Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صفة الوحدانية في علم الكلام

الكاتب

هيئة التحرير

صفة الوحدانية في علم الكلام

تُعد صفة (الوحدانية) الركيزةَ الأسمى التي ينهضُ عليها صرحُ التنزيه، فهي جوهرُ الوعي الإسلامي، وأصلُ التحقيقِ الذي تتبددُ عنده أوهامُ التعدد والتركيب، ليرتقيَ العقلُ في معارجِ الإيمانِ نحو إثباتِ التفردِ المطلقِ للذاتِ العليةِ في كينونتها، وصفاتها، وأفعالها.

مفهوم صفة الوحدانية

حينما نقفُ عند صفة (الوحدانية)، فنحن لا نتحدث عن مجرد رقمٍ في سلسلة الأعداد، بل نتحدث عن أصل الأصول، وجوهر العقيدة، وإذا أردنا أن نجلي هذا المفهوم بلغة العلم والتحقيق، فلا بد أن نبدأ من ضبط اللفظ قبل الدخول إلى المعنى.

أولًا: المفهوم اللغوي لصفة الوحدانية

إن مادة (وحد) في معاجم اللغة تدور حول الانفراد والتميز، فالتوحيد في اللغة: هو عبارة عن جعل الشيء واحدًا، ولما وُصف الحق سبحانه بـ (الواحد) فمعناه أنه الذي لا يتصور عليه التجزؤ، ولا التكثر، ولا التقسيم، ولا الشبيه، ولعل في زيادة (الألف والنون) في صيغة (الوحدانية) إشارة دقيقة إلى المبالغة واللزوم، لتأكيد امتناع المشاركة له سبحانه في ذاته أو صفاته، وهي صفة اسم الباري سبحانه، لا ينعت بها غيره على وجه الحقيقة المطلقة. [ينظر: الراغب الأصفهاني، المفردات، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٩٩٠، ص ٥٢٠؛ والتهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان، ط١، ١٩٩٦م، ١/٥٢٨- الأزهري، تهذيب اللغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط١، ٢٠٠١م، ٥/١٢٤- الرازي، مختار الصحاح، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ط٥، ١٩٩٩م، ص٣٣٤- الفيومي، المصباح المنير، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، (د.ت)، ٢/٦٥٠].

ثانيًا: المفهوم الاصطلاحي لصفة الوحدانية

بعد أن فرغنا من بيان المفهوم اللغوي لصفة الوحدانية، ننتقل إلى المحور الأساسي الذي تدور حوله هذه الصفة في اصطلاح أهل الفن؛ حيث يتمحور المعنى الاصطلاحي حول عدم التعدد في الذات، وفي الصفات، وفي الأفعال، وهي صفة سلبية تسلب عن الله تعالى ما لا يليق بجلاله من نفي الكثرة والتعدد في حق الله تعالى، وهو ما أكده الحق سبحانه في غير موضع من كتابه العزيز، كقوله تعالى: {وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ} [البقرة: ١٦٣]، وقوله جل شأنه: {وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ} [العنكبوت: ٤٦]، وقوله عز وجل:{لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: ٢٢]، وقوله تبارك وتعالى: {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] 

رؤى العلماء في ضبط دلالات الوحدانية ونفي الكثرة

باستقراء أقوال العلماء نجد أن صفة الوحدانية تدور حول بنية تصورية متكاملة تنهض على نفي التعدد في أقدس صوره؛ حيث يرى ابن مسكويه أن محور الوحدانية هو تصور نفي الكثرة والعدد؛ ليكون التصور الذهني للوحدانية هو التجريد المطلق عن كل ما يقبل الانقسام أو التعدد [ابن مسكويه، الفوز الأصغر، الدار العربية للكتاب، ليبيا، ١٩٨٧م، ص٢٠٥].

وفي ذات السياق التنزيهي، نجد الإمام الشهرستاني يبلور هذا المعنى في أطرٍ ثلاثة تمثل سياج التوحيد؛ حيث قرر أن الوحدانية تعني: "أن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له". [الشهرستاني، الملل والنحل، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٢م، ١/٣٧؛ وينظر له أيضًا: نهاية الإقدام في علم الكلام، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ٢٠٠٩م، ص٣٥].

وهو ذاته ما ذهب إليه إمام الحرمين الجويني، حين قرر أن الواحد في اصطلاح الأصوليين هو "الشيء الذي لا ينقسم....، وأن تسمية الباري واحدًا يراد بها نفي المثيل والنظير عنه سبحانه". [الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٩٥٠م، ص٥٥].

أقسام الوحدانية ونفي الكموم

إن التحقيق العقدي في صفة الوحدانية يستوجب الانتقال من المفهوم العام إلى التفصيل الدقيق الذي قرره علماء الكلام فيما يُعرف بـنفي الكموم؛ وهي الأوجه التي يتطرق إليها التعدد أو الانقسام عقلًا، وتنتظم في ثلاثة مسارات كبرى:

أولًا: الوحدانية في الذات

وهي التي تقرر تنزيه الذات الإلهية العلية عن كل صور التركيب أو التجزؤ؛ وبموجبها يتبن:

أ‌-      نفي الكم المتصل في الذات: أي أن ذاته سبحانه ليست مركبة من أجزاء أو أبعاض، فالقول بالتركيب يقتضي الاحتياج، إذ إن كل مركب مفتقر إلى أجزائه، والمفتقر إلى غيره لا يكون إلهًا واجبًا لذاته.

ويؤصل الدكتور محمود أبو دقيقة هذا المعنى بقوله: "لو كانت ذاته مركبة من أجزاء لكان وجود ذاته محتاجًا إلى وجود أجزائه.. وكل مركب محتاج إلى من يركبه فيكون حادثًا، وهو باطل". [محمود أبو دقيقة، القول السديد في علم التوحيد، تحقيق: د. عوض الله جاد حجازي، (د.ن)، (د.ت)، ١/١٩١]، وهذا المعنى هو مقتضى قوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ} [الشورى: ١١]؛ إذ تنفي الآية كافة وجوه المشابهة والتركيب. [إبراهيم بن هارون اللقاني، هداية المريد لجوهرة التوحيد، دار البصائر، القاهرة، ٢٠٠٩م، ١/٣٣٠-٣٣١].

ويستدل الإمام الفخر الرازي ببرهان العجز عن الانقسام؛ "فالحق سبحانه (واحد) بمعنى أن حقيقته أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، لا كثرة مقدارية كما للأجسام، ولا معنوية كما للأنواع المركبة من جنس وفصل". [الرازي، مفاتيح الغيب، دار الفكر، بيروت، ١٩٨١م، ٤/١٨٨].

ب‌-  نفي الكم المنفصل في الذات: أي نفي وجود ذات أخرى تماثل ذات الله تعالى في حقيقتها، وهذا هو جوهر(الأحدية) الواردة في سورة الإخلاص: {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١]، حيث يقرر الإمام القرطبي أن الأحد هو "الواحد الوتر الذي لا شبيه له ولا نظير ولا صاحب ولا ولد" [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ٢٠٠٦م، ٢٢/٥٥٧-٥٦٠].

وقد استدل المتكلمون على هذا النوع من الوحدانية بـ (دليل التمانع)؛ وهو أنه لو وجد إلهان لزم منه إما اتفاقهما أو اختلافهما، وفي كلتا الحالتين يقع الفساد أو العجز، وهو ما استقر عليه جمهور الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، كما في قوله تعالى: {لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: ٢٢] [راجع: الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، القاهرة، ٢٠١٠م، ص٢٠؛ والجويني، الإرشاد، ص٥٢؛ والنسفي، التمهيد لقواعد التوحيد، ١٩٩٥م، ص٥١-٥٢].

وبذلك تتحقق (الأحدية) التي تقطع الطريق أمام أي توهم للكثرة داخل الذات أو خارجها، فوحدانية الذات هي صفة سلبية تهدف إلى سلب (التركيب) و(التعدد) عن الله تعالى، ليبقى الحق سبحانه هو (الأول) الذي لا بداية له، و(الواحد) الذي لا قسيم له ولا شريك. [البغوي، معالم التنزيل، دار ابن حزم، بيروت، ٢٠٠٢م، ص١٢٧٥].

ثانيًا: الوحدانية في الصفات

 وتعني التفرد المطلق بصفات الكمال، بحيث يتضح منها:

أ‌-      نفي الكم المتصل في الصفات:

وتعني أنه لا توجد لله صفتان من نوع واحد (كقدرتين، أو إرادتين، أوعلمين)، لأن تعدد الصفة الواحدة لغرض واحد يؤدي إلى تحصيل الحاصل، أو لزوم العجز، وهو محال. [أحمد الدردير، شرح الخريدة، ص٨٣؛ والباجوري، شرح الجوهرة، ص١١٤]، فالمقدورات وإن تعددت، فالقدرة الأزلية واحدة. [عبد الله الشلال، الألوهية في الفكر الإسلامي، ١٩٨٢م، ص٥١].

ب‌-   نفي الكم المنفصل في الصفات: وتعني أنه لا توجد ذات غير ذات الله تتصف بصفة تشبه صفاته سبحانه؛ فقدرة العبد حادثة ومحدودة، وقدرة الله قديمة ومطلقة، وشتان ما بين الخالق والمخلوق. [راجع: الباجوري، شرح الجوهرة، ص١١٨؛ وقحطان الدوري، العقيدة الإسلامية، ص٣٦٩]

ثالثًا: الوحدانية في الأفعال

نفي الكم المنفصل في الأفعال، إن التحقيق في مسألة وحدانية الأفعال يُعد من أدق المباحث العقدية وأسماها؛ إذ هي ذروة التوحيد ومآله، ومقتضاها الجزم بأن الله تعالى هو المتفرد وحده بـ (الخلق، والإيجاد، والتدبير)، فلا مؤثر في الوجود على الحقيقة سواه، كما نطق بذلك المحكم من التنزيل : {ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ}  [الزمر: ٦٢] 

ويمكن بلورة هذا التحقيق في النقاط الجوهرية الآتية:

  •      نفي الكم المنفصل في الأفعال : تتحقق هذه الوحدانية بنفي وجود شريك لله في أفعاله؛ أي نفي وجود مؤثر آخر يملك قدرة الإيجاد أو التأثير الاستقلالي في هذا الكون، فليس لغير الله فعل كفعله، ولا صنع كصنعه. [راجع: أحمد الدردير، شرح الخريدة البهية، ص٨٣؛ الباجوري، شرح الجوهرة، ص١١٤؛ الصاوي، شرح الصاوي على جوهرة التوحيد، دار ابن كثير، دمشق-بيروت، ١٩٩٩م، ص١٥٧-١٥٨].
  •      علاقة الأسباب بالمسببات:  إن ما نشاهده في الكون من ارتباطات (كالقطع عند مماس السكين، أو الإحراق عند مسيس النار) ليس تأثيرًا ذاتيًا في هذه الأشياء، بل هو إيجاد رباني يقع عِند السبب لا بِـه، فالسكين لا تقطع بذاتها، والنار لا تحرق بطبعها، وإنما الموجد للأثر هو الله تعالى جلت قدرته، أجرى العادة بوقوع المسببات عند أسبابها. [راجع: حسن أيوب، تبسيط العقائد الإسلامية، بيروت، ١٩٨٣م، ١/٨٦].
  •      الثمرة العقدية: إن هذا اليقين يقطع الطريق أمام أي توهم لوجود قوى مستقلة في الكون، ويُقرر في وجدان المؤمن أنه لا شريك لله في ملكه، ولا معين له في صنعه؛ مما يثمر تمام التفويض والتوكل على مسبِّب الأسباب وحده. [راجع: الجويني، الإرشاد، ص١٨٧؛ واللقاني، هداية المريد، ١/٣٤٣].

الخلاصة

إن الوحدانية بهذا المفهوم الشامل (ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا) هي صفة سلبية تنفي عن الله كل نقص وتركيب ومماثلة؛ فالله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وبذلك يتحقق التنزيه المطلق لرب العالمين.

موضوعات ذات صلة

علم أصول الدين يعبر عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قاعدة الإيمان في الدين الإسلامي

الصفات الخبرية صفات لله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة.

البقاء من الصفات الإلهية التي اختلف فيها: هل البقاء من الصفات الوجودية أو السلبية

الأسماء الحسنى هي أسماء الله تعالى التي ارتضاها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه 

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين

موضوعات مختارة