Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحضرة

الكاتب

أ. د/ منى أبو زيد

الحضرة

من بين التجليات الصوفية: الحضرة والحضور، فنلقي الضوء حول مفهوم الحضرة والحضور، وأبعاد الحضور الصوفي، وأنواع الحضرات، وعلاقتها بالذكر والمقامات والمكاشفة والمشاهدة، وتحول الحضرة من ممارسة جماعية إلى مقامات روحية سامية.

تمهيد

يعد الحضور من المصطلحات الصوفية التي لا تفهم إلا من خلال مصطلح آخر يتلازم معه، وهو مصطلح الغيبة، فيذكر هذان المصطلحان متلازمان كوجهين لعملة واحدة تدل على حالة الصوفي الذي يغيب عن الخلق ليبقى مع الحق.

 وليس هناك فرق في النوع بين الغيبة والحضور، فهي أحوال تنتمي إلى ذوق المريد في نهاية طريق الإرادة، وثمرة من ثمرات الحب والشوق والهُيام، وغاية المريد الاستغراق في الحضرة الإلهية، وكما يقول الطوسي (ت٣٧٨ هـ): "والغَيبة والحضور والصحو والسكر: من أحوال القلوب المتحققة بالذكر، والتعظيم لله عز وجل" [اللمع].

معنى الحضور

لهذ المصطلح تعريف لغوي، وآخر اصطلاحي:

 أ) التعريف اللغوي:

 الْحُضُور مصدر حَضَرَ، تقول: حَضَرَ الغَائبُ قَدِمَ، وَحَضَرَ الْمَجْلِسُ شَهِدَه، وحُضُور الْأَمْر خُطُوره بالْبَال، وحُضُورُ الْبَدِيهَة سُرْعَتُهَا، الْحُضُورُ مُرَادِفٌ للْحَضْرَةِ، تقول: كلَّمْتُه بِحَضْرَةِ فُلَان، وكُنْتُ بِحَضْرَة الدَّار أي بُقرْبِهَا. [المعجم الفلسفي]

ب) التعريف الاصطلاحي:

 يختلف معنى الحضور عند الصوفية عن معناه عند الفلاسفة، فالحضور عند الفلاسفة كون الشيء حاضرًا، وهو نوعان: حضور ذهني، وحضور معنوي.

 أما الحضور المعنوي فهو الحضور الذهني أي: أن تكون صورة الشيء موجودة، فهو وجود الشيء بالفعل في مكان معين، وأما الشيء في الذهن فقد ندركه إدراكًا مباشرًا، أو إدراكًا نظريًا، أو أن يكون الذهن شاعرًا بحضور الشيء، ومنه قولهم الشعور بالحضور.

 ويقصد الصوفية بالحضور حضور القلب بالحق عن تجليّاته الذاتية والوصفية والفعلية عند غيبته بالحق عن الخلق أو بالخالق عن الخلق ، ويكون العبد حاضرًا بالحق؛ لأنه إذا غاب عن الخلق حضر بالحق، بمعنى أن يكون كأنه حاضر، وذلك لاستيلاء ذكر الله على قلبه، فهو حاضر بقلبه بين يدي ربه تعالى "فعلى حسب غيبته عن الخلق يكون حضوره بالحق، فإن غاب بالكلية كان الحضور على حسب الغيبة".[رشح الزلال في شرح الألفاظ المتداولة بين أرباب الأذواق والأحوال]

ويشير الصوفية إلى نوعين من الحضور:

الأول فيهما: حضور العبد بقلبه لربه، ويسميه القُشيري (ت: ٤٦٥هـ) حضورًا بحق.

والثاني: يسمّيه حضورًا بخلق، وذلك عند ما يرجع العبد إلى إحساسه بأحوال نفسه وأحوال الخلق، ومن الصوفية من تطول به الغَيبة، ومنهم من تدوم غَيبته، وتختلف أحوال المريد في الغَيبة قِياسًا على اختلاف أحواله في الحضور، وذلك بحسب ما يخصه الله من رتبة.

الحضرات (الحضرة القدسية)

يتكلم الصوفية عن معان متعددة للحضور والحضرة، منها ما أشار إليها القَشاني (ت ٧٣٠هـ) في معجمه. [لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام]

فذكر أنواع عديدة من الحضرات منها: حضرة الهوية، وحضرة أحدية الجمع، وحضرة الجمع والوجود، وحضرة الطمس وحضور الإجمال، والحضرة العندية، والحضرة الربوبية، وحضرة الارتسام، وحضرة الجلال، وحضرة الجمال، وحضرة القرب، وحضرة التدلي، وحضرة الصفاء، وحضرة ظهور الخلق بصفات الحق، وحضرة الألوهية وغيرها من أقسام الحضرات.

ونذكر معاني بعض هذه الحضرات:

 - فالحضرة العندية تعني حضرة "العند" المضاف إلى الحق عز شأنه، مثل قوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ} [فصلت: ٣٨]، وقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ} [الحجر: ٢١]، وغير ذلك مما يعبر عنه بلفظ العندية المضافة إلى الحضرة الربوبية، وتلك الحضرة هي باطن كل الظروف الزمانية والمكانية، والمشار إليها بقولهم: "لَيْسَ عِندَ رَبِّكُمْ صَبَاحٌ وَلَا مَسَاءٌ" [شرح الطيبي على مشكاة المصابيح].

 -حضرة الجلال: هي الحضرة التي يرى الحق فيها نفسه لنفسه من غير اعتبار تعين من مظهر أو نسبة أو غير ذلك، وهي الحضرة التي لا مطمع لأحد في نيلها؛ وهذه الحضرة هي باطن كل جلال وهيبة، وهي تظهر في الوجود بصورها العقلية والحسية والخيالية.

 - حضرة الجمال: هي باطن كل جمال وحسن وبهاء وزينة في الذوات والأوصاف.

 - حضرة الكمال: هي الحضرة الجامعة بين الجلال والجمال، وتسمَّى الحضرة البرزخية، وما من آية من آيات الكتاب، ولا كلمة في الوجود إلا ولها ثلاثة أوجه: جلال، وجمال، وكمال.

 - حضرة الألوهية: وهي الأسماء التي تظهر أحكام الألوهية من معاني الرحمة، والملك، والخلق، والرزق، وغير ذلك.

 - حضرة ظهور الخلق بصفات الحق: وهي عندما يتخلص المخلوق من قيود الكثرة بحيث لا يبقى فيه سوى حقيقته المتعينة في الحضرة، فإنه قد يظهر بصفات الحق، من إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص [بإذن الله، فالفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، ويختلف ظهور هذا الفعل على بعض من اختصهم الله سبحانه وتعالى ببعض الخصوصيات، مثل قبض الأرواح وتدبير الأرزاق ووهب الأولاد، فقد نسبه الله في القرآن لبعض خلقه، ويتسق مع ذلك معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فإنها تخرق العادات بأفعال غير معتادة الظهور إلا من الخالق سبحانه وتعالى].

ويُقَسّم الجرجاني (ت: ٨١٦هـ) الحضرة الإلهية عند الصوفية إلى خمس حضرات هي: [التعريفات].

 - حضرة الغيب المطلق، وعالمها عالم الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية في مقابلها:

- حضرة الشهادة المطلقة، وعالمها عالم الملك.

 - وحضرة الغيب المضاف، وهي تنقسم على ما يكون أقرب منه الغيب المطلق، ويسمّى بعالم الملكوت.

والخامسة: الحضرة الجامعة للأربعة المذكورة، وعالمها عالم الإنسان الجامع لجميع العوالم وما فيها.

فعالم الملك مظهر عالم الملكوت، وهو عالم المثل المطلق، وهو مظهر عالم الجبروت، أي عالم المجردات وهو مظهر عالم الأعيان الثابتة، وهو مظهر الأسماء الإلهية، والحضرة الواجدية، وهي مظهر الحضرة الأحدية.

والحضور الكلي ويذكر على أنه صفة لله تعالى، وهي القول: إنه جل جلاله حاضر وشاهد على كل شيء، أي موجود بكليته في كل مكان [المعجم الفلسفي].

أما الحضور الخاص فهو المقصود بالحضرة القدسية، أو الحضور للحضرة الإلهية.

 وإجمال الحضور هي الوعي بمعيته تعالى، أي يشعر الصوفي أنه مع الله ولا يكاد يدرك معه شيئًا آخر، يقول التستري (ت: ٢٨٣هـ) الحضور أفضل من اليقين، لأن الحضور وطنات، واليقين خطرات [طبقات الصوفية]، فالحضور استقرار يفنى فيه العبد عن نفسه وذاته وغيره، ويبقى مع الله، ففيه فناء عن الخلق وبقاء بالحق، مع الله والمراد بحضور العبد مع الله شهوده الحق تعالى من خلف الحجب، أو علمه بنظر الحق تعالى إليه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» [رواه البخاري].

ويعتبر الصوفية أن هذا الحضور هو أكمل في التنزيه ممن يشهد الحق من خلف الحجب، ومن هنا نرى أن الشهود يعنى عندهم الحضور، وما دام العبد موصوفًا بالشهود والرعاية فهو حاضر، فإذا فقد المشاهدة خرج عن دائرة الحضور، فهو غائب، والغيبة عن جميع الأشياء من أقسام الفناء، وفيها يغيب الفاني عن شعوره بنفسه وبغيره.

 وللوقوف في الحضرة الإلهية آداب، وأدب العارف فوق كل أدب، قال ذو النون المصري: "إذا خرج المريد عن حد استعمال الأدب، فإنه يرجع من حيث جاء"، ويقتضي الوقوف في الحضرة الإمساك عن القول في طلب المأرب، وفيه قيل: الانبساط في القول في الحضرة ترك الأدب، وحفظ أدب الخطاب هو حسن الأدب في مواقف القلب ومواقف القرب.

وحضور القلب فيه غياب للمريد عن ذاته، فلمَّا غَابَ عن ذاته بصفاء اليقين، فهو كالحاضر عنده - تعالى - أو كما قال الشاعر:

إذا تغَيَّبْت بدا * * * وإن بدا غيَّبَني

[معجم مصطلحات الصوفية].

الغيبة والحضور

الغيبة والحضور معنيان متلازمان؛ إذ إنه إذا حدث الحضور تحققت الغيبة، وإذا انتفت الغيبة لم يتحقق الحضور، ومجرد الغيبة عن الحس الذي هو المحو أو السكر هو مقدمة لما يجري في حالة الغيبة؛ لأن الغيبة عن الحس مقام أو حال، فيه نقلة من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب، كأن النفس تغيب عن جسدها وشعورها بهذا إلا لجسد، فيتخلص منه المريد؛ لتصبح نفسه وقلبه من ساكنات غرفة النور، ويمكن أن يقال: إن مقام أو حال الغيبة هو مقام برزخي أوسط الإفادة فيه بالمعنى المصطلح عليه بيننا. ولا انتفاء فيه أجسام، بل هو يحدد تخوم عالم النور [الحركة الصوفية في الإسلام]

والغيبة هي مقام الكثرة، أي مقام الخلق، والغيبة هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه، ومتى فني العبد عن الخلق استولى عليه سلطان الحقيقية، فهو حاضر بالحق، غائب عن نفسه وعن الخلق [الطرق الصوفية].

 ويعرف الكلاباذي (ت: ٣٨٠هـ) الغيبة قائلًا: "معنى الغيبة أن يغيب -أي المريد- عن خطوط نفسه فلا يراها، وهي أعلى الخطوط، قائمة معه، موجودة فيه غير أنه غائب عنها بشهود الحق" [التعرف لمذاهب أهل التصوف].

والغيبة على ثلاث درجات:

الأولى: الغيبة عن رسوم العادات.

 والثانية: غيبة السالك عن رسوم العلم لقوة نور الكشف.

والثالثة: هي الغيبة لسكوت الثانوية في الحضرة، وهذه الغيبة هي غيبة العارف الذي وصل إلى الحضرة، أي حضرة الجمع التي يكون العارف فيها فانيًا عن عينه ورسمه، ممحو الأثر، غائبًا عن الأسماء والصفات في الذات الأحدية في مرتبة عين الجمع، وهذه المرتبة هي التي يغيب فيها الفناء، والفاني بشهود البقاء والباقي لا غير. [المرجع السابق].

وقد تبلغ أحوال الغيبة عند الصوفية درجات بعيدة من الاستغراق في مشهود الحق، حتى لا يدري نفسه أو أي شيء حوله، وربما يكون بوادر من الحق يكاشف به عبده، وروي عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه كان في سجوده فوقع حريق في داره فلم ينصرف عن صلاته، فسئل عن حاله فقال: ألهتني النار الكبرى عن هذه النار [الرسالة].

ويضرب الصوفية عدة أمثلة على هذا الشعور بالغيبة الذي يستولي على الإنسان عند الشعور بالحضور القوي القاهر لوعي الإنسان، أثناء تواجده بالحضرة الإلهية.

فالمثال الأول: إذا دخل رجل على عالم أو سلطان أو رجل جليل القدر، ذهل عن نفسه وعن مجلسه، وربما ذهل عن ذلك الرئيس أيضًا، حتى إذا سئل بعد خروجه من كان عنده في المجلس لم يستطع أن يخبر، لفرط دهشته وانبهاره بالجلال الذي رآه.

والمثال الثاني: ذكره القرآن للنسوة اللائي قطعن أيديهن حين شاهدن يوسف عليه السلام، فمشاهدة جمال يوسف والانشغال به غيبهنّ عن الإحساس بألم قطع أيديهن، فإذا كان الجلال البشري والجمال البشري يفقد الإنسان إحساسه، ويغيبه عن ذاته وعن غيره، فما بال الحضرة في معية الذات الإلية ذات الجلال، والجمال، والكمال، حينئذٍ تكون الغيبة أشد.

 فالحضور: هو حضور العبد بالحق بعد غيبته عن الخلق، وذلك بسبب استيلاء ذكر الحق على قلبه، ودوامه منه، وحضوره بالحق بقدر غيبته عن الخلق، ثم يكون مكاشفًا في حضوره على حسب رتبته بمعانٍ يخصه الحق فيها، وقد يقال: حضر العبد بمعنى عاد من غيبته.

 ويرتب الصوفية العارفين في مراتب تتناسب بحسب تحققهم من الحضور، وأعلى هذه المراتب مراتب الأنبياء، يليهم الصديقين.

يذكر الجنيد (ت: ٢٩٨ هـ) هذه المراتب بقوله: "كلام الأنبياء بناء على حضور، وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات [طبقات الصوفية].

وللعبد أفعال وأخلاق وأحوال، الأفعال هي تصرفاته الاختيارية، والأخلاق طباعه النظرية، لكنها تتغير وتتبدل على مر الأيام، والأحوال ترد على العبد ابتداء، وصفاؤها إصلاح أعماله، ومتى فني العبد من الأعمال والأخلاق والأحوال يزول إحساسه عن كل ذلك، ويستولي عليه سلطان الحقيقة، فهو حاضر بالحق، غائب عن نفسه وعن الخلق.

ويبدأ المريد بالغيبة عن رسوم العادات ومذموم الأخلاق، ثم الغيبة عن حظوظ النفس ومتع الدنيا ولذاتها، ويترقى في أحوال الغيبة حتى يغيب عن الخلق وأفعاهم، وربما كان بينهم وهو غائب عنهم، فلا يشهد أقوالهم، ولا ينظر إلى أفعالهم حتى يصل إلى حد الغيبة عن الإحساس بالنفس، وكل ما في الكون بالاستغراق في أنوار القدس، وتجلي صفات الحق عليه، ويتقلب في مشاهدة الصفات، فيغيب عن بعضها بمشاهدة بعضها الآخر. [الآراء الكلامية والصوفية]

ومن هنا يرتبط الحضور بالمشاهدة والمكاشفة، وأحيانًا تذكر هذه المصطلحات الثلاثة مجتمعة، وهي: المحاضرة، والمكاشفة، والمشاهدة، كتعبير عن الأحوال التي يكابدها العبد أثناء طريقه لله، ومحاولة الوصول لحضرته.

الخلاصة

يُعد مفهوم الحضرة والحضور من أعمق المفاهيم في التجربة الصوفية، إذ يعكس جوهر العلاقة بين العبد والحق تعالى، حيث ينتقل السالك من وعي الحس إلى شهود الغيب عبر الذكر والمجاهدة، وقد شكّل هذا المفهوم محورًا رئيسًا في الفكر الصوفي، لتعبيره عن لحظة الاتصال الروحي التي يغيب فيها الوجود البشري في حضور الحق المطلق.

موضوعات ذات صلة

يعتبر مفهوم الحضرة والحضور من أعمق المفاهيم في التجربة الصوفية، إذ يعكس جوهر العلاقة بين العبد والحق تعالى.

الخانقاه في الإسلام كانت مؤسسة دينية واجتماعية، لعبت دورًا هامًّا في نشر العلم والتصوف.

تعتبر الخشية من أعلى الدرجات التي يمكن أن يصل إليها العبد، وتقترن بالرجاء في رحمة الله تعالى.

موضوعات مختارة