يتكلم الصوفية عن معان متعددة للحضور
والحضرة، منها ما أشار إليها القَشاني (ت ٧٣٠هـ) في معجمه. [لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام]
فذكر أنواع عديدة من الحضرات منها: حضرة الهوية، وحضرة أحدية الجمع، وحضرة
الجمع والوجود، وحضرة الطمس وحضور الإجمال، والحضرة العندية، والحضرة الربوبية،
وحضرة الارتسام، وحضرة الجلال، وحضرة الجمال، وحضرة القرب، وحضرة التدلي، وحضرة الصفاء،
وحضرة ظهور الخلق بصفات الحق، وحضرة الألوهية وغيرها من أقسام الحضرات.
ونذكر معاني بعض هذه الحضرات:
- فالحضرة العندية تعني حضرة "العند" المضاف
إلى الحق عز شأنه، مثل قوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ
عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ} [فصلت: ٣٨]، وقوله تعالى: {وَإِن
مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ} [الحجر:
٢١]، وغير ذلك مما
يعبر عنه بلفظ العندية المضافة إلى الحضرة الربوبية، وتلك الحضرة هي باطن كل
الظروف الزمانية والمكانية، والمشار إليها بقولهم: "لَيْسَ عِندَ
رَبِّكُمْ صَبَاحٌ وَلَا مَسَاءٌ" [شرح الطيبي على مشكاة المصابيح].
-حضرة الجلال: هي الحضرة التي يرى الحق فيها نفسه
لنفسه من غير اعتبار تعين من مظهر أو نسبة أو غير ذلك، وهي الحضرة التي لا مطمع
لأحد في نيلها؛ وهذه الحضرة هي باطن كل جلال وهيبة، وهي تظهر في الوجود بصورها
العقلية والحسية والخيالية.
- حضرة الجمال: هي باطن كل جمال وحسن وبهاء وزينة في
الذوات والأوصاف.
- حضرة الكمال: هي الحضرة الجامعة بين
الجلال والجمال، وتسمَّى الحضرة البرزخية، وما من آية من آيات الكتاب، ولا كلمة في
الوجود إلا ولها ثلاثة أوجه: جلال، وجمال، وكمال.
- حضرة الألوهية: وهي الأسماء التي تظهر
أحكام الألوهية من معاني الرحمة، والملك، والخلق، والرزق، وغير ذلك.
- حضرة ظهور الخلق بصفات الحق: وهي عندما
يتخلص المخلوق من قيود الكثرة بحيث لا يبقى فيه سوى حقيقته المتعينة في الحضرة،
فإنه قد يظهر بصفات الحق، من إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص [بإذن الله، فالفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، ويختلف ظهور
هذا الفعل على بعض من اختصهم الله سبحانه وتعالى ببعض الخصوصيات، مثل قبض الأرواح
وتدبير الأرزاق ووهب الأولاد، فقد نسبه الله في القرآن لبعض خلقه، ويتسق مع ذلك
معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فإنها تخرق العادات بأفعال غير معتادة الظهور
إلا من الخالق سبحانه وتعالى].
ويُقَسّم الجرجاني (ت: ٨١٦هـ) الحضرة
الإلهية عند الصوفية إلى خمس حضرات هي: [التعريفات].
- حضرة الغيب المطلق، وعالمها عالم الأعيان
الثابتة في الحضرة العلمية في مقابلها:
- حضرة الشهادة المطلقة، وعالمها عالم الملك.
- وحضرة الغيب المضاف، وهي تنقسم على ما يكون أقرب
منه الغيب المطلق، ويسمّى بعالم الملكوت.
والخامسة: الحضرة الجامعة للأربعة المذكورة،
وعالمها عالم الإنسان الجامع لجميع العوالم وما فيها.
فعالم الملك مظهر عالم الملكوت، وهو
عالم المثل المطلق، وهو مظهر عالم الجبروت، أي عالم المجردات وهو مظهر عالم
الأعيان الثابتة، وهو مظهر الأسماء الإلهية، والحضرة الواجدية، وهي مظهر الحضرة
الأحدية.
والحضور الكلي ويذكر على أنه صفة لله
تعالى، وهي القول: إنه جل جلاله حاضر وشاهد على كل شيء، أي موجود بكليته في كل
مكان [المعجم الفلسفي].
أما الحضور الخاص فهو المقصود بالحضرة
القدسية، أو الحضور للحضرة الإلهية.
وإجمال الحضور هي الوعي بمعيته تعالى، أي يشعر الصوفي
أنه مع الله ولا يكاد يدرك معه شيئًا آخر، يقول التستري (ت: ٢٨٣هـ) الحضور أفضل من
اليقين، لأن الحضور وطنات، واليقين خطرات [طبقات الصوفية]، فالحضور استقرار يفنى فيه العبد عن نفسه وذاته وغيره، ويبقى مع الله،
ففيه فناء عن الخلق وبقاء بالحق، مع الله والمراد بحضور العبد مع الله شهوده الحق
تعالى من خلف الحجب، أو علمه بنظر الحق تعالى إليه، كما في قوله صلى الله عليه
وسلم: «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» [رواه البخاري].
ويعتبر الصوفية أن هذا الحضور هو أكمل في
التنزيه ممن يشهد الحق من خلف الحجب، ومن هنا نرى أن الشهود يعنى عندهم الحضور،
وما دام العبد موصوفًا بالشهود والرعاية فهو حاضر، فإذا فقد المشاهدة خرج عن دائرة
الحضور، فهو غائب، والغيبة عن جميع الأشياء من أقسام الفناء، وفيها يغيب الفاني عن
شعوره بنفسه وبغيره.
وللوقوف في الحضرة الإلهية آداب، وأدب العارف فوق كل أدب، قال ذو
النون المصري: "إذا خرج المريد عن حد استعمال الأدب، فإنه يرجع من حيث جاء"،
ويقتضي الوقوف في الحضرة الإمساك عن القول في طلب المأرب، وفيه قيل: الانبساط في
القول في الحضرة ترك الأدب، وحفظ أدب الخطاب هو حسن الأدب في مواقف القلب ومواقف
القرب.
وحضور القلب فيه غياب للمريد عن ذاته،
فلمَّا غَابَ عن ذاته بصفاء اليقين، فهو كالحاضر عنده - تعالى - أو كما قال
الشاعر:
إذا تغَيَّبْت بدا * * * وإن بدا غيَّبَني
[معجم مصطلحات الصوفية].