ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا رَضِيَ اللَّهُ
تَعَالَى عَنهُ: المظاهر البارِزَةُ مِنْهَا ما قُيَّضَ لِلْخَيْرِ، ومِنْهَا
مَا قُيَّضَ لِلشَّرِّ، وَالْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بَارِيْهَا، فَالْمَظْهَرُ
المُقيَّضُ لِلْخَيْرِ يُشْكَرُ، والْمَظْهَرُ الْمُقَيَّضُ لِلشَّرِّ يُنْكَرُ،
وَاللَّهُ فِي الحَالَيْنِ يُذْكَرُ، ولا يَتِمُّ نِظامُ رَجُلٍ أَقَامَهُ اللَّهُ
مَظْهَرًا لِلشَّرِّ؛ لأَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ نِظَامَهُ لَمَا
أَقَامَهُ مُظْهِرًا فِيمَا يَكْرَهُهُ، دَعْ عَنْكَ الاهْتِمَامَ بِتَقْوِيمِ
الْمُعْوَجٌ قَبْلَ بُرُوزِ السَّائِحَةِ الْمُقَوَّمَةِ؛ فَإِنَّ سَحَابَ
الْخَيْرِ يَمْطُرُ بِإِيَّانِهِ، وَلَا يُطْلَبُ قَبْلَ أَوَانِهِ، لا تُسْقِطْ
هِمَّتكَ بِيَدِ هَمَّكَ فَتَنْقَلِبْ عَنِ المَطَالِبِ العَلَيَّةِ؛ فَإِنَّ
الْهَمَّ كَافُورُ الهِمَّةِ والإقدامُ عَنْبَرُها، والمَقْضِيُّ كَائِنٌ وغيرُهُ
لا يَكُونُ.
قِفْ عِنْدَ أَفْعَالِكَ الَّتِي وُهِبَتْ
لَكَ، ولا تُكَلِّفْ نَفْسَكَ تَبْدِيْلَ مَا اضْطُرِرْتَ بِفِعْلِهِ، وَلا
تَرَاكَ مَجْبُوْرًا ولا مُخْتَارًَا، فَإِنَّ الْأَمْرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كُلُّ
وَلِيٌّ يَقُولُ ويَصُولُ فَهُوَ فِي حِجَابِ القَولِ والصَّولَةِ، حَتَّى
يَنْقَهِرَ تَحْتَ سَطْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ، فَإِذَا
فَاءَ دَنَا فَتَدَلَّى بِصِدْقِهِ إلى قاب قوسي الْمُتَابَعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ،
وَحِينَئِذٍ تَصِحُ لَهُ رُتْبَةُ العُبُودِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ الرُّتَبِ
وأَعْلاهَا، وَأَقْرَبُهَا مِنَ اللهِ وأَدْنَاهَا، وَأَعْظَمُهَا وَسِيْلَةً
إِلَيْهِ وَأَقْوَاهَا، وَلَيْسَ لِلْخَلِقِ سواها.
أشار بأول جملة مما ذكر لقول النَّبِيِّ ﷺ:
«مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحُ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقُ لِلشَّرِّ، وَمِنَ النَّاسِ
مَفَاتِيحُ لِلشَّرِّ مَغَالِيقُ لِلْخَيْرِ؛ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ مَفَاتِيحَ
الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى
يَدَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٣٧].
فكلمة طوبى كلمة تهنئة وتبشير، وإشارة
للجمع بين خيري الدنيا والآخرة، وكلمة الويل كلمة سوء وثبور، وإشارة لسوء الحال في
الدنيا والآخرة، وكلتا الكلمتين تذكر بمعرض الدُّعاء والتبشير، فمن قيض للخير بشر
على لسان الشارع العظيم عليه الصَّلاةُ والسَّلام بخيري الدارين ونعيم الحياتين،
ومَنْ قُيض للشر بشر بالعذاب الأليم، وقبح الحال المستديم.
فعلى هذا فالرجل المقيض للخير يُشكر حاله،
والمقيض للشر يُنكر حاله، والله تعالى يُذكر لجلالة عظمته، وقوة تصرفه في الحالين
طمعًا بإحسانه، وخوفًا من صدمة بطشه إنَّ ربَّك على كل شيء قدير.
ولهذا السر قال رضي الله عنه بعد الجملة
الأولى: لا يَتِمُّ نِظَامُ رَجُلٍ أَقامَةُ اللَّهُ مظهرًا للشر؛ أي: لا
يصلح له رأي، ولا ينتظم له تدبير؛ لأنَّ الله جلَّتْ عَظَمتُهُ لو أراد
أن يتم نظامه؛ أي: يجمع شتات أمره، ويصلح شأنه لما أقامه؛ أي: نصبه
مظهرًا؛ أي: شيئًا بارزًا واقفًا فيما يكرهه وهو صنع الشر.
فإذًا دع عنك الاهتمام بتقويم المعوج؛
أي: بهداية من طمس الله على قلبه، وقيضه للشر قبل بروز السانحة المقومة؛ أي: قبل
ظهور وارد غيبي يسنح على قلبه بواعظ الحالة المقومة لاعوجاجه المصلحة لشأنه؛ فإنَّ
سحاب الخير يمطر بإبانه ويجيء بوقته وزمانه، ولا يطلب قبل حلول أوانه.
ومع ذلك قال رضي الله عنه: لا تُسْقِطْ
هِمَّتَكَ بِيَدِ هَمكَ، فتقف عن سعيك وعزمك، ولا تنقطع عن السعي والاجتهاد، فتنقلب
عن المطالب العالي؛ فإنَّ الهم والغم والعجز والكسل كافور الهمة يُقطع
نتائجها، ويدفعها عن مقاصدها، والإقدام والسعي والصبر والاستقامة عَنْبَر الهمة
يرفعها إلى المراتب الصحيحة، والمنازل الرفيعة، والمقضي المقدر في عالم
الغيب كائن لا بُد من صيرورته وكينونته، وغيره لا يكون ولا يصير.
وألحق رضي الله عنه جملته هذه بقوله: قف
عند أفعالك التي وُهِبَت لك؛ فالأفعال التي يصح بها الوهب لا تكون إلا أفعالًا
مرضيَّةً؛ ولذلك نَسَبَها إلى الوهب، وأمر السالك بالوقوف عندها، وألا يختار لنفسه
غير ما اختاره الله تعالى له.
ثم قال: ولا تكلف نفسك تبديل ما اضطررت
بفعله، وأجبرك سائق الوسع والطاقة لأجله، ولا تراك مجبورًا أو مختارًا؛
أي: ولا تقل بقول أهل الجبر والاختيار؛ فإنَّ الأمر الصادق الذي ينتظم به
أمر الدين بين الأمرين؛ أي: بين الجبر والاختيار، فإنَّ للعبد من الرَّبِّ مواهب
أفعال جعله مجبورًا على فعلها إن شاء، وإن أبي؛ كالنوم واليقظة، والطعام والشراب،
وأمثال ذلك، وأعطاه الإرادة الجزئية في أفعال ترتب عليها الثواب والعقاب، وللقدرة
في الكل تصاريف عظيمة يلزم على العارف أن يعتبر بها.
ولذلك قال رضي الله عنه: كلُّ ولي يقول
ويصول؛ أي: يتكلم محجوبًا بحجاب الآية التي تظهر له صائلًا بالقوة التي تُعطى
له، ذاهلًا عن التصرف الإلهي المحكم في شؤون العبد وأحواله، فهو في حجاب القول
الذي قاله، والصولة التي صال بها، لا يزال وراء ذلك الحجاب بعيدًا بسببه عن
الباب حتى ينقهر تحت سطوة الربوبية، ويكشف بالانقهار لتلك السطوة العظيمة
ذلك الحجاب، ويفيء إلى أمر الله، ويرجع بالانكسار إلى الله، فإذا فاء
إلى أمر الله دنا بانكساره، فتدلى بصدقه إلى قاب قوسي المتابعة المحمدية،
والتخلق بأخلاق الحضرة الطاهرة النبوية، وحينئذ تصح له رتبة العبودية، ومنزلة
العبدية التي هي أكمل الرتب وأعلاها، وأشرف المنازل وأسماها، وأقربها من الله
وأدناها، وأنورها لديه وأبهاها، وأعظمها وسيلة إليه سبحانه وتعالى وأقواها،
وليس للخلق إلى الحق سبحانه وتعالى من طريقة مقربة سواها، وحسن ما ألهمته في معنى
العبودية بفضل الله:
عبودية المخلوق تعريفها *** تنزيه مولانا عن الغير
والذل للخالق في ملكه *** والصبر في الشر وفي الخير
فهذه طريقة المصطفى *** ومَنْ جَرَى مَجْراهُ في
السَّيرِ