Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوجد بين مراتب الشوق ومنازل السالكين

الكاتب

هيئة التحرير

الوجد بين مراتب الشوق ومنازل السالكين

الوجد في العروج الروحي ليس انفعالًا عابرًا، بل هو حالة قلبية عارمة ولهب متأجج، ينشأ عن وارد حق يصادف القلب بعد صفاء وتجرد، وهو من الأسرار الوجدانية التي يصعب على العبارة الإحاطة بها

منازل الوجد

أ. التواجد واستدعاء الشوق

التواجد هو المنزلة الأولى، وهو استدعاء الوجد بضرب اختياري، أو تكلف ليس لصاحبه كمال الوجد المحض، ولكنه يضع نفسه في محل الوارد، كمن يحاول البكاء، لعلّ الرحمة تدركه، وقد أجاز قوم من أهل التحقيق هذا التواجد للمريدين الذين ترصدوا لوجدان هذه المعاني، مستأنسين بقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ – رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا». [رواه ابن ماجه].

والجنيد - رضي الله عنه - لم ينكر على أبي مُحَمَّد الجُرَيْرِي تواجدَه حين أمسك وجده في المحافل أحيانًا ثم أرسله في خلوته، ما يدل على أن التواجد إذا كان صادقًا يُراد به حصول الخشوع فهو مسلك للمبتدئين في السلوك.

ويقول أبو القاسم القشيري: السماع هو أول الأمر، ويثمر السماع حالة باطنية في القلب تسمى الوجد؛ وهو إحساسه بما هو فيه. [ينظر: إتحاف السادة المتقين، للزبيدي].

فالتواجد: استدعاء الوجد بضرب اختيار، وليس لصاحبه كمال الوجد؛ إذ لو كَانَ لكان واجدًا، وباب التفاعل أكثره عَلَى إظهار الصفة وليست كَذَلِكَ، قَالَ الشاعر:

إِذَا تخازرت وما بي من خزر       ثُمَّ كسرت العين من غَيْر ما عور

فقوم قَالُوا: التواجد غَيْر مُسْلم لصاحبه لما يتضمن من التكليف، ويبعد عَنِ التحقيق، وقوم قَالُوا: إنه مُسْلم للفقهاء المجردين الَّذِينَ ترصدوا لوجدان هذه المعاني، وأصلهم خبر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا»، والحكاية المعروفة لأبي مُحَمَّد الجريري - رحمه اللَّه - أَنَّهُ قَالَ: كنت عِنْدَ الجنيد وهناك ابْن مسروق وغيره، وثم قوال، فقام ابْن مسروق وغيره والجنيد ساكن، فَقُلْتُ: يا سيدي مَا لك فِي السماع شَيْء، فَقَالَ الجنيد: {وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ} [النمل: ٨٨] ثُمَّ قَالَ: وأنت يا أبا مُحَمَّد مَالِك فِي السماع شَيْء؟ فَقُلْتُ: يا سيدي أنا إِذَا حضرت موضعًا فِيهِ سماع وهناك محتشم أمسكت عَلَى نفسي وجدي، فَإِذَا خلوت أرسلت وجدي فتواجدت، فأطلق فِي هذه الحكاية التواجد وَلَمْ ينكر عَلَيْهِ الجنيد. [الرسالة القشيرية (١/ ١٦١)].

ب. الوجد واستغراق القلب

هو ورود المعنى على القلب بلا تكلف أو تصنع، وهو المرتبة الوسطى وثمرة السماع الحقيقية، وقد عرّفه بعضهم بأنه: "ما صادف القلب من فزع أو غم أو رؤية معنى من أحوال الآخرة" أو هو "لهب يتأجج من شهود عارض القلق".

وبين الوجد والتواجد فرق جوهري، كما وضحه الأستاذ أبو عَلِي الدقَّاق؛ بأن التواجد يوجب استيعاب العبد، والوجد يوجب استغراق العبد، فإذا كان التواجد مجاهدة، فالوجد حال غالب لا يملكه العبد، بل يغلب العبد ويستغرقه.

فيَقُول: التواجد يوجب استيعاب العبد، والوجد يوجب استغراق العبد، والوجود يوجب استهلاك العبد؛ فَهُوَ كمن شهد البحر ثُمَّ ركب البحر، ثُمَّ غرق فِي البحر، وترتيب هَذَا الأمر مقصود، ثُمَّ ورود، ثُمَّ شهود، ثُمَّ وجود، ثُمَّ خمود، وبمقدار الوجود يحصل الخمود، وصاحب الوجود لَهُ صحو ومحو، فحال صحوه بقاؤه بالحق، وحال محوه فناؤه بالحق، وهاتان الحالتان أبدا متعاقبتان عَلَيْهِ، فَإِذَا غلب عَلَيْهِ الصحو بالحق فبه يصول، وَبِهِ يَقُول: قَالَ عَلَيْهِ السَّلام فيما أخبر عَنِ الحق: «فِبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِر». [الرسالة القشيرية: ١/ ١٦٣]

جـ. الوجود والاستهلاك والتحقق

وهي المنزلة العليا؛ وهي دوام الوجد حتى يصير صفة لازمة وحالًا غالبًا، وهو ذروة مقام الإحسان، عندها يتحقق قول الدقاق: "والوجود يوجب استهلاك العبد" فصاحب الوجود هو كمن شهد البحر، ثُمَّ ركب البحر، ثُمَّ غرق فِي البحر، وفي هذا المقام يكون للسالك صَحْوٌ وَمَحْوٌ، فحال صَحْوِه بقاؤه بالحق، وحال مَحْوِه فناؤه بالحق.

الوجد ونفحات الشوق وغلبة التجلي

يرى العارفون أن الوجد يشعر دائمًا بسابقة فَقْدٍ أو غياب، فمن لم يفقد شهود الحقيقة لم يجد هذا الشوق، وإنما كان هذا الفقد لمزاحمة بقايا العبدية وصفات النفس، فلو تمحض العبد لله تمحض حرًّا.

ويشدد شهاب الدين السهروردي على أن الوجد ما هو إلا محرك لما في القلب، فـ"السماع لا يُحْدِث في القلب شيئًا، وإنما يُحرك ما في القلب"، فمن كان متعلق باطنه بمحبة الله، حركه السماع فـوجد بالإرادة الصادقة، ومن كان متعلقًا بأهواء نفسه، حركه فـوجد بالهوى، وهذا هو محك الصدق في الوجد، ولهذا قيل "كل وَجْد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل".

لقد رأى أهل الوجد أن هذه الأحوال ترد عليهم نتيجة الواردات الإلهية التي هي ثمرة الأوراد والأذكار، حتى قالوا: "من لا ورد له بظاهره، لا وجد له في باطنه"، ولأهل الوجد تغيرات تظهر عليهم: كقشعريرة البدن، والبكاء، والأنين، والصراخ، وكما قال أبو عبيدة الخواص الذي غلبه الوجد: "وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه"؛ تلك هي غلبة الحضور على القلب. [ينظر: إحياء علوم الدين، وصيد الخاطر].

في السماع والتجلّي

عندما يثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة (الاضطراب)، أو موزونة (التصفيق والرقص)، يكون قد ظهر أثره على الظاهر، وقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الأئمة الأربعة - كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعة - إباحة السماع في الجملة.

كما نقل الغزالي - في إحياء علوم الدين - عن يحيى بن معاذ قوله: "فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلا قلة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء". ونقل عن الحارث المحاسبي وابن مجاهد ما يدل على جواز السماع مع جدهم وزهدهم، مؤكدين أن الوجد الصادق هو علامة لا غنى عنها في طريق السلوك. [ينظر: إحياء علوم الدين].

هكذا يظل الوجد الصوفي مقام الصدق في الشعور، ومحطة الانتقال من الاستيعاب إلى الاستغراق، ثم إلى الاستهلاك والتحقق بجمال الحقيقة المطلقة.

الخلاصة

الوجد هو حالة قلبية ناتجة عن السماع، وهو إحساس الروح بما هي فيه، ويتدرج السالك فيه من التواجد إلى الوجد (الاستغراق)، وصولًا إلى الوجود (الاستهلاك والتحقق)، وهو محك لصدق الإرادة؛ حيث يحرك ما في القلب من شوق إلهي أو هوى نفساني، وقد أقرّ الأجلاء من الصوفية والأئمة السماع والوجد الصادق كمسلك للوصول إلى غلبة الحضور على القلب.

موضوعات ذات صلة

من بين التجليات الصوفية: الحضرة والحضور، فنلقي الضوء حول مفهوم الحضرة والحضور، وأبعاد الحضور الصوفي، وأنواع الحضرات.

نوع من أنواع المحبة، وقد كُنِّي عن العشق في القرآن بشدة الحُب.

هو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، بحسب الغزالي. وقد توسع الصوفية كالسراج الطوسي والكلاباذي في شرح مظاهر هذا المفهوم.

موضوعات مختارة