Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أنوار البصيرة وتهذيب النفوس من حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

أنوار البصيرة وتهذيب النفوس من حكم الإمام الرفاعي

دررٌ نورانية من أقوال العارف بالله الإمام أحمد الرفاعي، التي ترسم معالم الطريق إلى الله عبر تزكية النفس وتصفية القلب، حيث معايشة وصاياه الجليلة، مشفوعةً بشرح وافٍ لمقاصدها السامية وأدلتها من الهدي النبوي وأحوال السلف الصالح.

في السلوك والمعاملة

قَالَ سَيِّدُنَا أبو الهدى الرفاعي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:

كُلُّ مَنِ اكْتَحَلَ بِإِثْمِدِ التَّوْفِيقِ عَلِمَ عِلْمَ اليَقِيْنِ، وحَقَّ اليَقِيْنِ: أَنَّ المَبَاطِنَ والْمَظَاهِرَ تَحْتَ قَهْرِ البَاطِنِ الظَّاهِرِ.

صَفَاءُ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ونَفَاذُ نُورِ البَصَرِ يَكُونُ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ والشَّرابِ؛ لأنَّ الجوع يُزِيلُ التَّكَبَّرَ والتَّعاظُمَ والتَّجَبُّرَ، وَبِهِ تَعْذِيْبُ النَّفْسِ حَتَّى تَصِيْرَ مَشْغُولَةً بِالحَقِّ؛ ومَا رَأَيْتُ شَيْئًا يَكْسِرُ النَّفْسَ مِثْلَ الجُوعِ قَطُّ؛ وَأَمَّا الشَّبَعُ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ قَسْوَةَ القَلْبِ وظُلْمَتَهُ، وعَدَمَ نَفَاذِ نُورِ البَصِيْرَةِ، وَتَكْثُرُ بِسَبَبِهِ الغَفْلَةُ.

رِعَايَةُ خَوَاطِرِ الجِيْرانِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ خَوَاطِرِ الأَقَارِبِ؛ لأَنَّ الْأَقَارِبَ خَوَاطِرُهُمْ مَجْبُورَةُ بِالقَرَابَةِ، وَالْخَيْرَانُ لا.

القَلْبُ الْمُنَوَّرِ يَمِيلُ إلى صُحبَةِ الصَّلَحَاءِ والعَارِفِينَ، وَيَنْفِرُ مِنْ صُحْبَةِ المُتَكَبِّرِيْنَ وَالْجَاهِلِينَ.

مُعَامَلَةُ عِبَادِ اللهِ بِالإِحْسَانِ، تُوصِلُ العَبْدَ إِلى الدَّيَّانِ، وَالصَّلاةُ على رَسُولِ الله ﷺ تُسَهِّلُ المُرُورَ على الصِّراطِ، وتَجْعَلُ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابًا، والصَّدَقَةُ تُزِيْلُ غَضَبَ الله، والإِحْسَانُ لِلْوَالِدَيْنِ يُهَوِّنُ سَكَرَاتِ المَوْتِ.

صُحْبَةُ الأَشْرَارِ، والحَمْقَى والظُّلَمَةِ وَأَهْلِ الْحَسَدِ: ظُلْمَةٌ سَوْدَاءُ.

العَارِفُ مَنْ كَانَ عَلَى جَانِبِ كَبِيرٌ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ، مَعَ المُوَاظَبَةِ والاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ فَلا يَتْرُكُهُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً.

أراد بقوله: من اكتحل ... إلى آخر الجملة أنَّ مَنْ جلا إثمد التوفيق عين بصيرته رأى كما يرى الرجل بعين بصره، وعَلِمَ عِلْمَ اليقين، وحق اليقين أنَّ كلَّ شأن مُبْطَنٌ ومُظْهَرُ، خاضعة حركاته وسكناته، ومقيدة إشاراته وإراداته في بطونه وظهوره تحت قهر الباطن والظاهر جلت قدرته، وهناك يلتفت العاقل عن المبطن والمظهر إلى من أبطن وأظهر.

التربية بالجوع وتنوير البصيرة

ثم بين رضي الله عنه أسباب جلاء القلب والبصيرة، فقال: صَفَاءُ القلب والبصيرة، ونفاذ نورِ البَصَرِ يكونُ مِنْ قِلَّةِ الطَّعام والشراب، وعلَّل ذلك بكون الجوع يزيل الكِبر والتعاظم، ويُعَذِّب النفس حتى تصير مشغولة بالحق، وقد كان السلف الصالح يشتغلون بالله عن الطعام والشراب، كما قيل:

لها أحاديث مِنْ ذكراك تشغلها *** عن الشراب وتُلهيها عنِ الزَّادِ

قال صاحب (آداب الأقطاب): جاء في الحديث عن أنس بن مالك له أنَّه قال: جَاءَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام إلى رسول الله ﷺ بِكَسْرَةِ خُبْزٍ، فقال: «مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ يَا فَاطِمَةُ؟»، فَقَالَتْ: صَنَعْتُ قُرْصًا وَخَبَرْتُهُ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حتَّى أَتَيْتُكَ مِنهُ بِهَذِهِ الكِسَرَةِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». [الإمام أحمد: ١٣٢٢٣، والطبراني: ٧٥٠، والبيهقي في الشعب: ٩٩٤٥].

وقد نبه سيدنا رضي الله عنه على أن الشبع يورث قسوة القلب وظلمته، ويمنع نفاذ نور البصيرة، وتكثر بسببه الغفلة، وقد كان أئمة القوم كلهم على ذلك، قال صاحب (آداب الأقطاب): قال أبو سليمان الداراني: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع.

وقال يحيى بن معاذ: الجوع نور، والشبع نار، والشهوة مثل الحطب يتولد منه الاحتراق، فلا تنطفي ناره حتى تحرق صاحبه.

وقال مالك بن دينار: مَنْ غَلَبَ شهوات الدُّنيا فذلك الذي يفر الشيطان من ظله. انتهى.

ونبه سيدنا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: على رعاية خواطر الجيران أكثر من خواطر الأقارب؛ لأنَّ خواطر الأقارب مجبورة بالقرابة، والجيران ليس لهم هذا الحظ، وهذا سر قوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنُ إِلَى جَارِه» [البخاري: ٦٠١٩، ومسلم: ٤٨] ... الحديث.

ثمَّ بين أنَّ القلب المنور؛ أي: المطهر من ظلمة الخبث، المضيء بنور الأتباع يميل إلى صحبة الصلحاء والعارفين، وينفر من صحبة المتكبرين والجاهلين، وذلك لسر قوله: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» [البخاري: ٦١٦٨، ومسلم: ٢٦٤٠] وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ.

ولِما ورد أيضًا: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» [أبو داود: ٤٨٣٣، والترمذي: ٢٣٧٨، والإمام أحمد: ٨٤١٧]. ولقوله تعالى: ﴿وَٱتَّبِعۡ سَبِیلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَیَّۚ﴾ [لقمان:١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِینَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

أدب الصحبة وحق العباد

ثم بين سيدنا رضي الله عنه أن معاملة عباد الله بالإحسان توصل العبد إلى الله، والصلاة على النبي ﷺ تُسهل المرور على الصراط، وتجعل الدعاء مستجابًا، والصدقة تزيل غضب الله، والإحسان للوالدين يهون سكرات الموت.

وصحبة الأشرار، والحمقى، وأهل الحسد ظلمة سوداء، ولكل جملة مما ذكر دليل من سُنَّة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصَّلاة والسَّلامُ في العباد الذين يعاملون الخلق بالإحسان، ويقومون بقضاء حوائج الناس، ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: «إِنَّ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادًا اختَصَّهُم بِحَوَائِجِ النَّاسِ، تَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فِي حَوَائِجِهِمْ أُولَئِكَ الْآمِنُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ» [الطبراني: ١٣٣٣٤، والقضاعي في مسند الشهاب: ١٠٠٧، والبيهقي: ٧٢٥٦].

وغير خاف أن من جعله الله آمنًا من عذابه فقد أدخله في أوليائه وأحبابه، بشاهد قوله تعالى: ﴿أَلَاۤ إِنَّ أَوۡلِیَاۤءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].

الخلاصة

هناك منهاج تربوي متكامل يجمع بين العبودية الحقة والمجاهدة النفسية، وبين حسن الخلق والمعاشرة الطيبة للخلق، فمن أراد الوصول إلى صفاء المعرفة فعليه بكسر حظوظ النفس، ولزوم صحبة العارفين، وخدمة عباد الله، فبذلك ينال الأمان في الدنيا والفوز في الآخرة.

موضوعات ذات صلة

تهذيب السلوك عملية ترتبط بتزكية النفس الإنسانية باعتبارهما - أي (التهذيب، والتزكية) - لب العمل التربوي.

نبذ الدعاوي النفسية والرئاسات الوهمية والرجوع إلى حقيقة الافتقار الكامل للخالق سبحانه.

موضوعات مختارة