حذّر
سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ - من نوم الليل، وأمر
باغتنام ثمرة القيام فيه، ولا يخفى ما في قيام الليل من البركات، وقد عقدت بفضل
الله لقيام الليل بابًا مستطيلًا في كتابي: "ضوء الشمس" تضمن جملًا من
الأحاديث النبوية، والآيات المعظمة القرآنية، مع بعض شواهد لطيفة من كلمات القوم
الكرام لله، قلتُ فيه: واعلم أنَّ قيام الليل من أحسن القربات، وأعظم العبادات، ولذلك
كان صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يدع قيام الليل، وكان إذا مرض
صلَّى قاعدًا، وكان يحث أصحابه على قيام الليل، ويقول: «لا تَدَعُوا قِيَامَ
اللَّيْلِ، وَلَوْ حَلْبَ نَاقَةٍ أَوْ شَاةٍ» [الطبراني في الأوسط: ٤١١٤ بلفظ:
«لَا تَدَعُنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ، وَلَوْ حَلْبَ شَاةٍ»].
وقال
صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طُولُ القَنُوتِ يُخَفِّفُ
سَكَرَاتِ المَوْتِ» [الديلمي كما في الجامع الكبير للسيوطي: (١٣٩٨٠)]، كما بين
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أن: «قِيَامُ اللَّيْلِ فَرِيْضَةٌ عَلَى
قَارِئِ القُرْءَانِ» [الديلمي في الفردوس: ٤٦٣٠].
وروى عمرو بن عَبَسَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» [رواه الترمذي: ٣٥٧٩، وابن خزيمة: ١١٤٧
، والحاكم ١١٦٢].
وحث
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إحياء الليل ولو بركعة للتخلص من
الذنوب وتحصين البدن من الأمراض، فقال: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَلَوْ
رَكْعَةٍ» [الطبراني في الأوسط: ٦٨٢١]، وقال: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ
اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ دَأْبِ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى
رَبِّكُم، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْآثَامِ، وَتَكْفِيرُ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةُ
الدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ» [الترمذي: ٣٥٤٩ م، والروياني: ٧٤٥، وابن خزيمة: ١١٣٥].
وتأكيدًا
لفضل قيام الليل جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تمام شرف الإنسان وكمال
عزه، وجبر فقره، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى
النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «... وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ
قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» [رواه الطبراني في
الأوسط: ٤٢٧٨، والحاكم: ٧٩٢١]، وقال صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَتْ
أُمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - عَلَيْهُمَا السَّلامُ: يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرِ
النَّوْمَ بِاللَّيْلِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَتْرُكُ
الرَّجُلَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [ابن ماجه: ١٣٣٢، والطبراني في
الصغير رقم ۳۳۷،
والبيهقي في الشعب: ٤٧٤٦].
فدليل
صدق المسلم على محبته لربه مناجاته له ليلًا، فكان أبو ذُرِّ - رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنهُ - يقول: أوحى الله تعالى إلى داود - عَلَيْهِ السَّلامُ -يا داود،
كَذَبَ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّتِي، فإذا جَنَّ اللَّيْلُ نامَ عَنِّي، وإذا جنَّ
اللَّيل بظلامِهِ، يقول الله تعالى: يا جبريل، حرّك أشجار المعاملة، فإِذا
حرَّكَها قَامَتِ القلوب على باب المَحْبُوبِ.
قال
الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار، فاعلم أنك محروم، وقد
كثرت خطاياك.
وقال
الحسن - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: إِنَّ الرَّجل ليحرم قيام الليل بذنب وقع منه،
وقال سفيان الثوري: حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب واحد، قيل: ما هو؟ قال: رأيت
رجلًا يبكي، فقلت: هذا مراء.
ولقد
أحسن من قال:
أرَانِي
بَعيدَ الدَّارِ لا أَقْرَبُ الحِمَى *** وقَدْ نُصِبَتْ لِلسَّاهِرِينَ خِيَامُ
علامة
طَرْدِي طُولَ لَيلِي نَائِمٌ *** وغيري يرى أنَّ المنام حَرامُ
ومن
لطائف ما يُحكى أنَّ أبا يزيد البسطامي لما كان صغيرًا أرسله أبوه إلى المكتب،
فكان يقرأ حتى وصل إلى سورة المزمل، وقرأ: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ * قُمِ
ٱلَّیۡلَ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [المزمل: ١-٢]، قال لأبيه: من هذا الذي أمره الله
بقيام الليل؟ فقال: يا بني، هذا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
وسَلَّمَ - قال: فَلِمَ لا تفعل كما فعل محمَّدٌ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ؟ قال: ذاك أمر شرّف الله به محمدًا، فلما قرأ: ﴿وَطَاۤئِفَةࣱ مِّنَ
ٱلَّذِینَ مَعَكَۚ﴾ [المزمل: ٢٠]، قال: يا أبت من هؤلاء الطائفة؟ فقال له: هؤلاء
أصحاب محمَّدٍ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: وَلِمَ لَمْ
تَفعَلْ كما فعل أصحاب محمَّدٍ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فقال: يا
بُنَيَّ، قَوَّاهِمُ الله على قيام الليل، فقال: يا أبت لا خير فيمَنْ لا يقتدي
بمحمد وأصحابه، فصار أبوه يُصلي قيام الليل.
فقال:
يا أبي، علمني صلاة الليل، قال: يا بُنَيَّ، أنت صغير، فقال: إذا جمع الله الخلائق
يوم القيامة وأمر بأصحاب قيام الليل إلى الجنة أقول: يا رب، أردت الصلاة بالليل
فمنعني أبي، فقال: يا بُنَيَّ، قُمِ اللَّيل.
وبلغنا
عن سيدنا الإمام الرفاعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ - أَنَّه كان يقول:
تَعَوَّدْ
سَهْرَ اللَّيلِ *** فإنَّ النَّومَ خُسران
ولا
تركن إلى الذنب *** فَعُقْبَى الذَّنْبِ نيران
وقم
للواحد الفرد *** فللقرءان خـلان
إذا
جَنَّهُمُ اللَّيل *** فهم في الليل رهبان
ينام
الغافل الساهي *** وما في القومِ وَسْنَانُ
ويلهو
المُعْرِضُ اللاهي *** وعند القوم أحزان
فَمَا
يُلْهِيْهُمُ رَبع *** ولا أهل وخلان
هم
والله فتيان *** إذا ما قيل فتيان