Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بغداد

الكاتب

أ.د/ عبد الرحمن سالم

بغداد

بغداد، عاصمة الدولة العباسية، أسسها الخليفة المنصور؛ لتكون مركزًا سياسيًّا وعسكريًّا وتجاريًّا متقدمًا في قلب العالم الإسلامي، اتسمت بغداد بكونها منارة حضارية وعلمية مزدهرة في العصر الذهبي، جمعت بين الثقافة والعلوم والاقتصاد؛ لتصبح رمزًا للعظمة الإسلامية.

التعريف بمدينة بغداد ومكانتها في العالم الإسلامي والعربي

بغداد هي عاصمة العراق في الوقت الحاضر، وقد أسسها الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور سنة ١٤٥ﻫ (٧٦٢م)؛ لتكون العاصمة الدائمة للدولة العباسية الناشئة، ولم يكن اختيار موقع هذه العاصمة بالأمر السهل، فقد قضى العباسيون ثلاثة عشر عامًا (منذ قيام دولتهم في سنة ١٣٢ﻫ/ ٧٤٩م حتى تأسيس بغداد) في البحث عن عاصمة تصلح مستقرًا دائمًا لدولتهم.

وقد استهل أبو العباس السَّفَّاح أول الخلفاء العباسيين حكمه في مدينة الكوفة، وبعد قليل أسس بضاحية الكوفة مركزًا لإدارة الدولة الجديدة سماه الهاشمية، ثمَّ انتقل من الهاشمية إلى الحِيرة بالقرب من الكوفة، ومنها انتقل إلى الأنبار على الشاطئ الشرقي من الفرات، إلى الشمال من الكوفة، وبها تُوفي في سنة ١٣٦ﻫ -٧٥٤م.

وعندما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح رجع إلى هاشمية الكوفة، ومنها انتقل إلى المدائن، وهي تقع إلى الشمال الشرقي من الكوفة، وكانت عاصمة الدولة الساسانية قبل الإسلام، ثم عاد المنصور مرة أخرى إلى هاشمية الكوفة، فظل بها حتى وقع اختياره على بغداد لتكون عاصمة الدولة الجديدة.

من هذا يتبين أن المدن التي حلَّ بها العباسيون قبل أن يختاروا بغداد مركزًا دائمًا لهم لم تكن إلا عواصم تجريبية (أو عواصم تحت الاختبار)، ولم يبرهن أي من هذه الأماكن على صلاحيته ليكون العاصمة التي ينشدها العباسيون.

وقد وقع عبء اختيار العاصمة الدائمة على الخليفة المنصور، وقد كان المنصور يضع في اعتباره عددًا من المتطلبات الأساسية التي يرى ضرورة تحققها في العاصمة المنشودة؛ وهي متطلبات عسكرية وسياسية وتجارية، وقد كان موقع بغداد قادرًا على تلبية هذه المتطلبات جميعًا، فمن الناحية العسكرية، مثلت بغداد بموقعها المتميز مركزًا يصعب الهجوم عليه، ويَسهُل الدفاع عنه؛ فهي تقع من دجلة على نقطة هي أقرب ما تكون إلى نهر الفرات الذي يقع إلى الغرب منها، وقد أحاطت بها - بالإضافة إلى دجلة والفرات - مجموعة من القنوات والأنهار الفرعية التي تجعل وصول العدو إليها أمرًا شاقًّا [لمزيد من التفصيل حول هذه القنوات والأنهار، ارجع إلى  وقد كان المنصور حريصًا على أن يستطلع آراء من كانوا يعيشون في بغداد في ذلك الوقت من أصحاب الأديرة وغيرهم، فكان مما قاله له أحدهم: التدبير في المدن أن تُتَّخذ لها الأسوار والخنادق والحصون، ودجلة والفرات خنادق لمدينة أمير المؤمنين [تاريخ الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة دار المعارف - القاهرة، ١٩٧٧، ج٧، ص٦١٧] وقد أضاف موقع بغداد في وسط العراق بُعدًا آخر إلى مركزها العسكري، والجدير بالذكر هنا أن المنصور حين اختار موقع بغداد قال: "هذا موضع معسكر صالح" [نفس المصدر، ص ٦١٤]؛ فالاعتبارات العسكرية إذن كانت لها أهميتها الخاصة عند المنصور وهو يختار موقع عاصمته.

ومن الناحية السياسية: كانت بغداد مكانًا مناسبًا لتوطين العناصر السكانية ذات الصبغة العباسية الخالصة، ومن هنا استطاع المنصور أن يعتمد على هذه العناصر؛ نتيجة ثقته في ولائها السياسي لدولته؛ لقد كانت بغداد في ذلك الوقت مجرد قرية صغيرة توجد بها بضعة أديرة لبعض الرهبان النساطرة [نفس المصدر، ص ٦١٨]، فأسكن المنصور بها أهم العناصر التي قامت على أكتافها الدولة الجديدة، وقد جاء على رأس هذه العناصر أفراد البيت العباسي، والقادة العسكريون، والجنود، وشيعة العباسيين من الموالي، وبهذا الأسلوب تجنب الخليفة المشاكل التي كان من الممكن أن تثيرها عناصر غير مأمونة الجانب كالراوَندية [الراوندية: قوم من أهل خراسان ينتسبون إلى مدينة راوَند بالقرب من أصفهان، وكانوا يؤمنون بتناسخ الأرواح ومذهب الحلول، ويتطلعون إلى إحياء المجد الفارسي الداثر رغم تظاهرهم بالولاء للخليفة المنصور، وكانوا يريدون الانتقام لمقتل أبي مسلم الخراساني على يد المنصور، وقد ثاروا عليه ثورة عارمة في سنة ١٤١هـ (٧٥٨م)، وكادوا يقتلونه وهو في الهاشمية، فكان ذلك من بين الأسباب التي يطرحها الباحثون وراء تفكير المنصور في البحث عن عاصمة أكثر أمنًا، حول ثورة الرواندية، انظر: تاريخ الطبري، ج٧، ص ٥٠٥- ٥٠٨] وشيعة العلويين.

ومن الناحية التجارية: هيأ الفرات ودجلة لبغداد ما كانت تحتاج إليه في تعاملها التجاري على المستويين الداخلي والخارجي، فقد أتاح لها الفرات أن تتعامل مع الشام ومصر والمغرب، كما أتاح لها دجلة أن تتعامل مع الجزيرة والموصل وبلاد الروم والهند، وهكذا كان تأسيس بغداد بداية للازدهار التجاري والاقتصادي في دولة العباسيين، وهو ما سوف تظهر آثاره بوضوح في عهد المهدي والرشيد.

تأسيس بغداد

نأتي الآن إلى مناقشة التاريخ الذي أسست فيه بغداد، ورغم تعدد الروايات في هذا الصدد فإن ما نستطيع استنتاجه، أن المنصور وضع الخطة العامة لإنشاء بغداد في سنة١٤١ﻫ / (٧٥٨م)، وبدأ في عملية البناء الفعلي في سنة ١٤٥ﻫ/ (٧٦٢م)، ثم اضطر إلى أن يوقف البناء مؤقتًا عندما اندلعت ثورة النفس الزكية (محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب) وأخيه إبراهيم [ياقوت الحموي، معجم البلدان، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٠م، ج١، ٥٤٤، وانظر أيضًا: تاريخ الطبري]، وبعد نجاحه في القضاء على هذه الثورة في نفس العام (١٤٥ﻫ) استأنف البناء.

وفي العام التالي (١٤٦ﻫ/٧٦٣م) أكمل بناء المنشآت الأساسية، فاستطاع أن ينقل جهازه الإداري إلى العاصمة الجديدة في نفس العام، أما اللمسات الأخيرة في بغداد، بما في ذلك بناء سورها، فقد تمَّ الفراغ منها في سنة(١٤٩ﻫ/٧٦٦م)، وقد جعل أساس مدينته مدوَّرًا، ولهذا كانت بغداد تُعرف بـ "المدينة المدورة" وبنى قصره والمسجد الجامع في وسطها، وقد عرف قصره باسم "القبة الخضراء" أو "باب الذهب"، وبَنَى المنصور حول بغداد سورًا محكمًا، وجعل لها أربعة أبواب: باب خراسان، ويدخل منه القاصد إليها من الشرق، وباب الكوفة، ويدخل منه القاصد إليها من الحجاز، وباب الشام، ويدخل منه القاصد إليها من المغرب، وباب البصرة، ويدخل منه القاصد إليها من فارس والأهواز وواسط والبصرة واليمامة والبحرين   [ ياقوت الحموي - مصدر سابق  ٥٤٤- ٥٤٥] وفي سنة (٥٧٧ﻫ / ٧٧٣م)، بَنَى المنصور قصرًا آخر له على نهر دجلة، أسفل باب خراسان، في منطقة طيبة الهواء، عامرة بالحدائق الغنَّاء، وسماه: (قصر الخلد) تفاؤلًا بجنة الخلد التي ورد ذكرها في القرآن الكريم: {قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ} [سورة الفرقان، الآية:١٥، انظر: تاريخ الطبري، ج٨، ص٥٢، وانظر أيضًا: مادة بغداد في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية، دار الشعب بالقاهرة، ج٧، ص٣٩٤] .

وهو نفس الدافع الذي جعله يطلق على عاصمة الخلافة اسم مدينة السلام كما سنشير بعد قليل، وقد اتسعت بغداد اتساعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة من عهد المنصور وامتدت إلى الجانب الشرقي من دجله؛ ففي سنة (١٥١ﻫ/٧٦٨م) أمر المنصور ببناء ضاحية على الجانب الشرقي من النهر، عرفت في البداية باسم عسكر المهدي، حيث خصصها لإقامة ابنه محمد المهدي وجيشه، ذلك أن المهدي عسكر في هذه المنطقة وهو في طريقه إلى خراسان سنة (١٤١ﻫ/ ٧٥٨م) لقمع التمرد الذي قام به عبد الجبار بن عبد الرحمن حاكم خراسان. [تاريخ الطبري، ج٧، ص ٨٠٥ - ٥٠٩، والكامل في التاريخ، لابن الأثير، طبعة دار صادر، بيروت، ١٩٧٩- ١٩٨٢، ج٥، ص ٥٠٦- ٦٠٢] .

المعالم العمرانية والأحياء التاريخية

ثم عُرفت هذه المنطقة بعد ذلك باسم الرصافة، ولم يمض وقت طويل حتى اتسعت الرصافة وازدهرت وتحولت إليها أجهزة الدولة وانتقل اسم الخلافة إلى الجانب الشرقي كما يقول ابن حوقل [ابن حوقل، كتاب صورة الأرض، طبعة ليدن ١٩٣٩، ص ٢٣٩] وطغت بذلك على مدينة المنصور التي أطلق عليها فيما بعد جانب الكرخ، والكرخ هي المنطقة التي خصصها المنصور (سنة ١٥٧ﻫ/٧٧٤م) لتكون مقرًّا لأسواق بغداد [تاريخ الطبري، ج٨، ص٥٢]، ولا يسعنا في هذا السياق أن نتجاهل مناقشة الاسم الذي أطلقه المنصور على العاصمة الجديدة، والحقيقة أن المنصور لم يقبل أن يطلق على عاصمة الخلافة اسم بغداد وهي القرية الصغيرة التي جعلها موقعًا لعاصمته؛ وذلك لما يتضمنه هذا الاسم في بعض تفسيراته من دلالات وثنية، فبغداد كلمة فارسية مركبة من جزأين هما: "بغ وداد"، وتختلف المصادر فيما يعنيه كل من هذين الجزأين، فيقال: إن "بغ" اسم لصنم أو بستان، و"داد" تعني العطاء، أو هي اسم لرجل، وعلى هذا فكلمة بغداد قد يقصد بها عطية الصنم أو بستان رجل، [ياقوت الحموي، مصدر سابق، ص٥٤١] ويستبعد (لي سترانج Lestrange) التفسير الثاني للكلمة، ويرى أنها تعني المدينة التي أسسها الرب [le strange, op. cit.,pp.١٠-١١]وأيَّاما كان المعنى المقصود بهذا الاسم، فإن المنصور استبدل به اسمًا آخر، عربي الصياغة، إسلامي الدلالة، هو مدينة السلام، وكلمة السلام لها دلالاتها الإسلامية الواضحة، فالسلام أحد أسماء الله الحسنى، وهو من أسماء الجنة، ثم هو أيضًا تحية المسلمين فيما بينهم وتحية أهل الجنة، وقد أطلق البعض - على المدينة الجديدة اسم مدينة المنصور، واللافت للنظر أن الاسم الذي اختاره المنصور لعاصمته، وهو مدينة السلام، لم يصمد لاختبار الزمن، بل طواه النسيان تقريبًا بعد فترة وجيزة، أما اسم "بغداد" فقد فرض نفسه على الأقلام والألسنة، وانتزع حق الحياة من الاسم الرسمي حتى يومنا هذا.

بغداد وسامَرَّا: ظلت بغداد منذ نشأتها سنة (١٤٥ﻫ/٧٦٢م) عاصمة الخلافة العباسية حتى اجتياح المغول لها وإسقاط الخلافة سنة (٦٥٦ﻫ/١٢٥٨م)، وذلك باستثناء فترة محددة خلال القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) بدأت في سنة (٢٢١هـ - ٨٣٦م) في خلافة المعتصم بالله (٢١٨- ٢٢٧هـ/٨٣٣ - ٨٤٢م)، وانتهت في خلافة المعتضد بالله (٢٧٩- ٢٨٩ﻫ/ ٨٩٢ - ٩٠٢م)، فقد اتسع نفوذ الأتراك في عهد المعتصم وتزايدت أعدادهم بصورة كبيرة، وبدأ الخليفة يعتمد عليهم في تكوين جيشه حتى يستغني بهم عن الفرس والعرب معًا.

وقد بلغ عدد الأتراك في جيشه بضعة عشر ألفًا كما يقول السيوطي [السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة دار الفكر العربي، القاهرة ١٩٨٨، ص٣٨٦]، وكان من الطبيعي أن يثير وجود هذا العدد الضخم من الأتراك في بغداد ضيق أهالي المدينة؛ ذلك أن بعض هؤلاء الأتراك كانوا يتراكضون بدوابهم في شوارع المدينة فيرعبون الأهالي، وربما تسببوا في قتل بعضهم، فاشتكى هؤلاء إلى المعتصم ما يعانونه من وجود الأتراك داخل بغداد، ومن هنا قرر الخليفة أن ينقل مقر حكمه إلى سامرا، وهي مدينة قديمة تقع شرقي دجلة وتبعد عن بغداد حوالي ستين ميلًا نحو الشمال، ولم يرد المعتصم أن يحتفظ لسامرَّا باسمها الآرامي القديم، فسمَّاها "سُرَّ من رأى"، ولكن هذا الاسم اختفى كما اختفى اسم (مدينة السلام وحل محله اسم بغداد).

وقد ظلت سامرا عاصمة الخلافة العباسية مدة تقرب من ستين عامًا إلى أن قرر الخليفة المعتضد بالله في بداية خلافته أن يعود بجهازه الحكومي إلى بغداد [ياقوت الحموي، مصدر سابق، ج٣، ص١٩٨] التي استمرت حاضرة العباسيين حتى سقوط الخلافة.

والواضح أن بغداد فقدت الكثير من أهميتها ومكانتها بعد اجتياح المغول لها سنة ٦٥٦هـ /١٢٥٨م، وقد تعاقب على حكمها المغول الإيلخانيون والمغول الجلايريون [المغول الجلايريون ينتسبون إلى قبيلة مغولية تُعرف باسم جلاي، وقد أسسوا أسرة حاكمة في بغداد بزعامة "حسن بزرك" سنة٧٤٠هـ ١٣٣٩م، استمرت زهاء قرن من الزمان، حول تاريخ هذه الأسرة، انظر: عباس إقبال أشتياني: تاريخ إيران بعد الإسلام، ترجمه عن الفارسية د. محمد علاء الدين منصور، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة ١٩٨٩م، ص٥٥٣] والتيموريون والتركمان والصفويون والعثمانيون، ثم سقطت في يد البريطانيين سنة ١٩١٧م، وفي سنة١٩٢٠م أصبحت عاصمة المملكة العراقية الناشئة، ولكن ثورة ١٩٥٨م نجحت في إسقاط النظام الملكي، وأسست جمهورية العراق الحديثة التي كانت بغداد ومازالت عاصمة لها.

العصر الذهبي لبغداد: لم يمض على بغداد وقت طويل بعد إنشائها حتى أصبحت أهم حواضر الدنيا، ففي عهد المنصور ومحمد المهدي وموسى الهادي كانت بغداد تمرّ بمرحلة التكوين وإرساء الأسس التي تضمن لها القوة والنمو، وعندما بدأ هارون الرشيد حكمه سنة (١٧٠ﻫ/٧٨٦م) بدأت بغداد تدخل في عصرها الذهبي الذي استمر حتى انتقال الخليفة المعتصم بجهاز حكمه إلى سامرا سنة (٢٢١ﻫ/٨٣٦م) كما سبقت الإشارة.

صحيح أن بغداد تعرضت لمحنة قاسية، ودمار بالغ إبان الحرب الأهلية التي عرفت بفتنة الأمين والمأمون، وهي التي بدأت في سنة (١٩٤ﻫ/ ٨١٠م) حين أعلن الأمين خلع المأمون من ولاية العهد وتعيين ابنه الطفل موسى بدلًا منه، وانتهت في سنة (١٩٨ﻫ/٨١٣م) حين اقتحمت قوات المأمون بغداد، وأخضعتها لسلطة المأمون الذي أصبح خليفة المسلمين دون منازع في ذلك التاريخ، وقد وصف أحد الشعراء ما حل ببغداد من دمار في قصيدة طويلة معبرة مطلعها:

من ذا أصابك يا بغداد بالعين؟            ألم تكوني زمانًا قرة العين؟!      

[تاريخ الطبري، ج٨، ص ٤٤٧].

ولكن المثير للدهشة والإعجاب معًا أن بغداد تمكنت بعد هذه المحنة بوقت قصير من أن تسترد عافيتها وحيويتها، وأن تزداد ازدهارًا وتألقًا؛ لتصبح في طليعة عواصم العالم، وتنافس مدينة القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في العظمة والبهاء.

المعالم الثقافية والاقتصادية والمعمارية في بغداد

لقد كان للازدهار الذي شهدته بغداد في عصرها الذهبي مظاهره الثقافية والاقتصادية والمعمارية، فعلى المستوى الثقافي ازدهرت حركة التدوين في مختلف فروع المعرفة الإنسانية، ففي مجال الفقه - على سبيل المثال - ظهر القاضي أبو يوسف تلميذ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وقد كان أبو يوسف موفور المكانة لدى هارون الرشيد الذي عينه قاضيا للقضاة، ولم يكن هذا المنصب موجودًا قبل ذلك، وأبو يوسف هو صاحب كتاب الخراج، الذي كتبه بناء على طلب الرشيد ليسترشد به في إدارة الشئون المالية لدولته. وما زال هذا الكتاب حتى يومنا هذا هو المصدر للباحثين في النظم المالية في الدولة الإسلامية [انظر: ترجمة أبي يوسف، في كتاب وفيات الأعيان، لابن خلكان، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت ١٩٧٧جاء، ص ٣٧٨ وما بعدها].

كما برز في هذا المجال محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة أيضًا، وكان الرشيد يجلُّه ويعظمه، وله العديد من المؤلفات في فقه الإمام أبي حنيفة ومن بينها: الجامع الكبير والجامع الصغير، ومن أهم كتبه كتاب (السير الكبير) الذي تناول قضايا الحرب والعلاقات الدولية في الإسلام، وهو من أهم المصادر في هذا الباب).

ومن أئمة الفقه في بغداد في عصرها الذهبي، ممن اشتهروا أيضًا برواية الحديث: الإمام أحمد بن حنبل الذي ينسب إليه المذهب الحنبلي، وهو صاحب موسوعة المسند التي تُعَدُّ من أهم مصادر الحديث النبوي، وقد ازدهرت علوم العربية أيضًا في بغداد في ذلك العصر الذهبي، ويكفينا في هذا المقام أن نشير إلى عالمين من أبرز علماء العربية وهما: سيبويه والكسائي، وقد كانا يحضران مجلس هارون الرشيد ويتناقشان أمامه في قضايا اللغة والنحو، وتوفيا في عصره، وقد صنف سيبوبه في النحو الكتاب المشهور باسم "الكتاب"، وهو الذي يعده العلماء أكمل كتاب في بابه، ويصفه المبرد بقوله: لم يُعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه. [حول سيبويه وجهوده العلمية، راجع: كارل بروكلمان، مرجع سابق، ج٢، ص١٣٤ وما بعدها]

أما الكسائي فقد كان - إلى جانب تبحره في العلوم اللغوية - عالمًا متمكنًا في علم القراءات، وهو أحد أصحاب القراءات السبعة المشهورة، وقد ازدهرت الحركة الأدبية أيضًا في تلك الفترة، وكان للشعر نصيب وافر في هذا الازدهار، حيث لمع في بغداد شعراء عديدون، من بينهم: مروان بن أبي حفصة شاعر الرشيد المشهور، ومن بينهم: أبو العتاهية ومسلم بن الوليد ودعبل الخزاعي والعباس بن الأحنف وغيرهم، أما النثر الفني فقد كان له فرسانه أيضًا، وفي مقدمتهم: عمرو بن بحر الجاحظ، ومحمد بن عبد الملك الزيات.

ومن أبرز معالم الازدهار الثقافي في بغداد في تلك الفترة، نشاط حركة الترجمة من التراث العالمي إلى اللغة العربية، ورغم أن هذه الحركة ظهرت في عصر الخليفة أبي جعفر المنصور فقد بلغت أَوْجَ نشاطها في عصر الرشيد والمأمون، وقد كان لبيت الحكمة، الذي وضع نواته الرشيد وطوره المأمون، دور بارز في رعاية حركة الترجمة؛ فقد احتوى على مكتبة ضمّت نفائس كتب التراث العالمي، وبخاصة التراث اليوناني، كما احتوى على دائرة للترجمة، وعلى أكاديمية تضم صفوة الباحثين (راجع مادة بيت الحكمة).

ولا شك أن حركة الترجمة كان لها أثر لا ينكر في نمو الحياة الفكرية في بغداد وفي دولة الخلافة بصفة عامة، وقد ظهر هذا الأثر واضحًا في المدارس الكلامية التي ترعرعت في تلك الفترة، وكان على رأسها المعتزلة الذين اطلعوا على الفلسفة اليونانية واستوعبوا أفكارها، ولكنهم لم يقبلوا منها إلا ما لا يتصادم مع أصول الإسلام، والجدير بالذكر أن الخليفة المأمون نفسه كان من أكبر أنصار المعتزلة؛ فقد كان يتبنى أفكارهم ويدافع عنها، وكان مجلسه مع ذلك حافلًا بالمناظرات التي تتسع للأفكار المتباينة وكان يرحِّب باختلاف وجهات النظر ويقول: "لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال" [السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص ٣٧٨]. هذه لمحة خاطفة عن ازدهار الحياة الثقافية في بغداد في عصرها الذهبي.

أما الحياة الاقتصادية في تلك الفترة، فقد كانت لا تقل ازدهارًا عن الحياة الثقافية، كان بيت المال في عهد الرشيد والمأمون عامرًا بإجماع المؤرخين، وانتعش النشاط التجاري والصناعي والزراعي، والملاحظ أن الرشيد كان يحرص على أن يكون ما يدخل بيت مال المسلمين طيب المصدر لا تخالطه شبهة.

وقد أشرنا منذ قليل إلى أن الفقيه الجليل أبا يوسف كتب له (كتاب الخراج)؛ ليلقي الضوء على كل ما يتعلق بمالية الدولة من الوجهة الشرعية.

وقد كان عصر المأمون امتدادًا لعصر أبيه الرشيد في الازدهار الاقتصادي، وكان للنشاط التجاري بصفة خاصة دور ملحوظ فيما بلغته بغداد من مكانة اقتصادية في تلك الفترة؛ فقد حفلت أسواقها بسلع من الصين مثل الخزف والحرير والمسك، وبسلع من الهند وأرخبيل الملايو، مثل: التوابل والمعادن ومواد الصباغة، وبسلع من بلاد الترك في آسيا الوسطى، مثل: الياقوت واللازورد والمنسوجات، وبسلع من الدول الإسكندنافية وروسيا، مثل: عسل النحل والشمع والفراء، وبسلع من شرق إفريقيا، مثل: العاج.

وقد كان للبضائع الصينية سوق خاص في بغداد، أما أقاليم الدولة الإسلامية، مثل: مصر والشام وشبه الجزيرة العربية وفارس فقد كانت ترسل إلى بغداد منتجاتها المحلية، كالحبوب واللآلئ والعطور والزجاج والفاكهة، ولم تكتف بغداد باستقبال هذه السلع من مختلف البقاع، بل إن تجارها أسهموا إسهامًا كبيرًا في حركة التجارة العالمية بما كانوا يحملونه من السلع المطروحة في بغداد وغيرها من دولة الخلافة إلى الشرق الأقصى وأوروبا وإفريقيا [Philip Hitti, History of the Arabs, London,١٩٧٠,p.٣٠٥] ولا شك أن ذلك كله كان له أعظم الأثر في تحويل بغداد إلى مركز من أهم مراكز التجارة في العالم، بالإضافة إلى إنعاش اقتصادها بشكل غير مسبوق.

وقد كان من الطبيعي أن ينعكس هذا الرخاء الاقتصادي على عمارة بغداد؛ فاتسعت المدينة في تلك الفترة اتساعًا هائلًا، ونمت ضاحية الرصافة في الجانب الشرقي من بغداد نموًّا كبيرًا، وأصبحت تمثل الجزء الأساسي من المدينة، وازدانت بالقصور الضخمة، والمباني الأنيقة والحدائق الغناء، والمساجد والحمامات، وقد أقبل الناس على البناء في الرصافة بعد أن انتقلت إليها إدارة الدولة، وكان للبرامكة حي خاص في الرصافة، شيَّدوا فيه قصورهم الفاخرة، وخاصة قصر يحيى بن خالد وابنه جعفرًا، وقد عرف قصر جعفر بـ (الجعفري) وكان بالغ الفخامة، واختاره المأمون مقرًا لإقامته، وشيَّد المعتصم أيضًا قصره الفاخر بالرصافة قبل أن ينتقل إلى سامرا [انظر: مادة بغداد في دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق، ص٣٩٤- ٣٩٥] واتسعت الكرخ أيضًا في تلك الفترة، وهي الجانب الغربي من بغداد، ونظمت أسواقها، وجعل لكل تجارة سوقها الخاص بها، فكان هناك - على سبيل المثال - سوق القطن وسوق الوراقين وسوق القماش وسوق الصيارفة، وكانت هناك أسواق للتجار الأجانب أيضًا) [نفس المرجع، ص٣٩٨]، هذا الازدهار الذي تمتعت به بغداد في عصرها الذهبي لم ينته تمامًا بانتهاء هذا العصر؛ صحيح أن بغداد بدأت تفقد أهميتها السياسية تدريجيًا بعد تلك الفترة، ولكن أهميتها الحضارية ظلت قائمة بشكل أو بآخر حتى سقوط الخلافة.   

بغداد في عهد الخليفة المقتدر

ففي عهد الخليفة المقتدر (٢٩٥- ٣٢٠ﻫ/٩٠٨- ٩٣٢م) - على سبيل المثال - ازدهرت بغداد معماريًّا إلى حد كبير؛ فقد أضاف المقتدر مباني جديدة إلى القصور الملكية فبلغت في عهده ثلاثة وثلاثين قصرًا، وبَنَى البيمارستان المنسوب إليه، واتسع حي الرصافة في عهده اتساعًا غير مسبوق [نفس المرجع، ص ٣٩٧-٤٠١] وفي العصر البويهي تمتعت بغداد بعناية معمارية خاصة على يد عضد الدولة الذي تُوفي سنة (٣٧٢هـ /٩٨٣م)؛ قد لاحظ أن بغداد تدهورت معماريًا، فأمر بتجديد بيوتها وأسواقها ومساجدها، ورمم أرصفتها، وأمر الأثرياء بترميم بيوتهم، وغرس البساتين في الأراضي الخالية، وبنى البيمارستان العضدي على أرفع مستوى [نفس المرجع، ص٤٠٢ - ٤٠٣] ولكن بغداد لم تظفر من غيره من البويهيين بمثل تلك الرعاية المعمارية، ففقدت كثيرًا من أبهتها، ثم إن بغداد لم تتنكر تمامًا لدورها الثقافي بعد انتهاء العصر الذهبي؛ فقد استمرت حركة الترجمة زهاء قرن بعد تلك الفترة، ونتج عنها ازدهار الحياة العقلية، كما استمرت حركة التأليف في فروع المعرفة المختلفة، وأنشئت المدارس النظامية في العصر السلجوقي على يد الوزير المشهور نظام الملك، المتوفى سنة (٤٨٥ﻫ/ ١٠٩٢م)، وعلى رأس هذه المدارس "نظامية بغداد" التي كان من ألمع أساتذتها حجة الإسلام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ ﻫ -١١١١م) [ابن خلكان، وفيات الأعيان، مصدر سابق، ج٤، ص٢١٦- ٢١٨، وانظر أيضًا: ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، دار الكتب العلمية، بيروت (دون تاريخ)، ج٤، ص١٠]، وقد استمر بناء المدارس في بغداد بعد انتهاء العصر السلجوقي في سنة٥٩٠ﻫ/ ١١٩٤م)، ومن أشهر هذه المدارس المدرسة المستنصرية المنسوبة إلى الخليفة العباسي المستنصر بالله (٦٢٣- ٦٤٠هـ/ ١٢٢٦ - ١٢٤٢م)، وهو الخليفة قبل الأخير في سلسلة الخلفاء العباسيين بالعراق، ويروي السيوطي أن المستنصر بَنَى على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بُنِيَ على وجه الأرض أحسن منها، ولا أكثر منها وقوفًا، وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وعمل فيها مارستانًا، ورتب فيها مطبخًا للفقهاء...، ورتب لبيوت الفقهاء الحصر والبسط والزيت والورق والحبر وغير ذلك...، ورتب لهم حمامًا، وهو أمر لم يسبق إليه [السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص٥٣٣].

هكذا يتبين أن بغداد استمرت في ممارسة دورها الحضاري على درجات متفاوتة بعد انتهاء فترة المجد والقوة في العصر العباسي الأول، أما على المستوى السياسي فإن أهميتها أخذت في التضاؤل حتى أصبح نفوذها لا يكاد يتجاوز حدودها الجغرافية بعد أن كانت مركزًا تدار منه شئون دولة مترامية الأطراف.


مراجع للاستزادة:

  • ابن جبير: رحلة ابن جبير، دار ومكتبة الهلال، بيروت ١٩٨١م.
  • الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد. مكتبة الخانجي، القاهرة ١٩٣١م.
  • الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الرسل والملوك، المعروف بتاريخ الطبري، دار المعارف، القاهرة ١٩٧٩م.
  • عبد العزيز الدوري: مادة بغداد في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية، دار الشعب - القاهرة (دون تاريخ)، ج٧، ص ٣٨٥- ٠٤٣٣
  • المقدسي (شمس الدين محمد بن أحمد): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن ١٩٠٦م.
  • ياقوت الحموي: معجم البلدان، الجزء الأول والثالث، دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٩٠م – ١٩٢٤.

الخلاصة

بغداد، هي تلك المدينة العريقة التي أسسها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور سنة ١٤٥ﻫ (٧٦٢م)، لتكون عاصمة للدولة العباسية الناشئة، وقد أصبحت مركزًا سياسيًّا وعلميًّا في العالم الإسلامي، وازدهرت عمرانيًّا وثقافيًّا خلال العصر الذهبي، ورغم التحديات والاجتياحات، حافظت على مكانتها التاريخية كعاصمة للعراق حتى اليوم.

موضوعات ذات صلة

هم سكانُ المنطقةِ الجبليّة المطلّة على بحرِ قزوين شمال إيران.

دولة تقع بين آسيا وأوروبا، تاريخها متنوع ثقافيًا بفضل موقعها الاستراتيجي.

دولة جبلية في قلب البلقان، شهدت تحولات تاريخية عميقة تحت الحكم العثماني.

موضوعات مختارة