Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حائط الشرع وحائط العمل من حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

حائط الشرع وحائط العمل من حكم الإمام الرفاعي

لزوم جادة الصواب بالسير بين حائطي الشرع والعمل، فالنجاة تكمن في تجريد الاتباع للنبي ﷺ، والتحرر من رؤية النفس والأعمال، ومراتب المعرفة بالله التي أعظمها تعظيم الأوامر، إن تمام العبودية يكون بالانكسار تحت سطوة الربوبية والتسليم المطلق لمقادير الحق سبحانه.

منهج الاتباع وتجريد الافتقار لله تعالى

قَالَ سَيِّدُنَا أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: سِرْ بَيْنَ الحَائِطَيْنِ: حَائِطِ الشَّرْعِ وَالعَمَلِ، اسْلُكْ طَرِيقَ الاتِّباعِ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ الاتِّبَاعِ خَيْرٌ، وَطَرِيقُ الْابْتِدَاعِ شَرٌّ، وَبَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بَوْنُ بَيِّنُ، مَرَّغْ خَدَّكَ عَلَى البَابِ، وَافْرُشْ جَبِيْنَكَ عَلَى التَّرَابِ، وَلَا تَعْتَمِدْ عَلَى عَمَلِكَ، وَالْجَأَ إِلى رَحْمَتِهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ، وَتَجَرَّدْ مِنْكَ وَمِنْ غَيْرِكَ، عَلَّكَ تَلْحَقُ بِأَهْلِ السَّلامَةِ: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣].

بَرَكَةُ العَبْدِ الوَقْتُ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلى اللهِ وَجَلٌ، والأَوْلِيَاءُ هُمُ الحُرمَةُ فِي البَابِ الإِلَهِيَّ، وَلَوْلا أَنْ جَعَلَ هُمْ هَذِهِ القِسْمَةَ لَمَا اخْتَصَّهُم دُونَ غَيْرِهِم بِوِلايَتِهِ، هَؤُلاءِ حِزْبُ اللَّهِ، جَيْشُهُ العَرَمْرَمُ الَّذِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الشَّرِيعَةَ وَنَصَرَ بِهِ الحَقِيقَةَ، وَصَانَ بِهِ شَرَفَ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَلْحَقَهُ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الأنفال: ٦٤].

المَعْرِفَةُ بِاللهِ عَلَى أَقْسَامِ، وَأَعْظَمُ أَقْسَامِهَا: تَعْظِيمُ أَوَامِرِ اللَّهُ تَعَالَى، بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الرَّبِّ حِجَابُ الغَفْلَةِ لا غَيْرَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَٱذۡكُرُونِیۤ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة: ١٥٢]، العَبْدُ العَارِفُ يَفْزَعُ إلى الله، ويَتَوَقَّعُ سِرَّ اللَّهِ؛ وَسِرُّ اللَّهُ: الْعَوْنُ النَّاشِئُ مِنْ تَحْضِ الكَرَمِ وَالفَضْلِ مِنْ دُوْنِ سَابِقَةِ صُنْعِ وَلَا عَمَلٍ، القَلْبُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ أَصْبُعَيْ قُدْرَةِ الرَّحْمَنِ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَ القُلُوْبَ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَدِينِهِ: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِیࣰّا﴾ [النساء: ٤٥].

أراد بقوله: سر بين الحائطين؛ الوقوف بين الأمر والاستقامة بالتمكن في طريق الاتباع للشارع الكريم عليه أفضلُ الصَّلوات والتسليم؛ لأنَّ طريق الاتباع خير جامع لمقاصد الدنيا والآخرة، وطريق الابتداع شر قاطع لفوائد الدنيا والآخرة، والمباينة الحاصلة بين حال الخير والشر صريحة بينة لا تخفى على ذي عقل.

ولهذا قال سيدنا أبو الهدى رضي الله عنه: مرغ خدك على الباب؛ أي: تمكن من إظهار ذلك في باب الله، وافرش جبينك على التراب؛ إشارة لكثرة الصلاة، ودوام السجود لله، أو للتواضع الله وللخلق، وألحقها بقوله: ولا تعتمد على عملك؛ إشارة إلى قول النَّبِيِّ ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قِيلَ: ولا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» [البخاري: ٥٦٧٣، ومسلم: ٢٨١٦].

ولهذه الإشارة تمم المؤلّف كلامه بقوله: والجأ إلى رحمة الله تعالى وقدرته.

ثم قال: وتجرد منك؛ أي: من رؤية نفسك؛ لأنَّ مِن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، ومِنْ غَيْرِكَ؛ أي: بعد تجردك من رؤية وجودك تجرد من رؤية الموجودات عامَّةً، علك بعد ذلك تلحق بأهل السلامة وهم: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣]، أي: يخافون الله فلا تشتغل قلوبهم بغير أو غين طرفة عين تقربًا إلى الله، وتباعدًا عن غيره؛ لأن بركة العبد ونتيجة سعادته الوقت الذي يتقرب به إلى الله ول، ويتباعد عن غيره.

ثم قال: الأولياء؛ أي: الذين وَالوُا الله، وعادوا النفس والشيطان والهوى والدنيا، لهم الحرمة والرعاية في الباب الإلهي، ولولا أن جعل لهم هذه القسمة؛ أي: قسمة الحرمة والرعاية، والحفظ والوقاية، لما اختصهم وأيدهم دون غيرهم من خلقه بولايته وقربه سبحانه، هؤلاء؛ أي: الأولياء حزب الله جيشه العرمرم؛ أي: الجمع والعسكر الكثير الغالب الذي أيد الله به الشريعة وحماها، ونصر به الحقيقة وأعز حماها، وصان به شرف نبيه صلى الله عليه وسلم وألحقه به؛ أي: خَلق ذلك الحزب بخلق نبيه صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فصان به شرفه العالي من التغيير والاندراس، وتحريف الوضع والأساس، وتكفل له الله تعالى بالكفاية، كما تكفل به لنبيه عليه الصَّلاة والسلام حيث قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الأنفال: ٦٤]؛ أي: يكفيك الله ويحفظك من شرور الدنيا والآخرة أنت ومَنْ اتَّبعك، وتَخَلَّق بأخلاقك من طائفة المؤمنين الذين آمنوا بالله وبما جئت به.

شأن الأولياء وحقيقة المعرفة والذكر

ثم قال: المعرفة بالله على أقسام؛ أي: المعرفة بحكمة الله في ملكه وخلقه، والقصد من إظهار عظمة ربوبيته على أقسام كثيرة، وأعظم أقسامها إصابة، وأجلها حكمة، وأقربها لرضا الله تعظيم أوامر الله تعالى بامتثال ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وهذا هو الانتباه الذي هو ضدُّ الغفلة، وأقرب الطرق إلى الله تعالى.

ولهذا أتبع سيدنا رضي الله عنه جملته الماضية بقوله: بين العبد والرَّبِّ حجاب الغفلة لا غير، فقد عيَّن أنَّ الغفلة حائل وقاطع عن الله تعالى، والانتباه حبل متين يلزم الاعتصام به ليصل العبد إلى الله، وأيد مقصده بقوله تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِیۤ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة: ١٥٢].

ثم قال: العبد العارف؛ أي: الذي ذاق طعم المعرفة المبحوث عنها يفزع إلى الله لا لغيره، ويتوقع سر الله، وهو العون الناشئ من محض الكرم والفضل من دون سابقة صنع ولا عمل، وهو فرج الله الذي يحف بعبده من حيث لا يدري، وهذا التوقع والانتظار عمل طاهر يؤيده قول النَّبيِّ ﷺ: «انْتِظَارُ أُمَّتِي فَرَجَ اللهُ عِبَادَةٌ»، وفي رواية: «انْتِظَارُ الْفَرَجِ عِبَادَةٌ»، وفي رواية: «انْتِظَارُ الفَرَجِ بِالصَّبِرِ عِبَادَةٌ» [البيهقي في شعب الإيمان: ٩٥٣٣].

فإذا توقع الفَرَج وانتظاره يتم بالصبر، ويصلح فيه فيصير عبادة، ولا طاقة للعبد على الصبر إلا بمعونة الله تعالى؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ [النحل: ١٢٧]، أمر بالصبر وبين للصابر أنه لا طاقة له على الصبر إلا به، أي: بمعونته وتوفيقه؛ ولذلك قال رضي الله عنه: القلب يتقلب بين أصبعي قدرة الرحمن ، فاسألوا الله أن يُثَبّت القلوب على محبته ودينه، وفي هذه الجملة إشارة لما ورد في قول سيدنا رسول الله ﷺ: «قُلُوْبُ العِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبَهَا كَيْفَ يَشَاءُ» [الإمام أحمد: ٢٦١٣٣].

وما أحسن ما قيل في هذا المعنى:

تعالى اللَّهُ إِنَّ اللهَ رَبُّ *** عظيمُ اللطف كشاف الكروب

أحاط بجملة الأشياء علمًا *** تَصَرَّف في القوالب والقُلُوبِ

مآلات الخير والشر ورتبة العبودية الكاملة

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: المظاهر البارِزَةُ مِنْهَا ما قُيَّضَ لِلْخَيْرِ، ومِنْهَا مَا قُيَّضَ لِلشَّرِّ، وَالْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بَارِيْهَا، فَالْمَظْهَرُ المُقيَّضُ لِلْخَيْرِ يُشْكَرُ، والْمَظْهَرُ الْمُقَيَّضُ لِلشَّرِّ يُنْكَرُ، وَاللَّهُ فِي الحَالَيْنِ يُذْكَرُ، ولا يَتِمُّ نِظامُ رَجُلٍ أَقَامَهُ اللَّهُ مَظْهَرًا لِلشَّرِّ؛ لأَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ نِظَامَهُ لَمَا أَقَامَهُ مُظْهِرًا فِيمَا يَكْرَهُهُ، دَعْ عَنْكَ الاهْتِمَامَ بِتَقْوِيمِ الْمُعْوَجٌ قَبْلَ بُرُوزِ السَّائِحَةِ الْمُقَوَّمَةِ؛ فَإِنَّ سَحَابَ الْخَيْرِ يَمْطُرُ بِإِيَّانِهِ، وَلَا يُطْلَبُ قَبْلَ أَوَانِهِ، لا تُسْقِطْ هِمَّتكَ بِيَدِ هَمَّكَ فَتَنْقَلِبْ عَنِ المَطَالِبِ العَلَيَّةِ؛ فَإِنَّ الْهَمَّ كَافُورُ الهِمَّةِ والإقدامُ عَنْبَرُها، والمَقْضِيُّ كَائِنٌ وغيرُهُ لا يَكُونُ.

قِفْ عِنْدَ أَفْعَالِكَ الَّتِي وُهِبَتْ لَكَ، ولا تُكَلِّفْ نَفْسَكَ تَبْدِيْلَ مَا اضْطُرِرْتَ بِفِعْلِهِ، وَلا تَرَاكَ مَجْبُوْرًا ولا مُخْتَارًَا، فَإِنَّ الْأَمْرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كُلُّ وَلِيٌّ يَقُولُ ويَصُولُ فَهُوَ فِي حِجَابِ القَولِ والصَّولَةِ، حَتَّى يَنْقَهِرَ تَحْتَ سَطْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ، فَإِذَا فَاءَ دَنَا فَتَدَلَّى بِصِدْقِهِ إلى قاب قوسي الْمُتَابَعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ تَصِحُ لَهُ رُتْبَةُ العُبُودِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ الرُّتَبِ وأَعْلاهَا، وَأَقْرَبُهَا مِنَ اللهِ وأَدْنَاهَا، وَأَعْظَمُهَا وَسِيْلَةً إِلَيْهِ وَأَقْوَاهَا، وَلَيْسَ لِلْخَلِقِ سواها.

أشار بأول جملة مما ذكر لقول النَّبِيِّ ﷺ: «مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحُ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقُ لِلشَّرِّ، وَمِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحُ لِلشَّرِّ مَغَالِيقُ لِلْخَيْرِ؛ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٣٧].

فكلمة طوبى كلمة تهنئة وتبشير، وإشارة للجمع بين خيري الدنيا والآخرة، وكلمة الويل كلمة سوء وثبور، وإشارة لسوء الحال في الدنيا والآخرة، وكلتا الكلمتين تذكر بمعرض الدُّعاء والتبشير، فمن قيض للخير بشر على لسان الشارع العظيم عليه الصَّلاةُ والسَّلام بخيري الدارين ونعيم الحياتين، ومَنْ قُيض للشر بشر بالعذاب الأليم، وقبح الحال المستديم.

فعلى هذا فالرجل المقيض للخير يُشكر حاله، والمقيض للشر يُنكر حاله، والله تعالى يُذكر لجلالة عظمته، وقوة تصرفه في الحالين طمعًا بإحسانه، وخوفًا من صدمة بطشه إنَّ ربَّك على كل شيء قدير.

ولهذا السر قال رضي الله عنه بعد الجملة الأولى: لا يَتِمُّ نِظَامُ رَجُلٍ أَقامَةُ اللَّهُ مظهرًا للشر؛ أي: لا يصلح له رأي، ولا ينتظم له تدبير؛ لأنَّ الله جلَّتْ عَظَمتُهُ لو أراد أن يتم نظامه؛ أي: يجمع شتات أمره، ويصلح شأنه لما أقامه؛ أي: نصبه مظهرًا؛ أي: شيئًا بارزًا واقفًا فيما يكرهه وهو صنع الشر.

فإذًا دع عنك الاهتمام بتقويم المعوج؛ أي: بهداية من طمس الله على قلبه، وقيضه للشر قبل بروز السانحة المقومة؛ أي: قبل ظهور وارد غيبي يسنح على قلبه بواعظ الحالة المقومة لاعوجاجه المصلحة لشأنه؛ فإنَّ سحاب الخير يمطر بإبانه ويجيء بوقته وزمانه، ولا يطلب قبل حلول أوانه.

ومع ذلك قال رضي الله عنه: لا تُسْقِطْ هِمَّتَكَ بِيَدِ هَمكَ، فتقف عن سعيك وعزمك، ولا تنقطع عن السعي والاجتهاد، فتنقلب عن المطالب العالي؛ فإنَّ الهم والغم والعجز والكسل كافور الهمة يُقطع نتائجها، ويدفعها عن مقاصدها، والإقدام والسعي والصبر والاستقامة عَنْبَر الهمة يرفعها إلى المراتب الصحيحة، والمنازل الرفيعة، والمقضي المقدر في عالم الغيب كائن لا بُد من صيرورته وكينونته، وغيره لا يكون ولا يصير.

وألحق رضي الله عنه جملته هذه بقوله: قف عند أفعالك التي وُهِبَت لك؛ فالأفعال التي يصح بها الوهب لا تكون إلا أفعالًا مرضيَّةً؛ ولذلك نَسَبَها إلى الوهب، وأمر السالك بالوقوف عندها، وألا يختار لنفسه غير ما اختاره الله تعالى له.

ثم قال: ولا تكلف نفسك تبديل ما اضطررت بفعله، وأجبرك سائق الوسع والطاقة لأجله، ولا تراك مجبورًا أو مختارًا؛ أي: ولا تقل بقول أهل الجبر والاختيار؛ فإنَّ الأمر الصادق الذي ينتظم به أمر الدين بين الأمرين؛ أي: بين الجبر والاختيار، فإنَّ للعبد من الرَّبِّ مواهب أفعال جعله مجبورًا على فعلها إن شاء، وإن أبي؛ كالنوم واليقظة، والطعام والشراب، وأمثال ذلك، وأعطاه الإرادة الجزئية في أفعال ترتب عليها الثواب والعقاب، وللقدرة في الكل تصاريف عظيمة يلزم على العارف أن يعتبر بها.

ولذلك قال رضي الله عنه: كلُّ ولي يقول ويصول؛ أي: يتكلم محجوبًا بحجاب الآية التي تظهر له صائلًا بالقوة التي تُعطى له، ذاهلًا عن التصرف الإلهي المحكم في شؤون العبد وأحواله، فهو في حجاب القول الذي قاله، والصولة التي صال بها، لا يزال وراء ذلك الحجاب بعيدًا بسببه عن الباب حتى ينقهر تحت سطوة الربوبية، ويكشف بالانقهار لتلك السطوة العظيمة ذلك الحجاب، ويفيء إلى أمر الله، ويرجع بالانكسار إلى الله، فإذا فاء إلى أمر الله دنا بانكساره، فتدلى بصدقه إلى قاب قوسي المتابعة المحمدية، والتخلق بأخلاق الحضرة الطاهرة النبوية، وحينئذ تصح له رتبة العبودية، ومنزلة العبدية التي هي أكمل الرتب وأعلاها، وأشرف المنازل وأسماها، وأقربها من الله وأدناها، وأنورها لديه وأبهاها، وأعظمها وسيلة إليه سبحانه وتعالى وأقواها، وليس للخلق إلى الحق سبحانه وتعالى من طريقة مقربة سواها، وحسن ما ألهمته في معنى العبودية بفضل الله:

عبودية المخلوق تعريفها *** تنزيه مولانا عن الغير

والذل للخالق في ملكه *** والصبر في الشر وفي الخير

فهذه طريقة المصطفى *** ومَنْ جَرَى مَجْراهُ في السَّيرِ

الخلاصة

الصراط المستقيم هو لزوم الاتباع النبوي ظاهرًا وباطنًا، مع اليقين بأن الفضل كله لله كرمًا منه لا استحقاقًا بالعمل، وتبرز أهمية اليقظة الدائمة لرفع حجب الغفلة وتوقع الفرج الإلهي بالصبر الجميل، مع التبري من الحول والقوة الشخصية في كل شأن، وتظل العبودية المحضة هي أسمى مراتب الكمال البشري، حيث يغيب العبد عن صولته ورؤيته ليبقى منكسرًا بين يدي مالك الملك.

موضوعات ذات صلة

نبذ الدعاوي النفسية والرئاسات الوهمية والرجوع إلى حقيقة الافتقار الكامل للخالق سبحانه.

من معالم السير إلى الله -تعالى- الجمع بين تعظيم كتاب الله، ولزوم سنة رسوله ﷺ، وتزكية الباطن مع إحكام الظاهر.

موضوعات مختارة