وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إذا كان هذا الخلاف الاصطلاحي يحمل في طياته تلك الأبعاد العميقة، فإن العقل الإسلامي لم يقف تجاهه على درجة واحدة من الفهم والاستيعاب؛ بل تباينت حيالَه الأنظار، وتعددت المسالك تبعًا لزوايا الرؤية ومناهج النظر، ولأجل أن نضع أيدينا على ركائز هذا التباين ونفهم كيف أديرت هذه المعركة الفكرية داخل البيت الإسلامي، كان لزاماً علينا أن نرصد خريطة تبلور هذين المصطلحين عبر ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ كشفت عن تباين أصولي واضح في فهم حقيقة الصفات الأزلية، وما يقوم بالذات العلية من معانٍ، وهو ما نستعرضه في السطور التالية:
لجأت الجهمية ومعهم القدرية (المعتزلة) إلى دمج المصطلحين وإرجاعهما بالكلية إلى الواصف - سواء كان العبد المخبر أو الله مخبراً عن نفسه - نافين أن يكون لأي منهما حقيقة خارجية قائمة بذات الموصوف.
فقد زعمت هذه الفئة أن قولنا الله حيّ عليم لا يعني إثبات صفات حقيقية قائمة بذاته سبحانه منذ الأزل، بل هي مجرد تسميات وأوصاف يطلقها الواصف لتسريب المعنى إلى الأذهان [البغدادي، أصول الدين، ص ١٤٩]، وقد انطلق هذا التصور من خلفية كلامية تخشى وقوع محذور تعدد القدماء؛ فتوهموا أن إثبات صفات أزلية زائدة عن الذات (كالعلم والقدرة والحياة) يقتضي وجود ذوات متعددة تشارك الله في القِدَم، ففروا من ذلك بنفي الصفات الأزلية بالكلية وجعلها مجرد أقوال للواصف لا حقائق لها في الأعيان[الشهرستاني، الملل والنحل، ج ١، ص ٤٥و٨٥].
على النقيض من النفي الجهمي، ذهب الإمام أبو الحسن الأشعري إلى إثبات الصفات الأزلية، لكنه قرر من حيث الاصطلاح أن الوصف والصفة بمعنًى واحد [الرازي، المطالب العالية، ٣ / ١٣٩]، ووضع ضابطاً كلياً يربطهما بنظرية الأعراض والوجود؛ حيث صاغ الأشعري قاعدته قائلاً: كل معنى لا يقوم بنفسه فهو صفة لما قام به ووصف له [البغدادي، أصول الدين، ص ١٤٩]، فالأمر عنده يدور حول العَرَض الذي يحتاج إلى جوهر يقوم به حتماً لكي يظهر [راجع: الجويني، الإرشاد، ص ٨٥].
بناءً على هذا الترادف، جوّز الأشعري أمرين أثارا نقاشاً بين المتكلمين:
وجود صفة واحدة لموصوفين: ومثاله (خبر المخبر عن السواد)؛ فالكلام الصادر من الشخص هو صفة للقائل لقيامه به، وهو في الوقت ذاته وصف للسواد لأنه يحكي حاله الواقعي.
كون المعدوم موصوفاً: فبما أن الوصف عنده مرادف للصفة وهو من جنس الخبر، جاز أن يُخبر عن المعدوم ويُوصَف بأنه معدوم أو يُتصور في الذهن حكايةً عنه [البغدادي، أصول الدين، ص ١٤٩]
فرّق أكثر المحققين من علماء الكلام بين حقيقتين: المعنى الثابت القائم بالشيء نفسه، والعبارة اللسانية التي تُخبر عنه وتصفه، فقسّم جمهور المتكلمين المسألة إلى شقين دقيقين؛ منعاً لتداخل الحقائق:
صفة الشيء: هي المعنى الحقيقي المتأصل القائم بالذات حقيقة كالأعراض حذاء الجواهر؛ ومثاله السواد فهو صفة للجسم الأسود لقيامه به، وكذلك العلم والقدرة صفات أزلية قائمة بالذات العالِمة والقادرة حقيقة [الرازي، المطالب العالية، ٣ / ١٣٩].
وصف الشيء: هو الخبر والقول الصادر عن المتكلم ليشرح حال الشيء؛ فقول القائل: زيدٌ عالمٌ يكون كلاماً قاصراً في نفسه، وهو صفة للقائل - لأن الكلام قائم به وصادر عنه - ولكنه وصفٌ لزيد لأنه خبر يحكي حقيقة علمه الثابت له [البغدادي، الفرق بين الفرق، ص ٢٦١].
بناءً على ذلك، فإن العلوم، والقدرة، والألوان، والأكوان (الحركة والسكون)، وكل عَرَضٍ سوى الخبر اللفظي المحض، تُسمى صفات وليست بأوصاف؛ لأنها حقائق موضوعية قائمة بموصوفاتها أعياناً، وليست مجرد اعتبارات إخبارية يتداولها اللسان حكايةً.
إن الصفة هي الحقيقة الموضوعية الثابتة في الذات كالعلم والقدرة، بينما الوصف هو الحكاية اللسانية والخبر الكاشف عنها؛ وبذا يزول التعقيد الفلسفي وتصان العقيدة المستقرة.
تدور قضية الصفات الإلهية حول طبيعة العلاقة بين الصفات والذات
تُعد صفة (الوحدانية) الركيزةَ الأسمى التي ينهضُ عليها صرحُ التنزيه
تنوّعت طرق المسلمين في الاستدلال على وجود الله – تعالى - بين العقل والنقل والذوق والفطرة
هل تأملت يومًا في ذلك السر الخفي الذي يمنح هذا الكون الفسيح نبضه