Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

معارج اليقين في فناء الأغيار وبقاء الأسرار من قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

معارج اليقين في فناء الأغيار وبقاء الأسرار من قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

في منهج الإمام الرفاعي علو الهمة للسالك، بحيث تأنف نفس العارف عن الانشغال بكل ما سوى الله، فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟ إنها دعوة للرحيل بالقلب من ضيق الخلق إلى سعة الحق.

أدب السلوك وفناء المظاهر

قال الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

(كُلُّ حالٍ تَحَوُّلُهُ فِيهِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ بِهِ مَا يُخْفِيْهِ).

نبه سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه على عدم الاغترار بالأحوال والمظاهر؛ لأن الأحوال تتحول، والمظاهر تختفي وتنقلب، ولا بقاء في هذه الدار الفانية بحال من الأحوال.

وألزم بفتق حجاب الغفلة التي تحجب الهمة بالحال عن محوله، وبالمظهر عن مظهره.

وفي معنى الحكمة إشارة لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «كُنْ كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ» [البخاري: ٦٤١٦، ومسند الإمام أحمد: ٥٠٠٢ واللفظ له].

ويعجبني بهذه المناسبة قول القائل:

أَرَى الْمَرءَ دَيْناً للمَنَايَا وَمَا لَهَا *** مِطَالٌ إِذا حَلَّتْ بنفسٍ دُيُونُها

فماذا بَقاءُ الفَرعِ مِنْ بَعدِ أَصْلِهِ *** سَتَلْقَى الَّذِي لَاقَى الأصول غُصُونُها

وما أجمل قول سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه في كتابه (البرهان): المصير إلى الله والرجوع إليه، وكل يعود إلى مَعدِنِهِ، ويستوفي أجله، وتعود عليه المسألة، قال تعالى: {مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} [طه: ٥٥].

هذه الحبة التي تأكلونها نبتت بتراب مثلكم، كان لهم قوة وبأس شديد، ذهبوا وبانوا، وكأنهم ما كانوا:

هذا تُراب لو تَفَكَّرَهُ الفَتَى *** لَرَأَى عليهِ مِنَ الْجِبَاهِ بِسَاطًا

وكأنَّما ذَرَّاتُهُ لو مُيِّزَتْ *** صِيغَتْ لأَلْسِنَةِ الأَلَى أَسْفَاطًا

ندوس ألسناً وجباهاً، وخُدوداً وشفاها: {فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَٰرِ} [الحشر: ٢].

ويطابق المعنى قول المعري من قصيدة:

خَفِّفِ الوَطْءَ ما أَظُنُّ أَدِيمَ الـ *** أَرْضِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ

وقبيح بِنَا وَإِنْ قَدُمَ العَهْـ *** ـدُ هَوَانُ الْآبَاءِ والأَجْدَادِ

إلى أن قال:

رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مراراً *** ضَاحِكَ مِنْ تَزَاحُمِ الأَضْدَادِ

وَدَفِينِ عَلَى بَقَايَا دَفِين *** في طويلِ الأَزْمَانِ وَالْآبَادِ

وحسن قول الشاعر أيضا:

شمر عسى أَنْ يَنْفَعَ التَّشميرُ *** وانْظُرْ بِفِكْرِكَ مَا إِلَيْهِ تَصِيرُ

طولت آمالاً تكلفها الهوى *** ونسيت أنَّ العُمر منك قصير

قد أفصحت دنياك عن غدراتها *** وأتَى مَشيبُك والمشيب نذير

دار لهوت بلهوها متمتعاً *** ترجوا المقام بها وأنت تسير

فاعلم بأنَّك راحل عنها *** ولو عمرت فيها ما أقامَ ثَبَيرُ

ليس الغنى في العيش إِلَّا بُلغةٌ *** ويسير ما يكفيك منه كثير

لا يشغلنك عاجل عن آجل *** أبداً فملتبس الحقير حقير

ولقد تساوى بين أطباق الثرى *** في الأرض مأمور بها وأمير

وقال الفقيه شمس الدين العقيلي الواسطي رحمه الله: هذه الدنيا تقلب أحوالها بأحوالها، وتُقَدُّ أوصالها بنصالها، جعلها الله دار عبور، وبيت مرور، فَمِلْ بها عن نفسك، ومل بنفسك عنها، وانتصر لله على نفسك وعليها، تحسن في دار القرار أوقاتك، وتَعْظُم عند الله بالخير مجازاتك.

وحسنٌ ما رواه صاحب أم البراهين الإمام الفقيه محمد بن قاسم الواسطي عن بعضهم، قال:

وحدثتك الليالي وهي فاعلة *** تفريق ما جمعته فاسمع الخبرا

وكن على حذر منها فقد نَصَحَتْ *** وانظر إليها ترى الآيات والعبرا

فهل رأيت جديداً لم يَعُدْ خَلِقاً؟ *** وهل سمعت بصفو لم يَعُدْ كَدِرا

أين الملوك ومَنْ سَاسُوا الأمورَ وَمَنْ *** ذل الجموع لهم واستعبدوا البَشَرا

طغى عليهم زمان كان ينصرهم *** فلم يدع لهم عيناً ولا أثرا

ويناسب معنى هذه الحكمة وجه آخر؛ وهو قول الإمام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:

دَوَاؤُكَ منك وما تبصر *** وداؤك فيك وما تشعر

وتَزْعُمُ أَنَّكَ جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكْبَرُ

وقد فسر سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه في كتابه (البرهان) العالم الأكبر الذي عناه أمير المؤمنين بهذين البيتين بالعقل، فقال: "العالم الأكبر: العقل، وقد انطوى بك، ومن العالم المطوي فيك يظهر لك جرمك الذي استصغرته، إذ لولا وصول حرمك إلى الغاية التي تحيط بذلك العالم الأكبر، وتليق له، لما صار محلاً للعالم المذكور، فَخُذْ بالهمَّةِ العَليَّة على مقدار ما بلغه جرم هيكلك ....."

وقد صرح في هذا الباب بترفع العقل عن منزلة الحجاب عن الله بالقوة، والجمال، والمال والأهل، والعشيرة، والمنصب، والرئاسة، تحققاً بمعنى قوله تعالى: {كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ} [القصص: ٨٨]، وهو محول والأحوال.

ويعجبني قول الإمام السيّد سراج الدين الرفاعي المخزومي قُدِّسَ سِرُّهُ في معنى هذه الحكمة:

أنت فيما أهملته لك داء *** وإذا ما اجتهدت أنتَ الدَّواء

كل حال فيه التحول منه *** وتناهي هذا الظهور الخفاء

وفي هذه الحكمة المباركة وجهٌ آخر؛ وهو أنَّ كلَّ بارز ظاهر به حالة ظهوره ما أخفاه عن الناس؛ كقول الشاعر:

وَمَهْمَا تَكُنْ عِندَ امْرِءٍ مِنْ خَلِيقَةٍ *** وإِن خَالَهَا تَحْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ

وهذا المعنى مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ، وَلَا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» [ابن ماجه: ٤١٧٦، ومسند الإمام أحمد: ١١٢٣٠].

وهذا أحسن الوجوه فليدرك.

درع الصبر والتمكين

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

(مَنِ ادَّرَعَ بِدِرْعِ الصَّبْرِ، سَلِمَ مِنْ سِهَامِ العَجَلَةِ).

ويؤيد هذا قول الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠].

وقال سيد المخلوقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين: «الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ، وَالْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ» [الطبراني: ٨٥٤٤، والحاكم: ٣٦٦٦، والبيهقي في الشعب: ٤٧].

وقال: «الصَّبِرُ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ» [رواه موقوفا عن علي رضي الله عنه ابن أبي شيبة: ٣٠٤٣٩، والدارمي: ١٨١، والبيهقي في الشعب: ٣٩].

وفي الحديث أيضاً: «انْتِظَارُ الْفَرَجِ بِالصَّبِرِ عِبَادَةٌ» [البيهقي في الشعب: ٩٥٣١].

وأما حكمة التأني في الأمور فإنها كما صرحت بها السُّنَّة السنية، أطبق عليها أصحاب العقول في البرية.

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

(الرَّجُلُ الْمُتَمَكِّنُ إِذا نُصِبَ لَهُ سِنَانٌ عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ شَاهِقٍ فِي الْأَرَضِ، وَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيَاحُ اللَّيَالِي الثَّمَانِ مَا غَيَّرَتْ مِنْهُ شَعْرَةً وَاحِدَةً).

وهذا هو الإيمان الصحيح، والاعتقاد المتين الرجيح، والتحقق بمقام الرضا من الله، مع صدق الاعتماد عليه والتسليم له، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [الترمذي: ٢٥١٦].

وحسنٌ هنا قول الإمام الشيخ سراج الدين الرفاعي قُدَّسَ سِرُّهُ:

رفعتُ له بإيمان أموري *** وحسبي أن يُؤيدها الخبير

ولست بسائل بعد اتكالي *** أسار الركب أم نزل الأمير

وأحسن منه قول الإمام الحسين السبط رضي الله عنه: "مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ لَمْ يَتَمَنَّ غَيْرَ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ عز وجل" [القشيري في الرسالة: ٢/ ٣٤٤].

ثم قال سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

(الكَاذِبُ يَقِفُ مَعَ الْمُبْدَعَاتِ، والعَاقِلُ غَايَتُهُ وَرَاءَهَا؛ مَنْ كَمُلَ أَنِفَتْ نَفْسُهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ رَبِّهِ).

الوقوف مع المبدعات اشتغال عن المبدع، وهو دأب أصحاب الدعوى الكاذبة، والعاقلون لا يشتغلون بالمبدعات عن المبدع، ولذلك تأنف أنفسهم لكمالها عن أن تشتغل بشيء من الأغيار، وهذا علو الهمة الذي جاء فيه خبر: عُلُو الْهِمَّةِ مِنْ الإِيمَانِ.

وقد أوضح هذا سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه في كتابه (البرهان) فقال: رمى بعض المريدين ركوته في بعض الآبار ليستقي الماء، فخرجت مملوءة بالذهب، فرمى بها في البئر، وقال: يا عزيزي، وحَقَّكَ لا أريد غيرك.

وحسنٌ في هذا المقام قول مولانا السيد سراج الدين قُدِّسَ سِرُّهُ:

قالوا تمسك بغير الله قلت لهم: *** ما الغير إلا هباءً قام بالعَرَضِ

لكل شيءٍ إِذا فَارقَتَهُ عِوَضٌ *** وليس اللَّهِ إِنْ فارقت من عوض

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

(الخَلْقُ كُلُّهُم لَا يَضُرُّونَ وَلَا يَنْفَعُوْنَ، حُجُبُ نَصَبَهَا لِعِبَادِهِ، فَمَنْ رَفَعَ تِلْكَ الحُجُبَ وَصَلَ إِلَيْهِ، الاطمئنان بِغَيْرِهِ تَعَالَى خَوْفٌ، وَالخَوْفُ مِنْهُ اطمئنان مِنْ غَيْرِهِ).

قد تبين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وغيره من الأحاديث الجليلة النبوية، والآيات المُعظمة القرآنية، وثبت بالأدلة الجليلة العقلية:

أنَّ الخلق لا يضرون ولا ينفعون، وإنَّما هم كما ذكر سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه: حُجُب قامت بيد القدرة لا بنفسها، تَوَهَّمَ منها المحجوب بها حصول التأثير في النفع والضر، فمن أسقط تأثير الأشياء والأسباب، وهاجر بصدق العزيمة إلى المؤثر المُسَبِّب وصل إليه.

وانظر ما أحسن ما أتى به سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه بعد قوله: فَمَن رفع تلك الحجب وصل إليه، فقال: الاطمئنان بغيره تعالى خوف، والخوف منه اطمئنان من غيره؛ فإنَّ في هذه الكلمة من تثبيت قلب السالك ما يكفي عن الإطالة لاستجماعه أوجز المعاني، وأجزل الحقائق؛ لأنَّ السَّالك لما رفع حجب الآثار والأسباب بيد الهمة، وأسقط تأثير الضر والنفع منها، احتاج إلى شيء تطمئن به نفسه، ويسكن إليه رَوْعُه ، فعرفه سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه أنَّ الاطمئنان بغيره تعالى خوف؛ لأن من حصل له الله، حصل له كل شيء، ومن فاته الله فاته كل شيء، وأوضح له أيضاً أن الخوف من الله تعالى اطمئنان من غيره، بشاهد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن اتَّقَى اللَّهَ أَهَابَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ أَهَابَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» [الحكيم الترمذي في نوادر الأصول: ٦٣٧].

وقال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ} [النحل :١٢٨].

وقد جمع سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه أسرار هذه الحكمة المباركة ببيتين كأنما نُظما شرحاً لمضمونهما وهما:

يريد العبدُ أَنْ يُعطَى مُنَاهُ *** ويَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا

يقول المرء فائدتي ومالي *** وتَقْوَى الله أفضل ما استفادا

السر الرباني في الحركات والسكنات

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:

(تَحْتَ كُلِّ حَالَةٍ حَالٌ رَبَّانِ، لَوْ عَرَفْتَهُ لَعَلِمْتَ أَنَّكَ تَسْكُنُ بِهِ وَتَسْعَى بِهِ وَأَنْتَ مُسَخَّرُ: اعْمَلُوا فَكُلُّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ).

أراد سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ إعلام العبد أنَّ تحت كل حالة من حالاته شأناً ربانياً يسكن به العبد، ويسعى به حالة كونه في مقام الانقهار لذلك الشأن عن غير علم منه به.

ولذلك قال سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: لو عرفته أي عرفت ذلك الشأن الرباني، لعلمت العلم اليقين أن ربك هو المسكن المُحرّك، وأنت مسخّر، ودليل ذلك الخبر الشريف وهو: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» [البخاري: ٤٩٤٩، ومسلم: ٢٦٤٧].

وانظر كيف أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم له بسؤال الكفار عن الكالئ لهم، فقال تعالى له: {قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ} الآية [الأنبياء: ٤٢] إعلاماً للجاهل، وتنبيهاً للغافل؛ لأنَّ الكالئ الحارس الضار النافع، والأغيار كبارهم وصغارهم على اختلاف طبقاتهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، كما صح ذلك بنص القرآن.

قلت: وقد قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ} [الصافات: ٩٦] احتج جمهور الأصحاب بقوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ} على أن فعل العبد مخلوق الله تعالى.

وأطال الفخر الرازي في ذلك، والذي اختاره أمير المؤمنين عليٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: أَنَّ الله خلق العبد وأعماله، وجعل من أعماله أفعالاً ناتجة بالاختيار، وأفعالاً ناتجة بالاضطرار:

- فما كان منها بالاختيار، فهو الفعل الحاصل بالإرادة الجزئية التي وهبها الله تعالى لعبده، كالقيام والقعود، والذهاب إلى المسجد والسوق، وغير ذلك، واشتغال اللسان بالذكر أو بضده من الكلام التي تترتب المؤاخذة الشرعية عليه، فمثل ذلك كله يسأل عنه، ويجازى العبد به خيراً كان أو شراً.

- وأما الأفعال الاضطرارية، كالنوم، واليقظة، والمرض، والموت، وغير ذلك من مجاري الأقدار السماوية التي لا صنيع للعبد بها، فالعبد غير مسؤول عنها، مثاب على ما يصاب به منها.

فتدبر هذه المعاني الكريمة ترشد، والله يتولى هدانا وهداك.

الخلاصة

ترشدنا كلمات الإمام الرفاعي رضي الله عنه لفتق حجب الغفلة عن المظاهر الزائلة للاتصال بمحوِّلها الدائم، متدرعين بدرع الصبر والتمكين في مواجهة صروف الأقدار؛ فالعارف يأنف بقلبه عن الوقوف مع الأغيار، موقناً أن النفع والضر بيد الله وحده، وأن تحت كل حركةٍ وسكون شأناً ربانياً يُسير العبد بحكمته، وبهذا يتحول الخوف من الخلق إلى طمأنينة بالحق، وتترفع الهمة عن "المبدعات" لتسكن في رحاب البديع سبحانه.

موضوعات ذات صلة

تُشرق هذه الدرر بآداب العبودية والسلوك، حيث تؤسس لركني الخير بتقوى الله واتباع سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

استقامة السرائر لا تُستر برداء الرياء، فشأن الواصل السكون عند تجلي العظمة والاشتغال بالمُكرم عن الكرامة.

الموت قنطرة العبور من نوم الغفلة إلى يقظة المعرفة فلابد من التحقق بمقام العبودية.

موضوعات مختارة