وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الحمد لله الذي تجلى لقلوب أوليائه بجماله فآنسهم، وبجلاله فأدهشهم، والصلاة والسلام على من كان قلبه مهبط الأنوار، ومعدن الأسرار، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
اعلم - أيّدك الله بنور الفهم - أن للقلوب مواسم، وللأرواح منازل، لا يترقى العبد في معارج القدس إلا بقطع عقبات النفس، وإن مما يعرض للسالكين في طريقهم إلى الملك الحق: منزلتي الهيبة والأنس.
والهيبة في اللغة: كلمة إجلال ومخافة، من ذلك هابه، يهابه، هيبة، ورجل هيوب: يهاب كلّ شيء، وتهيّبت الشيء: خفته [ مقاييس اللغة مادة (هيب)].
واعلم أن الطريق درجات؛ فبدايتها مخافة ورجاء، ووسطها قبض وبسط، وكمال أحوالها هيبة وأنس، وأشار إلى ذلك الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي، بأن (الهيبة والأنس) من ثنائيات مقامات التصوف السلوكي، وهما:
يصلهما السالك بعد الخوف، والرجاء، والقبض والبسط.
ويؤيد هذا الترتيب ما ذكره القشيري في (رسالته)؛ حيث قال ما مفاده: وهما - أي الهيبة والأنس - فوق القبض والبسط؛ فكما أن القبض فوق رتبة الخوف، والبسط فوق منزلة الرجاء؛ فالهيبة أعلى من القبض، والأنس أتم من البسط [الرسالة، ص ٢١٣-٢١٤].
لا تظنن أن الهيبة صفة للحق في ذاته؛ بل هي أثر صفته في قلبك، فالحق سبحانه هو (الجليل)، وأثر جلاله فيك هو (الهيبة) يقول ابن العربي محققًا هذا المعنى:
"اعلم أن الهيبة حالة للقلب، يعطيها أثر تجلي جلال الجمال الإلهي لقلب العبد، فإذا سمعت من يقول: إن الهيبة نعت ذاتي للحضرة الإلهية، فما هو قول صحيح ... وإنما هي أثر ذاتي للحضرة، إذا تجلى جلال جمالها للقلب.
فالهيبة إذن: عظمة يجدها المتجلي له في قلبه، إذا أفرطت تذهب حاله ونعته، ولا تزيل عينه، وإياك أن تغفل عن الدقة في الفهم، فإن الجلال نعت إلهي، يعطي القلوب هيبة وتعظيمًا، فإذا استقر في علمك أن الهيبة عظمة، وأن العظمة راجعة لحال المُعَظِّم، علمت حينها أنها حال القلب، فهو نعت كياني" [ينظر: الفتوحات المكية: ٢/٥٤٠].
وأما الأنس، فهو روح الروح، وريحان القلب، وقد وقع فيه خلط عند البعض، فصححه الشيخ الأكبر بما مفاده: أن الأنس لدى القوم ما تقع به المباسطة من الحق للعبد، وقد تكون هذه المباسطة على الحجاب وعلى الكشف، ويعرّفه بأنه حال القلب من تجلي الجمال؛ وهو عند أكثر القوم من تجلي الجمال، وهو غلط من جملة ما غلطوا فيه [ينظر: الفتوحات المكية: ٢/٥٤٠]
والحقيقة أن هاتين الصفتين (الهيبة والأنس) هما زاد العبد في الدارين، لا ينفكان عنه؛ لأن التجلي الإلهي دائم في الدنيا والآخرة؛ كما يشير إلى هذا الشيخ الأكبر بأن هذه المقامات منها ما يتصف به الإنسان في الدنيا والآخرة؛ كالمشاهدة، والجلال، والجمال، والأنس، والهيبة، والبسط [ينظر: الفتوحات المكية: ١ / ٩٨].
إذا أقامك الله في مقام الهيبة، فالزم أدب العبودية، وإياك والالتفات، فإن الالتفات يقطع عن المدد، ويصف الشيخ الأكبر (صاحب مجلس الهيبة)وما يجب عليه بأنه: لما كانت الهيبة تورث الوقار، فالواجب عدم الالتفات، واشتغال السر بالمشاهد، وعصمة القلب من الخواطر، والعقل من الأفكار، والجوارح من الحركات.
وعليه أن يكون كالميت بين يدي الغاسل، بل أشد سكونًا، وأن تكون أذناه مصروفتين إليه، وعيناه مطرقتين إلى الأرض، وعين بصيرته غير مطموسة، وجمع الهم وتضاؤله في نفسه [ينظر: الفتوحات المكية: ٢ /١٠٥]
ومن عبارات أهل الشأن في هذا "ولا يغرنّك الأنس فتنبسط انبساط المدلّين، بل كن يقظًا".
وذلك بأن لا تعطي صاحب المجلس المباسطة الإدلال، فإن جالسه الحق بتقييد جهة، كما كلمه بتقييد جهة، فليكن سمع صاحب المجلس بحيث قيده الحق، فإن خرج عن هذا القيد، فقد أساء الأدب، وليس هو في مجلس هيبة [ينظر: الفتوحات المكية: ٢ /١٠٥].
واعلم أن لأهل الطريق مشارب، ولكلٍ وجهة هو موليها، فالإمام القشيري يرى أن الهيبة تقتضي الغيبة، وحق الهيبة الغيبة، فكل هائب غائب، وحق الأنس صحو بحق، فكل مستأنس: صاح [ينظر: الرسالة القشيرية: ص ٢١٣]
ويرى الشيخ الأكبر أن صاحب الهيبة لا يكون غائبًا بل حاضرًا، فبين أنه لا يكون صاحب مجلس الهيبة، صاحب فناء، لكنه صاحب حضور أو استحضار [ينظر: الفتوحات المكية: ٢/١٠٥]
وكلا القولين يخرج من مشكاة واحدة، وإن اختلفت العبارة؛ غير أن أهل التمكين عند القشيري قد سمت أحوالهم عن التغير، وهم "محو في وجود العين الحق، فلا هيبة لهم ولا أنس، ولا علم ولا حس" [ينظر: الرسالة القشيرية: ص ٢١٤]؛ لأن الهيبة والأنس تتضمن تغير العبد، والتمكين ثبات لا تلوين فيه.
فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فتارة يذيبه بالجلال، فيورثه الهيبة، وتارة يحييه بالجمال، فيورثه الأنس، والسعيد من لم تحجبه الهيبة عن الأنس، ولا الأنس عن الهيبة، فكان في هيبته مؤانسًا، وفي أنسه متهيبًا.
مراجع الاستزادة
[الفتوحات المكية، للشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي].
[الرسالة القشيرية، بتحقيق د. عبد الحليم محمود].
[ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة هيب].
كمالُ السيرِ أن يدركَ العبد أنَّ الهيبةَ والأنسَ هما أثرُ تجلِّي الجلالِ والجمالِ على القلبِ، وهما أعلى منازلِ الخوفِ والرجاءِ، ولا يزالُ الحقُّ يقلِّبُ العبدَ بينَ الجمالِ والجلالِ حتى يبلغَ التمكينَ، فإذا صدق العبد في أدبِ مقامِه لم تحجُبه الهيبةُ عن الأنسِ، ولم يصرِفه الأنسُ عن الهيبةِ، فكان في هيبتِه مُؤانسًا ، وفي أنسِه متهيبًا، فلا الهيبةُ تُوجبُ الغيبةَ، ولا الأنسُ يقتضي الإدلالَ؛ وإنما هو صدقُ الحضورِ الدائمِ على بساطِ الحقِّ.
الخوف في الإسلام عبادة قلبية عظيمة، لا يراد به مجرد الشعور بالرعب
الجمال في الإسلام، قيمة دينية وكونية، وتجربة وجدانية، يتجلّى في العقيدة والتشريع
يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي، إذ يجسد تعلق القلب برحمة الله وطمعه في عفوه
إن مقامات الوراثة المحمدية هي سر الفيض الرباني في هذه الأمة
نجد في حكم الإمام الرفاعي ميزانًا دقيقًا يجمع بين انضباط العقل وتطلع الروح