بعد أن اتضحت أمامنا علاقة الألفاظ السابقة ببعضها من ناحية المفهوم،
وثبت أن الباطن بمعنى التصديق أسبقها، ثم الشريعة، ثم الطريقة، ثم الحقيقة وهي
جميعها بمعنى واحد من ناحية الماصدق أو من ناحية كونها وجبت بالأمر الإلهي، تبين
هنا علاقة الشريعة بالحقيقة من ناحية السلوك، وأيهما أعطاه الصوفية تقديرًا
واهتمامًا أكبر، وندرك يقينًا أن رجال الطريق قد اعتبروا علوم الشريعة ضرورية
للسلوك أبدًا، وقرروا أنه يجب على السالك أن يدرسها أوّلًا قبل التطلع إلى الحقيقة،
لأنه بالتصديق الباطني، والاستقامة على الشريعة تنجلي القلوب وتأتيها الحقائق،
فالشريعة إذًا باب الحقيقة ومفتاحها، والشريعة بداية والحقيقة ثمرة وغاية، ولن يصل
أحد منا إلى ما يشتهي إلا بعدما يجتاز الباب الأصلي، وبعدما يدخل من الردهة الضرورية
لها، وحتى إذا ما وصل السالك فإن الشريعة لا تفارقه بحال من الأحوال مهما أوتيَ من
الحقائق وكوشف بالأسرار ومن هنا أكدوا على سبق الشريعة كمقدمة أساسية للحقيقة كما
أظهروا تلازمهما ومشاكلتهما.
أما ضرورة سبق الشريعة فلأنها في نظر السَّرِيِّ والمكي
حصن للسالك ومعيار أو ميزان دقيق له في كل مراحل سلوكه، وإذا بدأ المريد بها، فإنه
يؤمن عليه من الزلل والخطأ ويحفظ من الإلحاد والزندقة، ويتبين صحة الدقائق من فساد
الهوى، ولهذه العلل حدثنا (الجنيد) أنه كان يسمع خاله السري يدعو له
عقب انصرافه من مجلسه قائلًا: "جعلك الله صاحب حديث صوفيًّا ولا جعلك صوفيًّا
صاحب حديث". [قوت القلوب ح١٥٨:١] ويُلقي المكي كثيرًا من الأضواء
حول هذه العبارة فيخاطب كل سالك بأنك إذا بدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول
والسنن ثم تزهدت وتعبدت تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيًّا عارفًا، [المكي: قوت القلوب
ح١٥٨:١] وأما
إذا كان العكس "وابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت به عن العلم والسنن،
فخرجت إما شاطحًا أو غالطًا لجهلك بالأصول والسنن، وأيضًا فمن تكلم في علم الباطن
على غير قواعد العلم الظاهر وأصوله فذاك من الإلحاد في الشريعة والوليجة بين
الكتاب والسنة [نفسه ح١٦٥:١]، وما دام الأمر كذلك "فأحسن
أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر وكتب الحديث لأنه هو الأصل الذي تفرع عليه العبادة
والعلم، [ابن الجوزي: صفة الصفوة
ح٢٥٣:٢]، بالحقائق
والمعارف الربانية، وإلى هذا ذهب أحمد بن محمد الحريري حين قرر أن الأمر
كله مجموع على فصلٍ واحدٍ وهو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائمًا" [طبقات السلمي ٨٩: الجيلاني: الفتح الرباني ٣٩، ١٥٢، ٤٧: ابن عربي:
الفتوحات المكية ح٢: ٧٤٢].
ونفس هذ الشرط يؤكده "أبو علي الثقفي، والجيلاني،
وابن عربي" [ابن زروق: قواعد التصوف،
صحيفة: ١٢ (القاعد:٢٢) ٢٠،٢١) صحيفة: ١٥ (القاعدة ٢٦)]، وجميع الصوفية السنيين والسلفيين،
وبناء عليه فإن الشريعة إمام وسابقة في الوجود والحكم والحكمة عند ابن زروق
ويمكن الاكتفاء بها دون الحقيقة أو التصوف، ولا يمكن الاكتفاء بالحقائق أو التصوف
دونها [طبقات السلمي: ٩٨: ١٠]، وإلى هذه الجوانب مجتمعة أو إلى هذا
الشرط الضروري يقول سبحانه: {فَلَوۡلَا
نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ
وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} [التوبة:
١٢٢]، وقد نبهوا على ضرورة التلازم بين الظاهر
والباطن، أو بين الشريعة والحقيقة سواء في مرحلة السلوك الأولى حيث أوجبوا إصلاح
الظاهر بالعلم مع إصلاح الباطن بالورع، وأعربوا عن سياحة الأول بالعلم والشرع
والخلق، والثاني بالحال والوجد والكشف مع التلازم بين الجانبين على وجه الدوام
حسبما فصل ذلك إبراهيم القرمسيني وأبو حفص النيسابوري [قوت القلوب ح ١٣٠:١، ١٦٥ ]، وأبو محمد الشعراني، وبما أنهما
لا ينفكان فهما كالإسلام والإيمان، أو كالجسد والقلب لا حياة للمتدين، ولا للإنسان
إلا بهما، وأدنى مخالفة بينهما تؤدي إلى أعمق المخاطر كالإلحاد أو إلى الجهل
والغرور عند المكي [الطبقات الكبرى
للشعراني ١٥٢،١٥٠،١٤٣،١٢٤].
والنتيجة المرجوة والملحة من
كل هذا هي ما جاء على لسان الدسوقي في قوله: "والشريعة مؤيدة بالحقيقة،
والحقيقة مقيدة بالشريعة، والشريعة أصل والحقيقة فرع"، ويوصي مريديه أن
يحبسوا أنفسهم في قمقم الشريعة، ويختموا عليها بخاتم الحقيقة وأن يجالسوا من جمع
بين الشريعة والحقيقة. كما يوصي الشيوخ أن يحكموا الشريعة والحقيقة، ولا يفرطوا كي
يصح الاقتداء بهم فإنه ما سميت الحقيقة حقيقة إلا لكونها تحقق الأمور بالأعمال
وتنتج الحقائق من بحر الشريعة [نفسه ح١: ٦٨]، ولأن الشريعة هي القاعدة، وهي الشجرة
وهي النقية المنقاة الخالصة المخلصة والحقيقة ثمرة، فالثمرة لا تولد ولا تنضج إلا
من الشجرة وعلى أغصانها، وهذا تنبيه قوي على التلازم بينهما في المراحل العليا من
السلوك أو في مراحل الكشف بعد التلازم في بدايات السلوك وليس هذا فقط بل أكثر على
المشاكلة بين الظاهر والباطن، أو بين الدقة في تطبيق الشرع وبين وضوح الحقائق بحيث
يكون ظاهر الفقير في الاستقامة كباطنه لا يزيد أولهم عن ثانيهم في مظاهر الإخلاص
وإلا جرح الصدق ودب الرياء، على حد ما ذهب إليه أبو سليمان الداراني [طبقات
السلمي١٦]، ويشدد المحاسبي على تطبيق المشاكلة في المجاهدة بمعنى أنه يجاهد
باطنه تنقية وتصفية، ويجاهد ظاهره اتباعًا واقتداءً، لأن من اجتهد في باطنه ورثه
الله حسن معاملة ظاهره، ومن حسن معاملة ظاهره مع مراقبة لباطنه ورثه الله الهداية
إلى أنواره [طبقات السلمي٢٥] قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ
جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ
ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]، وفي حال الصدق والإخلاص يصير كل أدب لأي
من الجانبين عنوان الأدب في الجانب الآخر، ويصح أن نقول مثلًا مع أحمد الحريري
حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن [طبقات
السلمي ٢٩].
وهذا المنهج الصوفي في تقديم الباطن، واحترام الشريعة، وجعلها أساسًا
وضابطًا للحقيقة جاءت به كثير من الآيات القرآنية التي حثت على التصديق وعلى العلم
والعمل بالظاهر، ورتبت عليهما معًا فضل الله في إدخال هؤلاء الطائعين والعابدين
إلى رحاب الجنة، وبينت آيات أخرى على أنهم أهل الفلاح والطوبى والمآب والزيادة
والهداية الخاصة والبشارة والنور، وهم خير البرية، وأهل الاستخلاف، والمنح اللدنية،
والذين أدخلهم الله في رحمته ورفعهم درجات ودرجات في الإيمان والعلم، وأنزل عليهم
ملائكته بالتطمين والبشارة، وتولاهم بذاته في كل حال من أحوالهم، ومن ناحية أخرى
فإن كثيرًا من الآيات بينت أنه إذا انفصل الباطن عن الظاهر بأن تسلل الكفر أو
النفاق أو الرياء إلى الباطن حبطت الأعمال، وأيضًا فإذا لم يقم العبد بأوامر الله
ولم يلتزم حدوده فهو الفاسق أو الظالم
[٢٥ البقرة، ١٢٢ النساء، ٤ يونس، ٢٣ هود، ٢٣ إبراهيم، ٨٨، ١٠٧ الكهف، ١٤، ٢٣ الحج،
٥٨ العنكبوت، ٨ لقمان، ١٩ السجدة، ٣٧ سبأ، ٢٢ الشورى، ١٢محمد، ١١البروج، ٣٨ النور،
٤٥الروم، ٣٦الشورى، ٧٢ طه، ٢٧٧ البقرة، ٥٧آل عمران) (٩يونس، ٢٩ الرعد، ٥٥ النور،
٦٧ القصص، ٣٣، ٢٣ الشورى، ١١ الطلاق، ٧البينة].
وكل هذه الجوانب هي التي سعى إليها الصوفية بغية نوالها، أو حذروا من
التفريط فيها خشية الردى والهلاك، ولا بأس أن نستمع إلى نيكلسون يعلق على
دقة هذه البحوث وقوتها، وعلى عمقها وشمولها ونفعها إذ يقول: والمتصوفون قد أدوا -دون
ريب- عملًا جليلًا للإسلام فهم بنبذهم قشور الدين وإصرارهم على تحصيل لبابه بتنمية
المشاعر الروحية وتطهير البواطن لا بالعمل الظاهري فحسب، قد مكنوا لملايين الناس
من حياة غنية عميقة [الصوفية في الاسم: ٩٠]
كتلك التي عاشها
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلـم وتابعوهم.
وبعد أن ظهر القول بوجود الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة هَبَّ
أهل الظاهر منتقدي الصوفية يقولون: "لا نعرف إلا علم الشريعة الظاهرة التي
جاء بها الكتاب والسنة" وتلك هي:
(الشبهة الأولى)، والرد
على هذه سهل وبسيط يتجلى في كل ما سقنا من نصوص جاءت صراحة تحمل الدلالة على
الألفاظ الأربعة السابقة، كما أننا نعلم أن أبا هريرة رضي الله عنه نال
وعائين من العلم هما الرواية والدراية، والأول بثه والثاني أسره، وقال عنه الرسول
صلى الله عليه وسلم إن من العلم "كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء
بالله، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الاغترار بالله".
وأما (الشبهة الثانية) فتتلخص في أن ابن الجوزي، وابن
القيم، وبرهان الدين البقاعي قد أرجعوا آراء الصوفية الخاصة بالباطن
والظاهر إلى ما ورد عن الشيعة لأن القول باثنينية النصوص والدين بصفة عامة، والادعاء
بأن الحقائق سابقة على الشريعة ويمكن الاستغناء بها عند الوصول إليها دون الشرع هو
بلا شك قول الشيعة من الهاشمية والغلاة كالحارثية، والمخرمية، والإسماعيلية،
والقرامطة [راجع: الشهرستاني (الملل والنحل) ح ١٣٤:١، ١٣٥، ١٧٢، القمي
(المقالات:٨٥)، التونخي (فرق الشيعة ٧٤) د/ النشار (نشأة الفكر الفلسفي: ٣٨٠- ٣٨٤)
ابن الجوزي (تلبيس إبليس ١٠٢) ابن القيم (مدارج السالكين ح ٢ ٧٠ح٣ ١٦٦) البقاعي (تنبيه
الغبي: ٣٣)] حيث
يرون جميعًا أن لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا والظواهر أمثال مضروبة وتحتها
معان باطنة فيها، واتباع الشرع جزء من العقاب الأدنى عذّب الله به قومًا لم يعرفوه
حقًّا، وزاد ابن القيم في اتهامه لبعض رجال القوم أنهم يقدمون الوجد والكشف والذوق
على الشرع عند التعارض، والرد على هذا من عدة وجوه:
أولًا: إن الصوفية يختلفون عن الباطنية في
السلوك والغاية، أما في السلوك فقد سبق بيان اهتمام الصوفية بالعلم الظاهري دراسة
والسير عليه طريقًا، وبيان الملازمة والمشاكلة بين الشريعة وبين الحقيقة، أو بين
ظاهر المريد وباطنه، مع إبراز المخاطر الناجمة عن إهمال الشرع في السلوك، وإزاء
هذا امتدحوا بكل فخر واعتزاز كل من كان كذلك حتى كان أبو علي الكاتب يقول
عن أبي علي الروذباري إنه (سيدنا) فقيل له في ذلك فقال: "لأنه ذهب من
علم الشريعة إلى الحقيقة، ونحن رجعنا من علم الحقيقة إلى علم الشريعة" [الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ح ١: ٣٣١].
ومعناه أن (الروذباري) قصد الشريعة أولًا فدرسها وتعمقها وطبقها فهدي
منها إلى الحقيقة، وغيره من أمثال الكاتب هفت نفسه إلى الحقيقة، فلم دنا من رحابها
نِيّة واتجاهًا ومحاولة اعتاصت عليه فأدرك أنه لن ينالها إلا بالرجوع إلى الشريعة
فعاد واجتهد فيه حتى كوشف على قدره، فلما كان الحال كذلك وابتدأ الروذباري
من الباب ومن الأمر كان سيّدًا للذين حاولوا أن يتخطوا الباب إلى ما في داخله، ثم
تبين لهم وهْمهم فعادوا إلى المدخل الشرعي الصحيح، وأيضًا فإن العلماء مجدوا الشيخ
أبا مدين لأنه "وقف بظاهره مع الشريعة، وذهب بباطنه مع الحقيقة، فما
انقطع لصحة البداية ولا رجع لعدم الغاية" والنص واضح لا يحتاج إلى تعليق.
ثانيًا: وأما في الغاية فإن رجال الطريق قصدوا من وراء القول بالظاهر والباطن
إلى التكامل الديني، والنفسي والروحي، وإلى محاولة التعمق في النصوص وأسرارها، أو
تجلت غايتهم في تربية الظاهر، وتصفية الباطن، كي تنقشع الحجب بين السالك وربه ليدرك
المعاني الدقيقة، ويستنبط بنور ربه من أسرار الآيات ما يخفى عن الحس والعقل اللذين
اجتهدا في ظاهرها، ومن هذه النظرة البريئة، والغاية المحمودة سلمت نيّاتهم وصحّت
أعمالهم، وتحققت مآربهم، ولم يتخلوا عن الشريعة عندما بدت الحقائق أمام عين
بصائرهم، بل نادى كل منهم على الآخر وهو غارق في ساحات القرب "إياك أن
تترك العمل"، فقيل: وما ذاك العمل؟ قال داود الطائي: "دوام
الطاعة لمولاك"، [ابن خلكان: وفيات الأعيان ح٣١٩:٤]، وتحاثوا فيما بينهم على أن يرفع كل
سالك جهد الطاعة كلما صعد درجة على سلم الوصل والقرب، وأن يترقى ظاهره بمقدار من
يصاحب فيكون مع العوام فضة، ومع المريدين ذهبًا ومع العارفين دُرًّا وياقوتًا [تاريخ بغداد ح ٢٠٩:٤]، على حد تعبير يحيى بن معاذ الرازي،
وإذا تحقق بالدنو والقرب طولب بزيادات لا تطلب من أرباب البدايات، ولا يسمح العارف
لنفسه بترك حد من حدود الشريعة مع كمال بصيرته [الغزالي مشكاة الأنوار: ٣٢- ٣٣، والسهروردي، عوارف المعارف، ٧١]. كما اشترط الغزالي والسهروردي
البغدادي.
ومن زعم ترك التكليف لأنه وصل هتف الصوفية السنيون جميعًا، "نعم
وصل ولكن إلى سقر" وعَدُّوه من الحمقى والغالطين، وبالتالي بعد كل هذا فإنه
يبطل ادعاء المثيرين للشبه بأن الصوفية يتركون الشرع عند الوصول كما تأول الباطنية
قول تعالى: {لَيۡسَ عَلَى
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا
مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ
وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [المائدة: ٩٣] بأن الذي يصل إلى الإمام ويعرفه "ارتفع
عنه الحرج في جميع ما يطعم ووصل إلى الكمال والبلاغ" [الشهرستاني: الملل والنحل، ١:١٣٥] كما
يبطل زعم من ذكر بأن رجال الطريق يقدمون الذوق على الشرع إذا تعارضا، ولا بد من
القول بأن التشابه في الاثنينية للنصوص وللإنسان بين ما وجد عند الصوفية وبين ما
وجد عند الباطنية لا يؤدي إلى التطابق سلوكًا أو غايةً حيث وضحت وجهة الصوفية
ونظرتهم إزاء الالتزام بالشرع بداية ووصلًا وبدا سوء القصد عند الغلاة من وراء
أفكارهم لأنهم عمدوا إلى الإضرار بالإسلام، وإنكار الشرائع، وإبطال الظاهر لكي يسري
باطلهم بعد ذلك [ابن الجوزي: تلبيس إبليس: ١٠٢].
ويلاحظ - كذلك - أن مثيري الشبه جَانَبَهم الصواب في تحديد اللون
والقدر الذي يوجه إليه الاتهام، فاعتقادي أنهم عنوا بالصوفية الذين أشبهوا
الباطنية من مزج التصوف بالفلسفة من دعاة الإشراق والفيض كابن سبعين، والسهروردي
المقتول، وغيرهما من المتأخرين الذين اهتموا بالكشف وبما وراء الحس، والذين كان
سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين... فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر
واختلط كلامهم وتشابهت عقولهم [المقدمة: ٤٠٢]. كما يقول ابن خلدون.
والذي يدلنا على ذلك صراحة هو ما وجدناه في تلبيس إبليس لابن
الجوزي، وفي الفتاوى والرسائل والمسائل لابن تيمية وفي مدارج السالكين لابن
القيم من تقدير شديد للصوفية السنيين المعتدلين كشقيق ومعروف والداراني،
والأنطاكي، والسري، والجنيد، وحاتم الأصم، والشبلي،
وغير هؤلاء الذين التزموا الشرع بداية ونهاية، مما يقطع بأن اللوم انصب على
المتفلسفين من الصوفية لا المتشرعين الصادقين، وأحب أن أقول هنا إن المعتدلين قد
ساهموا بقدر كبير في حرب الخارجين والمدعين والمنتسبين والمتشبهين، فالسلفيون
والسنيون يلتقون عند احترام الشرعيين كما يلتقون عند ذم المفرطين، ولو أن ابن
الجوزي وأشباهه من مدرسته حددوا منذ البداية أرباب الصبغة الفلسفية وشبهوهم
بالباطنية لأراحوا واستراحوا، وكانوا أكثر التزامًا لجادة الصواب.