Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

القبض عند أهل الحقائق

الكاتب

هيئة التحرير

القبض عند أهل الحقائق

الحمد لله مُصرِّف القلوب؛ أما بعد، فالقبضُ واردٌ جلاليٌّ يغشى الفؤاد؛ فيحبسه تحت سطوة القهر، ونوجز القول في تحرير حقيقته وتمييزه عن الخوف استنادًا لما قرره أئمة الطريق كالقشيري والسَّهْرَوَرْدِيِّ.

حد القبض وتمييزه عن الخوف

اعلم - أيدك الله بنور اليقين - أن أهل الشأن في علم التصوف والسلوك؛ قد ميزوا بدقةٍ بالغةٍ بين القبض والخوف، وإن اشتبها في الألم وضيق الصدر؛ فذهب الإمام أبو القاسم القُشيري إلى أن الخوف يتعلق بالمستقبل؛ كتوقع مكروهٍ أو فوات محبوب، أما القبض فهو أمرٌ حاليٌّ يهجم على القلب في وقته، لا انتظار فيه لغد؛ فالقبض للعارف بمنزلة الخوف للمبتدئ، والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمبتدئ، فصاحب الخوف معلّقٌ بآجله، وصاحب القبض مأخوذٌ بوارِدِ وقته؛ ولهذا قيل: "القبض لما غلب القلوب من الخوف، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء". [ينظر: الرسالة القشيرية: ١/١٥٦، ولطائف الإشارات].

القبض ومحله من السلوك

ليس كل ضيقٍ قبضًا، ولا كل انشراحٍ بسطًا بالمعنى الخاص عند القوم، وقد حقق الشيخ شهاب الدين السهروردي هذه الدقيقة؛ فبيَّن أن القبض والبسط لهما "موسم معلوم"؛ وهو أوائل "المحبة الخاصة"، لا بدايات الإسلام (المحبة العامة)، ولا نهايات الفناء التام؛ فالعوام لهم الهم والنشاط ومصدرهما النفس الأمارة وطبائعها، أما الخواص - أصحاب النفس اللوامة، والقلوب الحية - فهم أهل القبض والبسط؛ لأنهم ارتقوا من رتبة الإيمان إلى رتبة الإيقان؛ فإذا صفت النفس وصارت لوامة تناوب عليها الحالان: "يقبضك عما لك، ويبسطك فيما له" - كما قال الواسطي - أو "يقبضك بإياك ويبسطك لإياه" - كما قال النوري. [ينظر: عوارف المعارف: ٢/٣٣].

القبض وعلاقته بالفناء والبقاء

ومن لطائف الإشارات ما نقله أبو نعيم عن أحمد بن عطاء حين سُئل عن نعت المقبوض والمبسوط، فقرر قاعدةً جليلةً مفادها: أن القبض هو مقدمة الفناء، ونعته الحزن، وحال صاحبه الغيبة عن الخلق؛ لاستيلاء سلطان الحق.

وأن البسط هو مقدمة البقاء، ونعته السرور، وحال صاحبه الحضور؛ ولهذا كان أهل الغيبة (المقبوضون) إذا شربوا كؤوس الواردات طاشت عقولهم، وأهل الحضور المبسوطون إذا شربوا عاشوا وصحوا.

فيروي عن الْفَضْلِ الْهَرَوِيّ قوله: حَضَرْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَطَاءٍ وَسُئِلَ عَنِ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ، وَحَالِ مَنْ قُبِضَ وَنَعْتِهِ وَحَالِ مَنْ بُسِطَ وَنَعْتِهِ، فَقَالَ: "الْقَبْضُ أَوَّلُ أَسْبَابِ الْفِنَاءِ، وَالْبَسْطُ أَوَّلُ أَسْبَابِ الْبَقَاءِ، فَحَالُ مَنْ قُبِضَ الْغِيبَةُ، وَحَالُ مَنْ بُسِطَ الْحُضُورُ، وَنَعْتُ مَنْ قُبِضَ الْحُزْنُ، وَنَعْتُ مَنْ بُسِطَ السُّرُورُ، وَكَانَ يَقُولُ: الذَّوْقُ أَوَّلُ الْمُوَاجِيد،ِ فَأَهْلُ الْغَيْبَةِ إِذَا شَرِبُوا طَاشُوا، وَأَهْلُ الْحُضُورِ إِذَا شَرِبُوا عَاشُوا. [حلية الأولياء: ١٠/٣٨٣].

زوال القبض عند المنتهين

هل يدوم القبض والبسط؟ أجاب المحققون بالنفي؛ فإن العبد ما دام محجوبًا بوجود قلبه ونفسه (وإن كانت لوامة) فهو في تقلب، فإذا خرق حجب الأنوار والظلمات، وفني في المذكور، سقط عنه حكم القبض والبسط، يقول السهروردي: "واعلم أن وجود القبض لظهور صفة النفس وغلبتها، وظهور البسط لظهور صفة القلب وغلبته، والنفس ما دامت لوامة فتارة مغلوبة وتارة غالبة، والقبض والبسط باعتبار ذلك منها، وصاحب القلب تحت حجاب نوراني لوجود قلبه، كما أن صاحب النفس تحت حجاب ظلماني لوجود نفسه، فإذا ارتقى من القلب وخرج من حجابه لا يقيده الحال، ولا يتصرف فيه، فيخرج من تصرف القبض والبسط حينئذٍ، فلا يقبض ولا يبسط ما دام متخلصًا من الوجود النوراني الذي هو القلب، ومتحققًا بالقرب من غير حجاب النفس والقلب، فإذا عاد إلى الوجود من الفناء والبقاء يعود إلى الوجود النوراني الذي هو القلب، فيعود القبض والبسط إليه عند ذلك، ومهما تخلص إلى الفناء والبقاء فلا قبض ولا بسط". [ينظر عوارف المعارف: ٢/٣٣]

 وعن هذا المعنى الدقيق عبر الجنيد بقوله: "الخوف يقبضني، والرجاء يبسطني، والحق يجمعني، والحقيقة تغرقني، وهو في ذلك كله موحشي غير مؤنسي بحضوري بذوق طعم وجودي، فليته غيبني عني وأفناني منى". [أسماء الله الحسنى، للقشيري].

إشارات متفرقة في موجبات القبض

وقد تنوعت عبارات القوم في أسباب هذا الوارد، كما ورد في (لطائف الإشارات) للقشيري، فمنهم من رأى القبض تأديبًا، ومنهم من رآه ترقيةً وتطهيرًا، فقيل:

يقبضك إذا أشهدك فعلك (لترى تقصيرك)، ويبسطك إذا أشهدك فضله.

القبض قهرٌ وإعراض، والبسط بِرٌّ وإقبال.

وقيل: القبض حقه عليك، والبسط حظك منه.

فالعبد بين القبض والبسط يتقلب في مقامات العبودية، حتى يفنى عن نفسه، ويبقى بربه، وهناك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الخلاصة

القبض واردٌ حاليٌّ يباين الخوف المستقبلي، يختص بأهل المحبة الخاصة لتهذيب بقايا النفس اللوامة تحت سطوة الجلال، وهو عتبة الفناء وبرزخ الغيبة؛ فإذا رسخ العبد في التمكين وخرق الحجب؛ سقط عنه قيد التلون، وتلاشى حكم القبض والبسط في عين الجمع والشهود.

موضوعات ذات صلة

يرى الصوفية أن البسط هو حال الرجاء والقبض هو حال الخوف، ويجب على السالك فيهما أن يلتزم بالأدب والصبر.

عبادة قلبية عظيمة، لا يراد به مجرد الشعور بالرعب، بل هو دافع للكف عن المعاصي والاجتهاد في الطاعات، مقرونًا بمعرفة الله وعظمته.

يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي، إذ يجسد تعلق القلب برحمة الله وطمعه في عفوه.

موضوعات مختارة