مصر، كنانة الله في أرضه وملاذ الأنبياء، تحمل في وجدان شعبها تدينًا فطريًا يتجسد في حب عميق متوارث لآل البيت رضوان الله عليهم. هذا الحب ليس مجرد عاطفة، بل هو ارتباط تاريخي وروحي تجذر منذ دخولهم إليها، وتوّج بانتشار مساجدهم المباركة.
مصر، كنانة الله في أرضه وملاذ الأنبياء، تحمل في وجدان شعبها تدينًا فطريًا يتجسد في حب عميق متوارث لآل البيت رضوان الله عليهم. هذا الحب ليس مجرد عاطفة، بل هو ارتباط تاريخي وروحي تجذر منذ دخولهم إليها، وتوّج بانتشار مساجدهم المباركة.
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهم. ( سنن الترمذي، ٦/١٣٣، ط دار الغرب)
لقد جعل الله تبارك وتعالى مصر ملاذًا آمنًا لأنبيائه ورسله فقد دخلها سيدنا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة، وفيها تلقَّى سيدنا موسى الألواح، وعلى أرضها مر سيدنا يعقوب عليه السلام والأسباط لما قدِموا للعيش في مصر، وكذا نبي الله يوسف عليه السلام، وسيّدنا شعيب، والنبي داود، والنبي صالح، والنبيّ عيسى عليهم السلام.
وعلى نهج أنبياء الله وسله عليهم الصلاة والسلام سار آل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين وجدوا حبًا جمًّا مِن أهل مصر وتعلقًا شديدًا بهم، فحينما أُخرجت السيدة زينب رضي الله عنها من الدينة المنورة وخُيّرت في الذهاب إلى بلدٍ أحبت سوى المدينة المنورة مِن المدينة المنورة اختارت مصر؛ لِما تعرفه من عظيم منزلة آل البيت رضي الله عنهم عند أهل مصر وحبهم لهم، ولما سمعته عن أهلها من حبهم لآل البيت وتعلقهم الشديد بهم فخرجت رضي الله عنها ومعها بقية آل البيت رضي الله عنهم ووجهتهم مصر أرض الكنانة وكان ذلك في العام الحادي والستين من الهجرة النبوية المباركة، وحضر معها من آل بيت النبوة السيدتان فاطمة وسكينة ابنتا الإمام الحسين رضوان الله على الجميع، فكان الأمر كما توقعت رضي الله عنها، وضرب الشعب المصري أنموذجًا رائعًا في حب آل البيت رضي الل عنهم؛ إذ خرج لاستقبالها والي مصر آنذاك مسلمة بن مخلد ومعه جموع مِن أهل مصر قريبًا من منطقة بلبيس في صحراء مصر الشرقية، ففرحت رضي الله عنها فرحًا عظيمًا بهذا المشهد المهيب مِن أهل مصر فدعت لهم قائلة:" "أهل مصر نصرتمونا نصركم الله وآويتمونا آواكم الله وأعنتمونا أعانكم الله وجعل لكم من كل مصيبة مخرجا ومن كل ضيق فرجا".
ذكر الدكتور “جمال حمدان” في كتبه “شخصية مصر… دراسة في عبقرية المكان”؛ أن تعلق المصريين بأهل البيت نابع من جغرافيتهم النيلية، فدول الأنهار تتعلق بمن يطهر الناس من الإثم والآثام.
وشعب مصر شعب متدين بفطرته يميل إلى الروحانية والصفاء والنقاء والبعد عن الخطايا والآثام، شعب متدين متمدين باني حضارة وصانع تاريخ، فمن الطبيعي انطلاقًا من تدينه ومدنيته أن يكون هواه مواليًا لآل البيت رضي الله عنهم، يلتمس منهم البركات ويتقرب بحبهم إلى الله تعالى.
يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبَّكُمُ فَرضٌ مِنَ اللَهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ
يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ.
فهو حب متبادل في الله.
وبين آل البيت رضي الله عنهم وبين الشعب المصري عشق قديم، فقد أحب الشعب المصري آل البيت قبل قدومهم إليه حينما سمع بأنبائهم وهم بالمدينة المنورة وتشوق إليهم، فلما قدموا استقلبهم ذلك الاستقبال الرائع.
وعندما استقر بهم رضي لله عنهم المقام بين ظهرانيه رأى فيهم أكثر مما سمع، فازداد بهم تعلقاً وقد قابل آل البيت رضي الله عنهم حب الشعب المصري هذا، بحب مثله، ولما كان حب الطرفين لبعضهما خالصاً لله فقد دام.. إن عمر هذا الحب الآن نحو من اثني عشر قرناً، ومع هذا فهو لا يزال يبدو قشيباً كالثوب الجديد.
لقد رأى الشعب في آل البيت رضي الله عنهم آماله الروحية فأقبل عليهم إقبال الظماء على المورد العذب ، واشتد الإقبال عليهم والتزاحم على أبوابهم، ولا يزال حب الشعب المصري لآل البيت باقياً إلى اليوم ، يتوارثه الأبناء عن آبائهم وأمهاتهم ، لا يبلى ولا يذوى ، بل إن المحبين لهم يتزايدون تبعاً لعدد السكان . على الرغم من موجات الإلحاد الطافية الطاغية في هذا العصر.
من في مصر الآن من لا يعرف أضرحة آل البيت رضي الله عنهم في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، وشتى مسالكها ودروبها ولا يحبهم ولا يذكرهم ذكراً مقروناً بالإجلال، فإذا مر بمزار من مزاراتهم وقف ليحييهم ويقرأ لهم الفاتحة في أدب وخشوع.
ولم يقتصر حبّ آل البيت على طبقة معينة مِن طبقات الشعب المصري، بل كان هذا الحبّ متغلغلًا فيهم قادةً وشعبًا.
وخير شاهد على هذا لأمر هو مسجد السيدة زينب رضي الله عنها، فقد كان المسجد الزينبى بيتًا لأمير مصر مسلمة بن مخلد قائما على الخليج المصري، عند قنطرة على الخليج كانت تسمى قنطرة السباع، لأنها كانت مزينة من جوانبها بسباع منحوتة من الحجر.
ولم يكن مسلمة بن مخلد هو حاكم مصر الوحيد الذي يهب بيته لواحد مِن آل البيت رضي الله عنهم.
فلما نزلت السيدة سكينة بنت مولانا الإمام الحسين رضي الله عنه مصر مرة أخرى بعد رجوعها إلى المدينة المنورة عقب وفاة عتها السيدة زينب، وهبها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان أمير مصر دارًا قبل وفاته وقبل وصول السيدة سكينة رضي الله عنها إلى مصر، فقدمت السيدة سكينة مصر فوجدت الأصبغ قد مات وسكنت في الدار التي تركها لها.
وهذا ما حصل مع باقي آل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما نزلت السيدة نفيسة الكبرى بنت الإمام زيد الأبلج بن مولانا الإمام الحسن السبط بن مولانا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين مصر وهي عمة السيدة نفيسة العلوم رضي الله عنهم أجمعين، كان والي مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فوهبها داراً في شمال مصر القديمة الشرقي، والمعروف أن هذه الدار التي وهبت للسيدة نفيسة الكبرى وكانت مجاورة أو ملحقة بدار أم هاني التي نزلت فيها نفيسة الصغرى فيما بعد ، بالمراغة ، ثم اشتهرت بمعبد السيدة نفيسة حتى الآن، وقد دفنت في هذه الدار (أو ذلك المعبد ) مولاتنا السيدة نفيسة الكبرى وهى التي يزورها الناس إذ يزورون هذا المكان باسم المعبد ، ولا يكاد جمهورهم يفرق بين النفيستين والمشهدين ، بل لعل أغلب الناس لا يعرف أن بمصر نفيسة صغرى ونفيسة كبرى ، رضي الله عنهما وأرضاهما ، وأرضى أهل البيت جميعاً.
ثم جاء بعد ذلك السّري بن عبد الحكم، حاكم مصر فوهب داره للسيدة نفيسة الصغرى بنت سيدي حسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وذلك لما اشتد الإقبال عليها والتزاحم على بابها حتى عاقها ذلك عما فرضت على نفسها من أوراد وعبادات ، فتألمت ولكنها لاذت بالصبر حتى إذا طال بها الأمر على هذا الوضع ففكرت في الرحيل والعودة إلى الحجاز حيث يتوافر لها الهدوء ويتسع لها مجـال العبادة، إنها تحب الشعب ولكنها تحب الله أكثر ولكن خدمة مولاها ومولاه أعز وأوجب، وحينما ترامت أنباء هذه النية إلى الشعب شق عليه الأمر فحاول حملها على العدول فأبت ففزع إلى الحاكم السّري بن عبد الحكم يشفعه لديها لترضى ، فبعث هذا لها رسولا وكتاباً فأصرت، فجاء إليها بنفسه راجيًا ملحاً باسم الشعب ،فقالت له : إلى جنت إلى مصر بنية الإقامة الدائمة حتى الموت وأن أدفن في تربتها ، وإنى امرأة ضعيفة وأرى الناس قد تكاثروا علي تكاثرًا فاق طاقتي، وشغلوني عن أورادي ، وعن جمع زادي لمعادي ، ومكاني هذا صغير وقد ضاق بالجموع الوافدة، فقال لها السري : إني سأزيل جميع ما تشتكين منه لتبقي هنا في مصر وسأهيء لك الأمر على الوجه الذي ترضين به، أما ضيق المكان فإن لي داراً واسعة بدرب السباع وإني أشهد الله تعالى على أنى قد وهبتها لك . وأسألك القبول! وأرجو أن لا تخيبي رجائي وألا تخجليني بالرفض، فقالت قد قبلتها منك، ثم سألت: وماذا أصنع بالجموع الزاحفة يومياً؟ فأجاب: تتفقين معهم على يومين فقط من كل أسبوع، فيهما يكون التلاقي معهم وليكونا يومي السبت والأربعاء، وتتفرغين في الأيام الباقية لمولاك، فقبلت، وشاع هذا القبول فشاع السرور بين الناس، وبقيت، وطاب لها المقام وسماها الشعب (بنفيسة المصرية) وكيف لا يطيب هذا المقام وكيف لا تستشعر السعادة كلها وقد توافرت لها أسبابها؟ عبادة لربها لا تنقطع وطاعة لا تتوقف، وذكر متصلة حلقاته، في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى.
وعلى هذا المنوال من مسارعة حكام مصر على اختصاص آل البيت رضي الله عنهم ببيوتهم وقصورهم، فقد كان مسجد مولانا الإمام الحسين رضي الله عنه قبل دفن الرأس الشريف فيه قصرًا من القصور الفاطمية الزاهرة، وفد إليه رأس مولانا الإمام الحسين بعد أن شاعت الهجمات الصليبية على الشام. فنُقل الرأس الشريف من دمشق إلى عسقلان ثم القاهرة ليسكن هذا القصر، قصر الزمرد الذي انشأت له قبة على بعد خطوات من الأزهر الشريف بأمر من الخليفة الفائز بنصر الله.
وما زالت ولن تزال مصر كهفًا لآل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بينهما مِن ارتباطٍ وثيق؛ فآل البيت هم سفينة النجاة ومصر هي كنانة الله في أرضه.
ولا تكاد تجد بقعة من بقاع مصر إلا وفيها مسجد أو روضة من رياض آل االبيت رضي الله عنهم.
ومازال اهتمام الدولة المصرية واحتفائها بأل البيت رضي الله عنهم متواليًا بما نشهده مِن عمارة متوالية لمساجد آل البيت رضي الله عنهم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يظل حب المصريين لآل البيت رضي الله عنهم سِمة مميزة تتوارثها الأجيال، حيث تجعل مساجدهم المنتشرة في كل بقعة من مصر شاهدًا على هذا العشق القديم الخالص. إن هذا الارتباط الوثيق يؤكد مكانة مصر الروحية كمهد آمن وسفينة نجاة دائمة للبركات.
تعد السيدة سُكِينَة رضي الله عنها رمزًا للعلم والفضيلة والعبادة من أهل البيت.
يعتبر مفهوم الحضرة والحضور من أعمق المفاهيم في التجربة الصوفية.
هي واحدة من الطرق الصوفية، والتي تأسست على يد مولانا جلال الدين الرومي بمدينة (قونية)بتركيا.