إن طريق السالك إلى الله لا يقوم إلا على هدم تدبير النفس، وبناء حقيقة التسليم؛ إذ لا تُفتح أبواب العرفان إلا لمن طهّر قلبه من منازعة الأقدار.
إن طريق السالك إلى الله لا يقوم إلا على هدم تدبير النفس، وبناء حقيقة التسليم؛ إذ لا تُفتح أبواب العرفان إلا لمن طهّر قلبه من منازعة الأقدار.
الإيمان الحق قائم على أمرين:
أ- الامتثال لأحكام التكليف فيما يأمر وينهى.
ب- التسليم لأحكام التعريف فيما يقضي ويقدّر.
فالآية: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥]، السالك لا يتمّ سيره حتى يذعن لحكم الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم - ظاهرًا وباطنًا، محوًا لاختياره، ورضًا بسرّ التدبير الإلهي.
مَن قصد وجه الله فعليه أن يتخلّى عن تدبير نفسه وادّعاء الاختيار، فإنّ التدبير محجوب، والتسليم مفتاح. ولهذا قال العارفون: "من لم يدبّر دُبِّر له"، وقال أبو الحسن الشاذلي: "دبّروا أن لا تدبّروا".
فالخروج من منازعة المقادير هو أول باب المعرفة؛ لأنّ الله يخلق ما يشاء ويختار، ولا اختيار للعبد معه، ومن ذاق الرضا بالله ربًّا سكنت نفسه، وتطهّر قلبه من معارضة الأمر الإلهي.
إذا أراد الله أن يورِد على عبده من أحكامه ما يثقل، سبق ذلك بـأنوار تسنده، فالعبد يقوّى قبل البلاء، ويُكسى نورًا قبل القضاء؛ ولهذا قال العارفون: "تسبق الأنوار الأحكام".
فمهما نزل القدر وجد القلب نورًا يعينه على احتماله؛ لأنّ صاحب البلاء يشهد أنّ ما يرد عليه من سيده الرحيم، فيستحلي مرارته، كما يستحلي المريض مرّ الدواء رجاء الشفاء.
وتجتمع هذه الأسباب في خمسة محاور جامعة:
١- النور والفهم: ورود الأنوار وفتح باب الفهم يسهّلان حمل القضاء.
٢- العطايا والسكينة: تذكّر العطايا السابقة، ومشاهدة الأجر، ونزول السكينة يهوّن البلايا.
٣- حسن الاختيار: شهود أن اختيار الله خيرٌ من اختيار العبد، وأن الرحمة كامنة في المنع كما في العطاء.
٤- القرب والتجلّي: العلم بإحاطة الله، وتجليه بالجمال، يكشف الحجاب ويخفّف الألم.
٥- ثمرات السلوك: العلم بأن الصبر يورث الرضا، وأن العبوديات الأربع (الطاعة، المعصية - أي: عبودية الانكسار والافتقار، لا بمعنى أن المعصية طاعة-، النعمة، البلية -أي: عبودية الصبر والرضا والتسليم-) لا يقوم بها العبد إلا بنور الله وتوفيقه.
فجميع هذه الأسباب تعود إلى نور الفهم وحسن الشهود وكشف الحجاب.
غاية السالك هي الرضا، والرضا ثمرة الصبر على أحكام الله، والصبر ثمرة شهود اللطف الإلهي في كل شيء، فمن رأى اللطف في البلاء، والمنحة في المحنة، والنعمة في المنع، سكن قلبه، ووجد مع الله أُنسًا يغنيه عن كل ما سواه، وصبرهم على أقداره تعالى؛ لعلمهم بما أودع فيها من لطفه وإبراره، وذلك أن المكاره أودع الحق فيها وجود الألطاف، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». [رواه مسلم].
فإذا تجمّل العبد بهذه المقامات صار في البلاء منعمًا، وفي العطاء شاكرًا، وفي المنع راضيا، وفي كل حال مع الله لا يرى سوى حكمه واختياره.
فالبلايا تُخمد النفس وتذلها وتدهشها عن مطلب حظوظها، ويقع مع البلايا وجود الذلة، ومع الذلة تكون النصرة {وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ} [آل عمران: ۱۲۳].
مراجع الاستزادة
١- صحيح مسلم بشرح النووي.
٢- التنوير في إسقاط التدبير.
٣- إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين.
إن حقيقة السير إلى الله تقوم على سقوط التدبير وتكميل التسليم، فلا يترقى العبد حتى يرضى بحكم الله ظاهرًا وباطنًا، وتكشف الركائز الخمس عن أنوار الفهم وحسن الاختيار الإلهي التي تسبق الأقدار، فتقوّي القلب، وتثبته عند البلايا، ومن جمع هذه المعاني أورثه الله مقام الرضا، فصار مع الله في كل حال، لا يرى في الكون إلا حكمه ولطفه.
هو بُعد روحي وأخلاقي في التجربة الإسلامية، يعبر عن نزعة الإنسان نحو السمو على المادة والسعي إلى الصفاء الروحي.
ليس مجرد تزيُّن خارجي بالأقوال والأعمال، بل مسار تدريبي وتعبدي يقود إلى التخلق بالأخلاق الإلهية.
ليس مجرد تزيُّن خارجي بالأقوال والأعمال، بل مسار تدريبي وتعبدي يقود إلى التخلق بالأخلاق الإلهية.