Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الخوانق

الكاتب

أ. د/ عبد الله يوسف الشاذلي

الخوانق

الخانقاه في الإسلام كانت مؤسسة دينية واجتماعية، لعبت دورًا هامًّا في نشر العلم والتصوف، حيث جمعت بين التربية الروحية والتعليم الديني، وكانت الخانقاه مكانًا للانقطاع والتأمل، وأصبحت مركزًا للتعليم والنشاط العلمي والاجتماعي.

مفهوم الخوانق

المدلول والانتشار:

تكتب بالكاف، فيقال: (خوانك)، وبالقاف كما أثبتناها، ويرى كثيرٌ من الباحثين أنها فارسية، فإن ختمت بالكاف فتعني البيت، وإن كانت بالقاف، فيقال (خونقًا)، فهي الموضع الذي يأكل فيه الملك [خطط المقريزي]، وإلى هذا انتهى الباحثون عمومًا، ولكني وجدت ياقوتًا في معجم البلدان يقول: "الخانِقَة بعد الألف نون مكسورة وقاف تأنيث الخانق، وهو متعبد الكرَّامية بالبيت المقدس"[معجم البلدان]، وجمعها محمد بن رافع السَّلَامي، أبو المعالي (٧٧٤هـ) صاحب كتاب (الوفيات) على (خوانق) عند ترجمته لبعض الأعيان [ترجمة صلاح الدين أبي المحاسن يوسف]، وقد تتبعت الكلمة في بعض المعاجم فوجدت صاحب الجيم يقول: "الخانق: خانق الغدير حيث تضايق من الجبال"، ثم وجدت الفيروز آبادي، فألفيته يذكر أن الخانق هو الشِّعب الضيق والزقاق [لسان العرب، أقرب الموارد، والمعجم الوسيط]، فترجح بهذا كونها عربية الأصل، خاصة وأن المبنى الذي أطلق عليه فيما بعد خانقاه أو خانق يتسم أحيانًا بالضيق، وأنه يُقصَد منه حصر القائمين به والتضييق عليهم لتأديبهم وتربيتهم، وكذا فإن العرب سموا بها بعض المواضع، فقد أطلقت على مكان ببلاد قيس بن العيزارة أبي عامر.

وخانِقين وخانِقون: بلد بسواد بغداد؛ لأن النعمان خنق به عدي بن زيد حتى قتله، وهي موضع آخر بالكوفة.

إذن مادة الكلمة ومدلولاتها المعنوية من الضيق والقلادة أو الحبل الخانق، وأخذ بخناقه أي لف يديه حول رقبته تضييقًا عليه وحبسًا لنفسه إلى غير ذلك، كلها معان مقصودة من وراء الانقطاع والتجرد، ولولا أصالتها ما سمى العرب بها مواضع محددة؛ لأن التسميات تلك سبقت معرفة العرب بالفارسية، تلك المعرفة التي نمت مع الفتح الإسلامي وبعد ترجمة بعض الكتب الفارسية في الدولتين الأموية والعباسية، وكل هذه الدلائل ترجح كونها عربية أصلًا، ولا يمنع أن تكون الفارسية هي التي نقلتها من لغة الضاد وأطلقتها لديها على بعض الأماكن أيضًا، وأعطت لها النهاية الخاصة بها، فقالوا: خانقاه بدلًا من خانق، ونظرًا لسبق الفرس في بناء تلك الدور، فقد توهم الباحثون أن اللفظة فارسية، وما هي في الأصل كذلك، ونحن نقر بالسبق الزمني في البناء، وإن تحقق ذلك على أيدي غير الصوفية، فإنه قد وجد في البلاد الإسلامية خوانق وأماكن للعبادة قبل ظهور رجال الطريق، وأول من أقامها هم الكرَّامية أتباع محمد بن كَرَّام (٢٥٥هـ)، وبصرف النظر عن نزعتهم التشبيهية التي كُفِّروا بسببها، فإنهم قد اتصفوا بالزهد والتقى والعصبية والذل والكدية، وأنشأوا لمسلكهم هذا أكبر عدد من الخوانق بإيران وما وراء النهر، كما أنشأوا بعضها ببيت المقدس، وبالفسطاط [حضارة الإسلام].

ولم يخطر ببال الصوفية في القرن الثالث الهجري أن يتجهوا نحو تسمية بيوت خلوتهم بالخوانق، وإنما اكتفوا بتسمية الموجود منها بالرباط، وما أن جاء القرن الرابع حتى أحدث هؤلاء لأنفسهم دورًا بهذا الاسم كما ذكر المقريزي، يقول: "والخوانق حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية لعبادة الله تعالى"[الخطط]، ومع أنها بدأت في القرن المشار إليه إلا أنها كالزوايا والربط الخاصة بالصوفية ظلت محدودة حتى جاء القرن السادس فأخذت تنتشر بصورة ملحوظة.

تاريخ الخوانق

ولقد أرخ المقريزي لواحد وعشرين خانقًا في القاهرة وضواحيها يبدأ أقدمها -وهو خانقاه الصلاحية أو سعيد السعداء- بتاريخ (٥٦٩هـ)، وظلت تبنى طوال القرنين السابع والثامن الهجريين، فشيد خانقاه البندقدارية (٦٨٣هـ)، وطيبرس (٧٠٧هـ)، وبيبرس (٧٠٩هـ)، وأرسلان (٧١٧هـ)، والجاولية (٧٢٣هـ)، والمهندارية، وسرياقوس (٧٢٥هـ)، وبكتمر عام (٧٢٦هـ)، وبشنالك وقوصون (٧٣٦هـ)، وطغاي (٧٤٨هـ)، وأم آنوك (٧٤٩هـ)، والجيبغا (٧٥٠هـ)، وشيخو (٧٥٦هـ)، والظاهرية (٧٨٦هـ)، ويونس (٧٩١هـ)، وابن غراب (٨٠٧هـ) وغيرها.

وفي دمشق أسس خانقاه دويرة أحمد (٤٠٠هـ)، والسميساطية (٤٥٣هـ)، والطواويسية (٥٠٤هـ)، والقصر(٥٢٨هـ)، والنجمية والأسدية (٥٦٠هـ)، والخاتونية (٥٧٥هـ)، والحسامية (٥٨٥هـ)، والقضاعية (٥٩٣هـوالروزنهارية (٦٢٠هـ)، والشبلية (٦٢٣هـ)، والأندلسية (٦٤٠هـ)، والشنباسية (٦٥٠هـ)، والمجاهدية (٦٥٦هـ)، والشهابية (٦٧٠هـ)، والنجيبية (٦٧٧هـ)، والعزية (٦٩٥هـ)، والكججانية (٧٦١هـ)، واليونسية (٧٩٠هـ)، والنهرية (٧٩٤هـ)، والباسطية (٨٣٦هـ)، والنحاسية (٨٦٢هـ) إلى غير ذلك في بلاد الشام كلها.

ونلاحظ أن القرنين السادس والسابع حظيا بأكبر نصيب من إقامة الخانقاوات سواء في مصر أو في الشام، وكانت بجانب كثرتها تمتاز بالفخامة في التشديد عما هو عليه الحال في الزوايا والربط، فحتى سنة (١٣٢٨هـ) وجدت لجنة قامت بفحص خانقاه السمبساطية المبنية (٤٥٣هـ)، فوجدت بها اثنين وثلاثين حجرة علوية وسفلية مع ما اعتورها من تغير، واعتبرت خانقاه ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري المتوفى (٧٠٩هـ) من أجلِّ الخانقاوات بالقاهرة بنيانًا وأوسعها مقدارًا وأتقنه صنعة، وتحرى هذا الملك الورع في بنائها فلم يتعسف أو يُسخر أحدًا، أو يغتصب شيئًا دخل في تشييدها، ولقد اشترى عدة دور وهدمها واستخدم أنقاضها، ووجد كنزًا نفيسًا من الرخام فرخَّم به الخانقاه، وبلغت مساحتها مع الرباط والقبة نحو فدان وثلث.

وصف الخوانق

ولو تتبعنا غير ذلك من الخانقاوات لوجدنا جمال العمارة وإبداعها سمة غالبة، فقد وصف المقريزي خانقاه بكتمر التي عمرت (٧٢٦هـ) بأنها حقًا من أجل مباني الديار، ولما خُربت بعد محنة سنة (٨٠٦هـ) وما أصاب مصر فيها من المجاعة تمزق مما في الخانقاه من الفرش، وضاعت آلات النحاس والكتب والريعات والقناديل النحاس المذهب وغير ذلك من الأمتعة والنفائس الملوكية، وأضفوا على خانقاه طغاي (٧٤٨هـ) وأم آنوك (٧٤٩هـ) صفات الجمال والإتقان، ونظرًا لسعة مساحة خانقاه شيخو (٧٥٦هـ) ودقة عمارته فقد أربى على كل عمارة موقوفة بديار مصر، ولما نزل إبراهيم الخياري في القرن الحادي عشر بخانقاه الباسطية المشيدة سنة (٨٣٦هـ) أعجب كثيرًا بحدائقها وحُسن بنائها وهندستها.

ولم تكن سعة اليد مقصورة على المباني؛ بل شملت الأوقاف الخاصة بها، فالملك الناصر صلاح الدين أوقف على الخانقاه الذي حمل اسمه واسم سعيد السعداء بستان الحبانية بجوار بركة الفيل، وقيسارية الشراب بالقاهرة، وناحية دهمرو من البهنساوية، كما أوقف بيبرس عدة ضياع للخانقاه المسمى باسمه منها ما بدمشق وحماه، ومنية المخلص بالجيزة من أرض مصر، وبالصعيد والوجه البحري، والربع والقيسارية بالقاهرة، وأيضًا فقد أوقفت أم أنوك على الخانقاه الذي شيدته أوقافًا كثيرة، وتتبع سعة الخانقاوات وكثرة أوقافها زيادة عدد الفقراء والصوفية الذين يحلون بها، وزيادة مقررات المشايخ والمريدين ورواتبهم من المأكل والمشرب والملبس والحلوى، وكل ذلك كان يحدد في وثيقة الواقف، ومن الضروري أن يتناسب المقيمون مع إمكانات الخانقاوات مساحة ووقفًا [ربما يزيد العدد إلى ٤٠٠ صوفي، كما في خانقاه بيبرس، أو ١٠٠ كم في خانقاه سسرياقوس، وقد ينزل العدد إلى بضع عشرة، وكما يحدد العدد، يحدد الرواتب اليومية والموسمية والسنوية، وهي كثيرة بحيث يكفي طعام الواحد من الأرغفة واللحم إلى أكثر من اثنين، وكان لهذا آثاره على الصوفية].

ونادرًا ما يكون الخانقاه مقصورة على مجرد الزيارة وتلاوة بعض الوظائف الصوفية فحسب، مثل خانقاه شيخو الذي أخذ طابع المدرسة بأساتذتها وطلابها أكثر من الصبغة التجردية للمنقطعين.

على أننا قبل أن نرحل من نقطة الأوقاف والرواتب نسجل أنها سببت ركون بعض النفوس إليها حتى إذا ما أصابها النقص ثار الثائرون مثلما حدث زمن ولاية الأمير يلبغا السالمي ناظر خانقاه بيبرس عام (٧٩٧هـ)؛ إذ أراد أن يعمل بشرط الواقف نصًا، فأخرج الوثيقة وقرأها بندًا بندًا وأحيط الجميع بذلك، واستشار السالمي القضاة، فأفتوا بالعمل على نحو ما اشترط الواقف، لكن هذا لم يُرض الستين الذين أخرجوا من الخانقاه وخاصة من انتدب للحديث عنهم، وهما زين الدين أبو بكر القمني وشهاب الدين أحمد العبادي الحنفي؛ مما كان سببًا في سجن الأخير وضربه بالعصا تحت رجليه، ولم يخرج إلا بشفاعة شيخ الإسلام فيه، وكانت المحنة في ثامن عشرة من رجب (٧٩٩هـ)، وأيضًا فإن تلك الرواتب أطمعت ضعاف النفوس حينًا من الصغار والأساكفة فأقبلوا على خانقاه بيبرس طمعًا في معلومه ورواتبه لا في النفع الروحي وثماره.

مهمة الخوانق وروادها

وقد كانت أبرز مهمة أنشئت من أجلها الخانقاوات، هي الخاصة بالتربية العلمية والسلوكية للمقيمين عامة والصوفية والفقراء خاصة، ويجب أن نضع في اعتبارنا الفكرة السابقة، وهي الانتشار الواسع لدور الانقطاع، في القرن السادس وما بعده، وهو نفسه عصر الأقطاب مثل: الجيلاني، والقنائي، والرفاعي، والشاذلي، والبدوي، والدسوقي، وهؤلاء جددوا للمرة الثانية قوة التصوف العلمية والأدبية، وبالنسبة لنقطتنا مركز البحث، فإن الخنقاوات قد عين لها واقفوها أكبر الأفذاذ من العلماء ممن كانوا صوفية أو لهم ميول روحية، وعهدوا إليهم بالتدريس فيها، وهو أمر يحقق تقدمًا علميًا لدى جمهور المنقطعين والمستمعين لهذه الحلقات، كما أنه ينقي الجو في الخانقاه مما يمكن أن يعلق بها من بدع أو مغالاة، وهذه حقيقة سلم بسببها كثير من الخانقاوات ولم يتعرض مشايخها أو ساكنوها إلى الانتقادات التي وجهت إلى الزوايا؛ إذا استثنينا خانقاه اليونسية فهي كزواياهم محل انتقاد شديد، وكذلك طائفة القلندرية بدورها واتجاهها [هم قوم طرحوا التقيد بالآداب في المجالسات والمخاطبات، وقلّت أعمالهم من الصوم والصلاة، ما عدا الفرائض، ولم يبالوا بتناول بعض الملذات، ولم يتقشفوا ولا زهدوا ولا تعبدوا، واكتفوا بدعوى سلامة القلوب، وسبق ذكر النقود الموجهة إلى اليونسية]، وتأكيدًا لما قلناه فإننا نجد خانقاه مثل: الصلاحية أو سعيد السعداء قد ولي مشيختها الأكابر من العلماء والأعيان كأولاد شيخ الشيوخ بن حمويه، والوزير الصاحب قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن بن تاج الدين، وتسمى شيخها بشيخ الشيوخ، وظل ينفرد بهذا الاسم حتى بنى السلطان الناصر محمد بن قلاوون خانقاه سرياقوس (٧٢٥هـ) فلُقب شيخها بشيخ الشيوخ ثم عمم على بقية الخانقاوات؛ ولأن الشيخ على درجة عالية من المنزلة، فقد كان سكان خانقاه سعيد السعداء يعرفون كذلك بالعلم والصلاح، وترجى بركتهم، وإذا ذهبوا لصلاة الجمعة بالجامع الحاكمي ساروا في مشهد رفيع، وهيبة وجلال حتى إن الناس كانوا يأتون من المدن والقرى للتمتع برؤية هذا الموكب.

 وكذلك سارت خانقاه بيبرس (٧٠٩هـ)؛ إذ رتب لها الملك المظفر بيبرس الجاشنكير المنصوري درسًا للحديث النبوي، وله مدرس جليل القدر وعنده عدة من المحدثين، ورتب القراء، ونزل بها جماعة من أهل العلم والخير، ولم يمكن سواهم من الدخول إليها أو الصلاة فيها لما لها في النفوس من الجلال والمهابة، وتوسع الأمير شيخو العمري، عندما بنى خانقاه عرفت باسمه (٧٥٦هـ) في حلقات العلم، فرتب بها دروسًا عدة منها أربعة دروس لطوائف الفقهاء الأربعة: الشافعية، ويدرس فيها الشيخ بهاء الدين أحمد بن علي السبكي، والمالكية، وشيخهم خليل، والحنفية، تحت إمرة ومشيخة أكمل الدين محمد بن محمود؛ وهو شيخ الخانقاه بالإضافة إلى تدريسه بالحلقة، وقام بالتدريس في حلقة الحنابلة قاضي القضاة موفق الدين الحنبلي، كما قرر درسًا لقراءة القرآن بالروايات السبع، وشرط على الطلبة حضور الدراسة مع حضور وظيفة التصوف. [خطط المقريزي، وفيات الأعيان، تحفة الألباب]

والتزم الجميع بذلك حتى تخرج فيها كثير من أهل العلم، وسلك بقية الخانقاوات هذا المسلك المعرفي فأدت تلك الدور رسالتها في العلم، لا سيما إذا أدركنا مقدار العلماء الذين درسوا بها، ومكانتهم في المعارف، وإنهم تنوعوا مذهبًا وتخصصًا، وكان للفقه والحديث والإقراء المكانة الأولى، ولهذا اعتبرت الخانقاوات مدارس علمية أكثر من كونها دورًا صوفية لبروز الجانب العلمي لها.

الخلاصة

تعكس كلمة الخانق أو الخانقاه معاني تتعلق بالضيق، وتاريخيًّا ارتبطت ببيوت العبادة والتربية الروحية قبل أن تُطلق على أماكن خاصة للصوفية في العصر الإسلامي، كما شهدت القرون الوسطى ازدهارًا في بناء الخانقاوات، التي صُممت لتكون مراكز علمية وروحية بامتياز، حيث احتضنت الكثير من العلماء ودُرِّس فيها الفقه والحديث، وغيرهما من علوم الشرع الشريف حتى غدت هذه الخانقاوات مرتكزات ثقافية وتعليمية، تلعب دورًا أساسيًا في دعم الحركة العلمية والروحية في المجتمع.

موضوعات ذات صلة

ينقسم العلم إلى نوعين رئيسيين: العلم الشرعي والعلم العقلي.

تعد "الخرقة" رمزًا للبيعة والعهد في التصوف، يلبسها المريد من شيخه بعد أن يتأكد كل منهما من أهلية الآخر.

من الأسباب الرئيسة التي جعلت وجود فريق يهاجم التصوف منذ نشأته، صعوبة فهم العقول العادية لأذواق الصوفية ومعارفهم.

موضوعات مختارة