤلفاته:

ويمكن تصنيف مؤلفات ابن رشد إلى:

أ - تفسيرات أو شروح فيها يورد ابن رشد نص كلام أرسطو فقرة فقرة بنصها الحرفي المترجم إلى العربية، ثم يأخذ في تفسير عبارات هذه الفقرة عبارة عبارة، وكلام ابن رشد متميز تمامًا عن نص أرسطو.

ب - تلخيصات يلخص فيها بتوسع- أحيانًا- كتب أرسطو، ويبدأ الكلام فيها في كل فقرة بقوله: "قال"، ثم يورد بضع كلمات من أوائل الفقرة، ويمضي بعد ذلك في التلخيص دون أن يتميز ما لأرسطو مما لابن رشد"، ويستطرد- أحيانًا- ويأتي بأمثلة من عنده خصوصًا مما هو مستمد من التاريخ أو الأحوال السائدة في العالم الإسلامي، أو يورد أمثلة من الأدب العربي بدلًا من أمثلة أرسطو.

ج - جوامع صغار فيها يتحرر من نص أرسطو، ويتحدث بنفسه.

وهي عروض موجزة مستقلة لمضمون كتاب من مؤلفات أرسطو دون تقيد بترتيب العرض الوارد فيها.

د - مؤلفات أصيلة.

ولنذكر الآن أهم هذه الأنواع، علمًا بأن معظم كتب ابن رشد فقد أصله العربي، ولم يبق لنا إلا في ترجمات عبرية أو لاتينية [الفلسفة والفلاسفة، ص ١١٧].

الخلاصة

تجسدت حياة ابن رشد في صراع بين العقل والنقل انتهى بنفيه، وحرق كتبه نتيجة وشايات سياسية ودينية، قبل أن يُعاد الاعتبار إليه قبيل وفاته، ترك إرثًا موسوعيًا ضخمًا صنف فيه شروحًا وتلاخيص ومؤلفات أصيلة شكلت جسرًا معرفيًا بين الحضارة العربية وأوروبا.

موضوعات ذات صلة

يُعد ابن رشد قمة الفكر الفلسفي العربي الذي سعى؛ لترسيخ شرعية النظر العقلي بوصفه واجبًا دينيًا لا ينفصل عن الإيمان

الفيلسوف والطبيب الأندلسي العظيم، الذي يُلقب بأبي المنهج العلمي الحديث

الحكمة تعني الكلام الموافق للحق

موضوعات مختارة