لقد كان
للازدهار الذي شهدته بغداد في عصرها الذهبي مظاهره الثقافية والاقتصادية
والمعمارية، فعلى المستوى الثقافي ازدهرت حركة التدوين في مختلف فروع المعرفة
الإنسانية، ففي مجال الفقه - على سبيل المثال - ظهر القاضي أبو يوسف تلميذ
الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وقد كان أبو يوسف موفور المكانة
لدى هارون الرشيد الذي عينه قاضيا للقضاة، ولم يكن هذا المنصب موجودًا قبل
ذلك، وأبو يوسف هو صاحب كتاب الخراج، الذي كتبه بناء على طلب الرشيد
ليسترشد به في إدارة الشئون المالية لدولته. وما زال هذا الكتاب حتى يومنا هذا هو
المصدر للباحثين في النظم المالية في الدولة الإسلامية [انظر: ترجمة أبي يوسف، في كتاب وفيات الأعيان، لابن خلكان، تحقيق:
الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت ١٩٧٧جاء، ص ٣٧٨ وما بعدها].
كما برز في هذا
المجال محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة أيضًا، وكان الرشيد
يجلُّه ويعظمه، وله العديد من المؤلفات في فقه الإمام أبي حنيفة ومن بينها:
الجامع الكبير والجامع الصغير، ومن أهم كتبه كتاب (السير الكبير) الذي تناول قضايا
الحرب والعلاقات الدولية في الإسلام، وهو من أهم المصادر في هذا الباب).
ومن أئمة الفقه في بغداد في عصرها الذهبي، ممن اشتهروا أيضًا برواية الحديث: الإمام أحمد بن حنبل الذي ينسب إليه
المذهب الحنبلي، وهو صاحب موسوعة المسند التي تُعَدُّ من أهم مصادر الحديث النبوي،
وقد ازدهرت علوم العربية أيضًا في بغداد في ذلك العصر الذهبي، ويكفينا في
هذا المقام أن نشير إلى عالمين من أبرز علماء العربية وهما: سيبويه والكسائي،
وقد كانا يحضران مجلس هارون الرشيد ويتناقشان أمامه في قضايا اللغة والنحو،
وتوفيا في عصره، وقد صنف سيبوبه في النحو الكتاب المشهور باسم "الكتاب"،
وهو الذي يعده العلماء أكمل كتاب في بابه، ويصفه المبرد بقوله: لم يُعمل
كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه. [حول
سيبويه وجهوده العلمية، راجع: كارل بروكلمان، مرجع سابق، ج٢، ص١٣٤ وما بعدها]
أما الكسائي فقد كان - إلى جانب تبحره في العلوم اللغوية -
عالمًا متمكنًا في علم القراءات، وهو أحد أصحاب القراءات السبعة المشهورة، وقد
ازدهرت الحركة الأدبية أيضًا في تلك الفترة، وكان للشعر نصيب وافر في هذا الازدهار،
حيث لمع في بغداد شعراء عديدون، من بينهم: مروان بن أبي حفصة شاعر الرشيد
المشهور، ومن بينهم: أبو العتاهية ومسلم بن الوليد ودعبل الخزاعي والعباس
بن الأحنف وغيرهم، أما النثر الفني فقد كان له فرسانه أيضًا، وفي مقدمتهم: عمرو
بن بحر الجاحظ، ومحمد بن عبد الملك الزيات.
ومن أبرز معالم
الازدهار الثقافي في بغداد في تلك الفترة، نشاط حركة الترجمة من التراث العالمي
إلى اللغة العربية، ورغم أن هذه الحركة ظهرت في عصر الخليفة أبي جعفر المنصور
فقد بلغت أَوْجَ نشاطها في عصر الرشيد والمأمون، وقد كان لبيت
الحكمة، الذي وضع نواته الرشيد وطوره المأمون، دور بارز في رعاية
حركة الترجمة؛ فقد احتوى على مكتبة ضمّت نفائس كتب التراث العالمي، وبخاصة التراث اليوناني،
كما احتوى على دائرة للترجمة، وعلى أكاديمية تضم صفوة الباحثين (راجع مادة بيت
الحكمة).
ولا شك أن حركة
الترجمة كان لها أثر لا ينكر في نمو الحياة الفكرية في بغداد وفي دولة
الخلافة بصفة عامة، وقد ظهر هذا الأثر واضحًا في المدارس الكلامية التي ترعرعت في تلك
الفترة، وكان على رأسها المعتزلة الذين اطلعوا على الفلسفة اليونانية واستوعبوا
أفكارها، ولكنهم لم يقبلوا منها إلا ما لا يتصادم مع أصول الإسلام، والجدير بالذكر
أن الخليفة المأمون نفسه كان من أكبر أنصار المعتزلة؛ فقد كان يتبنى
أفكارهم ويدافع عنها، وكان مجلسه مع ذلك حافلًا بالمناظرات التي تتسع للأفكار
المتباينة وكان يرحِّب باختلاف وجهات النظر ويقول: "لا نزهة ألذ من النظر في
عقول الرجال" [السيوطي: تاريخ الخلفاء،
ص ٣٧٨]. هذه
لمحة خاطفة عن ازدهار الحياة الثقافية في بغداد في عصرها الذهبي.
أما الحياة
الاقتصادية في
تلك الفترة، فقد كانت لا تقل ازدهارًا عن الحياة الثقافية، كان بيت المال في عهد الرشيد
والمأمون عامرًا بإجماع المؤرخين، وانتعش النشاط التجاري والصناعي والزراعي،
والملاحظ أن الرشيد كان يحرص على أن يكون ما يدخل بيت مال المسلمين طيب
المصدر لا تخالطه شبهة.
وقد أشرنا منذ
قليل إلى أن الفقيه الجليل أبا يوسف كتب له (كتاب الخراج)؛ ليلقي الضوء على
كل ما يتعلق بمالية الدولة من الوجهة الشرعية.
وقد كان عصر المأمون
امتدادًا لعصر أبيه الرشيد في الازدهار الاقتصادي، وكان للنشاط التجاري
بصفة خاصة دور ملحوظ فيما بلغته بغداد من مكانة اقتصادية في تلك الفترة؛
فقد حفلت أسواقها بسلع من الصين مثل الخزف والحرير والمسك، وبسلع من الهند وأرخبيل
الملايو، مثل: التوابل والمعادن ومواد الصباغة، وبسلع من بلاد الترك في آسيا
الوسطى، مثل: الياقوت واللازورد والمنسوجات، وبسلع من الدول الإسكندنافية وروسيا،
مثل: عسل النحل والشمع والفراء، وبسلع من شرق إفريقيا، مثل: العاج.
وقد كان للبضائع
الصينية سوق خاص في بغداد، أما أقاليم الدولة الإسلامية، مثل: مصر والشام
وشبه الجزيرة العربية وفارس فقد كانت ترسل إلى بغداد منتجاتها المحلية،
كالحبوب واللآلئ والعطور والزجاج والفاكهة، ولم تكتف بغداد باستقبال هذه
السلع من مختلف البقاع، بل إن تجارها أسهموا إسهامًا كبيرًا في حركة التجارة
العالمية بما كانوا يحملونه من السلع المطروحة في بغداد وغيرها من دولة
الخلافة إلى الشرق الأقصى وأوروبا وإفريقيا [Philip Hitti, History
of the Arabs, London,١٩٧٠,p.٣٠٥] ولا شك أن ذلك
كله كان له أعظم الأثر في تحويل بغداد إلى مركز من أهم مراكز التجارة في
العالم، بالإضافة إلى إنعاش اقتصادها بشكل غير مسبوق.
وقد كان من الطبيعي أن ينعكس هذا الرخاء الاقتصادي
على عمارة بغداد؛ فاتسعت المدينة في تلك الفترة اتساعًا هائلًا، ونمت ضاحية
الرصافة في الجانب الشرقي من بغداد نموًّا كبيرًا، وأصبحت تمثل الجزء الأساسي من
المدينة، وازدانت بالقصور الضخمة، والمباني الأنيقة والحدائق الغناء، والمساجد
والحمامات، وقد أقبل الناس على البناء في الرصافة بعد أن انتقلت إليها إدارة
الدولة، وكان للبرامكة حي خاص في الرصافة، شيَّدوا فيه قصورهم الفاخرة، وخاصة قصر يحيى
بن خالد وابنه جعفرًا، وقد عرف قصر جعفر بـ (الجعفري) وكان بالغ
الفخامة، واختاره المأمون مقرًا لإقامته، وشيَّد المعتصم أيضًا قصره
الفاخر بالرصافة قبل أن ينتقل إلى سامرا [انظر: مادة بغداد في دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق،
ص٣٩٤- ٣٩٥] واتسعت
الكرخ أيضًا في تلك الفترة، وهي الجانب الغربي من بغداد، ونظمت أسواقها، وجعل لكل
تجارة سوقها الخاص بها، فكان هناك - على سبيل المثال - سوق القطن وسوق الوراقين
وسوق القماش وسوق الصيارفة، وكانت هناك أسواق للتجار الأجانب أيضًا) [نفس المرجع، ص٣٩٨]، هذا الازدهار الذي تمتعت به بغداد
في عصرها الذهبي لم ينته تمامًا بانتهاء هذا
العصر؛ صحيح أن بغداد بدأت تفقد أهميتها السياسية تدريجيًا بعد تلك الفترة،
ولكن أهميتها الحضارية ظلت قائمة بشكل أو بآخر حتى سقوط الخلافة.