الجمال في الإسلام، قيمة دينية وكونية، وتجربة وجدانية، يتجلّى في العقيدة والتشريع، وفي الكون المسطور والمنظور، ويهدف إلى تنمية الإنسان ليبلغ أحسن صورة.
الجمال في الإسلام، قيمة دينية وكونية، وتجربة وجدانية، يتجلّى في العقيدة والتشريع، وفي الكون المسطور والمنظور، ويهدف إلى تنمية الإنسان ليبلغ أحسن صورة.
إن الجمال ركن أساسي في الإسلام، سواء من حيث هو قيمة دينية: عَقَدية وتشريعية، أو من حيث هو مفهوم كوني، وكذلك من حيث هو تجربه وجدانية إنسانية.
ومن هنا كان تفاعل الإنسان المسلم مع قيم الجمال ممتدًا من مجال العبادة إلى مجال العقيدة، ومن كتاب الله المسطور إلى كتاب الله المنظور، وتقوم التجربة الدينية في الإسلام على مفهوم الجمال بشكل أساسي؛ لأنها تهدف إلى تنمية الإنسان ليكون في أفضل صورة ممكنة ونجد في القران الكريم حديثًا وتعبيرًا عن الجمال في صور مختلفة وألفاظ متعددة، فقد وردت عبر ألفاظ: الجمال، وجميل، وزينة، وحسن، وزخرف، وبديع؛ فمثلًا نجد أنه قد وردت كلمة الجمال لوصف الأنعام، فيقول الله تعالى: {وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ} [النحل:٦]، ووردت كلمة جميل في عدة مواضع لوصف السلوك الإنساني: [يوسف: ۱۸ ، يوسف: ۸۳]
ووردت كلمة الجميل في قوله: {فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ} [الحجر: ٨٥]، وهو الرضا بلا عتاب، وفي قوله: {فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا} [المعارج: ٥]، وهو صبر لا شكوى معه.
ووردت كلمة زينة في ستة مواضع [الأعراف: ۳۲، يونس: ۸۸، الكهف: ٧، الكهف: ٤٦، طه: ٥٩]، ووردت كلمة حسن ثلاث مرات:] آل عمران: ٤، آل عمران: ۳۷، آل عمران: ١٩٥] ووردت كلمة بديع، ووردت كلمة زخرف [الأنعام: ١١٢، الإسراء: ۹۳]، ولم يرد لفظ الجليل، ولكن ورد مصدره، الجلال [الرحمن ٧٨].
وقد ورد في تفسير القرطبي عن معنى الجمال في القرآن قوله: "الجمال ما يتجمل به ويتزين، والجمال: الحسن وقد جمل -بالضم- جمالًا فهو جميل، بمعنى: الزم تجملك وحياءك ولا تفعل قبيحًا فالجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنية، ويكون في الأفعال.
فأما الجمال في الخلقة: فهو أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائمًا، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا نسبته لأحد من البشر.
وأما جمال الأخلاق: فكونه على الصفات المحمودة من العلم والحكمة والعدل والعفة، وكظم الغيظ وإرادة الخير لكل البشر.
وأما جمال الأفعال: فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق وقاضية لجلب المنافع فيهم وصرف الشر عنهم وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة، وهو مرئي بالأبصار موافق للبصائر، ومن جمالها كثرتها وقول الناس إذا رأوها هذه نعم فلان، ولأنها إذا راحت توفر حسنها وعظم شأنها وتعلقت القلوب بها: لأنها إن ذاك أعظم ما تكون وأسمنه: ولهذا المعنى قدم الرواح على السراح لتكامل درها وسرور النفس بها إذ ذاك" [تفسير القرطبي].
ويتناول الذكر الحكيم هذه القيمة تناولًا محكمًا يجعلها تسهم في سمو المجتمع البشري، ودفعه إلى تحقيق رسالته الكريمة، ولقد ورد لفظ جميل وجمال في ثماني آيات من القرآن الكريم، منها موضع واحد عن الجمال الحسي وتحدث في المواضع السبعة الباقية عن الجمال المعنوي والخلقي [والجمال: مصدر الجميل، والفعل جمل، والجمال الحسن يكون في الفعل والخلق، وقد جمل الرجل بالضم، جمالًا فهو جميل، وجمله أي بالتخفيف وجمال، الأخيرة لا تكسر، والجمال، بالضم جملاء وجميلة: وهو أحد والتشديد: أجمل من الجميل، وجمله أي زينه والتجمل: تكلف الجميل، وامرأة ما جاء من فعلاء لا أفعل لها وهو الحسن انظر: لسان العرب].
واسم الجميل في أصل اللغة موضوع للصورة الحسية المدركة بالعين، أيًّا كان موضوع هذه الصورة من إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد، ثم نقل اسم جميل، لتوصف به المعاني التي تُدرَك بالبصائر لا الأبصار، فيقال: سيرة حسنة جميلة، وخلق جميل كما وردت وصفًا لله تعالى في الحديث الشريف: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» [صحيح مسلم]، ومعنى (جميل) في الحديث: المنزه عن النقائص والموصوف بصفات الكمال، أو: ذو النور والبهجة.. إلخ، ويرجع المتكلمون صفات المعاني لله تعالى كالعلم والقدرة وما إليهما إلى صفة الجمال [لسان العرب]، ويتبين لنا من ذلك أنّ لفظ الجمال في اللغة العربية يطلق على المناظر الحسنة، ويصف أيضًا الأفعال الحسنة في السلوك الإنساني، وهذا المنحى قد ورد في القرآن الكريم أيضًا، وهذا يعني أن الجمال قد يكون حسيًّا أو معنويًّا.
والحُسْن -وهو الجمال الحسي- ظاهر في كل مخلوق متناسق لا عِوَج في خلقه، ولا اضطراب، ولا تشويه، والله تبارك وتعالى خلق الكون بما فيه ومن فيه على أكمل صورة، وأجملها وأسماها، وقدم الله تبارك وتعالى ظواهر هذا الكون الجميل في الكتاب العزيز شواهد على قدرته، يقول تبارك وتعالى في الحديث عن الأنعام وما فيها من جمال ومتاع: {وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ} [النحل ٦].
وهذه الآية تقدم صورة للجمال عندما تحس به النفس الإنسانية فيملأ جوانبها سعادة ومسرة، كما عني القرآن الكريم باستخدام ألفاظ أخرى مثل الحسن والزينة، والزخرف، وغيرها من الألفاظ الدالة على الجمال، ومن ذلك حديث القرآن الكريم عن خلق الإنسان، إذ قال تعالى بعد أن وصف مراحل الخلق التي مر بها الإنسان: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} [المؤمنون: ١٤]، ولا شك في أن مخلوق لأحسن الخالقين يكون على أرفع مستوى من الجمال والإتقان، وهناك آيات أخرى تكشف عن ظواهر الجمال في خلق الإنسان، فيقول جل وعلا: {لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ} [التين:٤]، وفي حديث عن الجمال في السماوات والأرض يقول سبحانه: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ} [الأنعام: ١٠١]، ومعنى هذا تأكيد جوانب الإبداع في أنحاء الكون الكبير، وفي موطن آخر يقدم القران صورًا بديعة من جمال الكون، برهانًا على البعث[سورة ق: ٦ -١١]، فنلمح من مظاهر الجمال التي أبرزتها الآيات كلمة: {وَزِينَتَهَا} مما يجعل الزينة -وهي من أبرز عناصر الجمال- عنصرًا في بناء الكون، والاتساق والتكامل من مظاهر الجمال، وهذه الصور الجمالية في الكون العظيم ترددت في عدة آيات [الملك : ٥٣ ]، فتناسق الخلق، والتنائي عن العيب، مظهر أصيل للجمال، وتزيين السماء بالنجوم يجعل الجمال هدفًا في الخلق، أشارت إليه الآيات من [٦-١١سورة ق]، وأوضحته الآيات من (سورة الملك)، كما ذكرته أيضًا هذه الآية [الصافات: ٦]، وعن جمال الثياب التي يلبسها الإنسان، فتستره وتجمله: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ} [الأعراف ٢٦]، وتختم هذه الآية بما يؤكد النظرة الإسلامية للجمال، وهي أن الجمال المعنوي والنفسي الماثل في الاستمساك بمنهج الدين أولى بالاعتبار، وأجدر بالحرص عليه والأخذ به، وفي هذا يقول تعالى: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ} [الأعراف:٣١- ٣٢ ]، ومع أن المنهج الإسلامي يؤثر الجمال المعنوي، وجمال الحياة الباقية، فإنه يرعى حاجات الإنسان ومطالبه الغالبة في الدنيا، بل يغريه باتباعها إغراءًا ملحًا في إطار الطيب والحلال الذي يزيد الجميل جمالًا [الأعراف : ٣١- ٢٢].
إن البيان القرآني يعرض الجمال عنصرًا أساسيًّا في بناء الكون، ودعامة من دعامات الدين الحق وشريعته السمحة، والنفس الإنسانية الكاملة بإيمانها الصحيح ترى الجمال صفة جوهرية فيها، تنطلق منها إلى آفاق السمو والكمال البشري، وهذا يدفعنا إلى تدبر ما قاله القرآن الكريم في مجال الجمال المعنوي، لقد جاء الجمال المعنوي في القرآن مقرونًا بأنماط شتى من السلوك البشري، وقد نعجب لبعضها إنها من ألوان السلوك غير المستحب، ومن أنواع الحلال البغيض عند الله الذي شرعه للحياة بأسباب الجمال.
لقد اقترن الجمال بالصبر، واقترن بالصفح، واقترن بسراح المرأة من عصمة الزوجية، واقتران الجمال بالصبر من أعظم الصفات التي تزداد بها النفس جمالًا وكمالًا، والصبر الجميل هو الذي تزدان النفس فيه باليقين والثقة، وتمتلئ بالأمل، ويغمرها بالرجاء في الله، وتكون بمنأى عن الجزع والسخط على القضاء وجاء الحديث عن الصبر الجميل في موضعين: كلاهما في سورة يوسف.
أولهما: على لسان يعقوب -عليه السلام-، وقد جاءه أبناؤه يخبرونه بأن يوسف أكله الذئب وبرهنوا على قولهم بدم كذب على قميصه، وبرغم الفاجعة الرهيبة على قلب الأب المؤمن واجه الأمر بأناة بالغة، وثقة عظيمة، جعلته يحس أن الأمر على غير ما صور أبناؤه، وتذرع بالصبر الجميل [يوسف: ۱۸].
وثانيهما: على لسان يعقوب أيضًا، عندما جاءه نبأ احتجاز ابنه الثاني في سجن العزيز بمصر، وبرغم تتابع المحنة، وعمقها في وجدان الشيخ الرسول، لكن ما يزال للصبر الجميل الغلبة على مشاعره [يوسف : ۸۳]، ويقترن الجمال بالصفح، وهو من أسمى الصفات، إذ هو يعني التغاضي عن إساءات الآخرين وقد طلبه الله تبارك وتعالى من نبيه في مواجهة المكذبين من قومه، مُبَيتا له أنه صاحب رسالة مهمتها الهداية، وعقاب الضالين مرجعه لرب العالمين والساعة آتية لا ريب فيها [الحجر ٨٥] والصفح في حدّ ذاته جميل، وعندما يتصف بالجمال يكون صفحًا لوجه الله، لا يجعله صاحبه حديثًا يذكر به بين الناس.
وقد نقول: إن الجمال في الصبر والصفح قد يكون مألوفًا لكن ماذا نقول في جمال الجر وجمال الفراق، وهما لونان من المقاطعة إن القرآن يعطى بعدًا جديدًا للسلوك الإنساني، وأن الجمال مطلوب ومرغوب حتى في السلوك الذي لا يخلو من ألم ومعاناة، لقد أساء المشركون إلى الرسول الكريم، وأمر الله في معاملتهم بالهجر مع الصبر، لكن الهجر الذي أمر الله به نبيه هو الهجر الجميل الذي يشعر المهجور بسوء تصرفه وضلال سعيه مع استبقاء البر به والود له، فقال تعالى: {وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا} [المزمل، ١٠ ].
وسراح المرأة: أن تكون في حل من رابطة الزوجية، فهو الطلاق، وهو أبغض الحلال الى الله؛ لكنه مع وقعه الأليم على النفس عندما يقترن بالجمال نحصل على ثمراته، وننأى عن سوءاته، ويَجْمُل السراح عندما تفارق المرأة بيت الزوجية من غير غبن، أو قهر، أو انتقاص للحقوق، بعيد عن البغي والعدوان وذكر السراح الجميل مرتين في محكم التنزيل، وكلتاهما في سورة الأحزاب، أولاهما: في تخيير النبي لزوجاته عندما سألته التوسعة في النفقة، فقال رب العالمين لنبيه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا} [الأحزاب ٢٨] وثانيتهما: مطالبة الأزواج الذين يطلقون الزوجات قبل الدخول، بأن يمتعوا الزوجات، والمتعة كسوة لمكانة المرأة ومستواها الاجتماعي، ثم السراح الجميل دون بغي على الحقوق، وتعقب الإساءة [مسند أحمد].
الجمال الحقيقي في المفهوم الصوفي هو: الجمال الإلهي، وهو من صفات الله الأزلية، شاهدها في ذاته أزلًا مشاهدة علمية، ثم أراد أن يشاهدها مشاهدة عينية في أفعاله، فخلق العالم، فكان كمرآة انعكس على صفحتها هذا الجمال الأزلي، والجمال الإلهي فيما يقول الصوفية نوعان: جمال معنوي، وجمال صوري فالجمال المعنوي هو: معاني الصفات الإلية والأسماء الحسنى، وهذا النوع لا يشهده إلا الله.
أما الجمال الصوري فهو هذ العالم الذي يترجم عن الجمال الإلهي بقدر ما تستوعبه الطاقة البشرية.
فالعالم ليس إلا مجلى من مجالي الجمال الإلهي وهو بهذا الاعتبار حسن وكل ما فيه جميل، والقبح الذي يبدو فيه ليس قبحًا حقيقيًا: بلى هو قبح بالإضافة والاعتبار لا بالأصالة ويضربون مثلًا لذلك: قبح الرائحة المنتنة التي ينفر منها الإنسان، ويتلذذ بها الحيوان، والنار التي تكون قبيحة لمن يحترق فيها، لكنها في غاية الحسن لمن لا يحترق.
وإذا كان المعتزلة يرون أن الحسن والقبح وصفان ذاتيان في الأشياء، ويرى كثير من الأشاعرة أن الأشياء في أنفسها قيل ورود الشرع لا توصف بحسن ولا قبح فإن الصوفية يؤكدون على أن الحسن وصف أصيل في كل ما خلق الله تعالى.
ولتجلي الجمال انبهار يقهر عقل السالك إلى درجة الهيمان، فإن بقي في هيمانه سمى مُولها، والمؤيدون من السالكين معصومون في تجلى الجمال من الهيمان، فإذا سكروا صحوا عن قريب، وهؤلاء يسمون بالممكنين.
وأهل التأييد، وأهل التمكين أرفع درجات من المهيمنين، ويستدل الصوفية على أحوالهم في تجلي الجمال بدعاء النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث الشريف، «وشَوقًا إلى لِقائِكَ، مِن غيرِ ضَرّاءَ مُضرَّةٍ، ولا فِتنةٍ مُضلَّةٍ» [مسند أحمد]، ويفسرون الضراء المضرة في الحديث بذهاب العقل، والفتنة المضلة بانحلال قيود العلم المؤدية إلى الزندقة.
هذا وتجلى الجمال من منازل القلب، وليس من أخلاق النفس، وهو بهذا الاعتبار من الأصول، التي ينبني عليها السلوك. [مادة الجمال في موسوعة المفاهيم الإسلامية]
ويتبين لنا مما سبق ذكره أن القرآن الكريم يقدم الجمال كصفة للسلوك الإنساني المرتبط بالخير، المؤدي لتنمية الإنسان وتصويب اتجاهه نحو الفطرة والتأليف والمحبة، ويمكن أن نلاحظ أن إنتاج الإنسان للعمل الفني هو أيضًا سلوك تجاه المادة الوسيطة التي يركبها وفق قوانينها الخاصة، لأنه فعل أيضًا، فتنقل رسالته وإحساسه إلى المُتلَقي، والإسلام مع كل فن يهدي الإنسان للخير ويَبْعُدُ به عن الشر والرذيلة، ولعل هذا واضح في قضية موقف الإسلام من الشعر، فهو ليس ضد كل الشعر، ولكنه ضد هذا النوع الذي يعوق تفتح الفطرة الإنسانية و نموها تجاه الخير، يرفض الإسلام عدم التوافق بين القول والفعل، ويرى أن الجمال هو الانسجام بين القول والفعل، فحين ذاك يبعد المرء عن الادعاء والكذب والرياء، ويكون نفسه: وليس تلك الصورة التي يريد تقديمها للآخرين.
وبيَّن لنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكانة الجمال حيث يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ تَحِلُّ لَهُ الْجَنَّةُ أَوْ رِيحُهَا وَلَا يَرَاهَا»، فقال رجُلٌ مِن قُرَيشٍ يُقالُ له أبو رَيْحانةَ: يا رسولَ اللهِ، واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ الجَمالَ وأَشتَهِيه، حتى إنِّي لَأُحِبُّه في عِلاقةِ سَوْطي، وفي شِراكِ نَعْلي، قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم : «لَيْسَ ذَلِكَ الْكِبْرُ إِنَّ اللَّهَ عز وجل جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ بِعَيْنِهِ» [رواه أحمد].
والجميل من أسماء الله الحسنى كما ورد في قوله -صلي الله عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» وإذا أردنا أن نتحدث عن فلسفة الجمال الإنساني للجمال في السنة وجدنا فيها متسعًا من القول، فجمال السنة النبوية في أنها تقدم الممكن البشري للجمال في الرحمة والمحبة، ولا يمكن لأحد غير الرسول -صلي الله عليه وسلم- أن يصل إلى هذه المرتبة من الجمال في سلوكه وأفعاله مع كل مخلوقات الله، وإن القرآن يصفه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ} [القلم:٤] وفي مواضع أخرى يصفه بالرحمة والنور، وهذا يبين أن الجمال هنا هو جمال الخلق وجمال الروح التي تتناغم مع كل شيء في الكون، وبلاغة الرسول -صلي الله عليه وسلم- في أحاديثه تبين كيف قدم لنا ما يريد قوله عبر لغة موجزة وكلمات قليلة، كأن صمته كلام ينصت إليه صحابته، فالجمال ليس مقتصرًا على ما يقدمه الإنسان من كلمات قليلة، أو رسائل للآخرين من خلال وسائط مدركة من قبل الآخرين ولكن في كل سلوك إنساني يضيء الحياة ويفتح أفاق للتفتح الإنساني، ويحاصر القبح.
الجمال في الإسلام ليس مجرد صفة حسية، بل هو قيمة عميقة تشمل الجمال في الخلق والأخلاق والأفعال، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، ويتجلى الجمال المعنوي في صور سلوكية راقية كـالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل؛ ما يجعل الجمال دافعًا لسمو المجتمع البشري، بينما يشير الحديث النبوي إلى أن "إن الله جميل يحب الجمال"، مؤكدًا أن الجمال الإلهي هو الأصل الذي ينعكس على كل ما خلقه الله.
يتعمق الفكر الإسلامي في مفهوم الجمال بوصفه تجليًا إلهيًا يرتبط بجوهر الوجود والكمال المطلق.
النور ليس مجرد ضياءٍ يُبدد الظلام، بل هو سرٌّ إلهي يتخلل الوجود.
هي انقطاع النفس عن الناس والاهتمامات الدنيوية، للتركيز على العبادة والتقرب إلى الله.