١- قال الإمام أبو عيسى الترمذي (ت:٢٧٩هـ)،
في (سننه) (٤/ ٢٧٣): "وقد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - روايات كثيرة
مثل هذا: ما يُذكر فيه أمر الرؤية أنَّ الناس يرون ربهم وذكر القدم وما أشبه هذه
الأشياء.
والمذهب في هذا عند أهل العلم من
الأئمة؛ مثل: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن
عيينة، ووكيع وغيرهم؛ أنهم رووا هذه الأشياء، ثم قالوا: "تروى هذه
الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن يرووا هذه
الأشياء كما جاءت، ويؤمن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال: كيف، وهذا أمر أهل
العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه".
٢- وقال الإمام الدارقطني (ت:٣٨٥هـ)
في كتابه (الصفات) (صـ٤٠): حدثنا محمد بن مخلد، ثنا العباس بن محمد
الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عَدي يسأل
وكيعًا فقال: يا أبا سفيان إنَّ هذه الأحاديث، يعني: مثل الكرسي وموضع القدمين
ونحو هذا، فقال وكيع: "أدركنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعودًا
يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا".
وبسنده (صـ٤١) عن الإمام سفيان بن
عيينة أنه قال: "كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا
كيف ولا مثل".
وبسنده (صـ٤١) عن الإمام وكيع بن
الجراح أنه قال: "نسلّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف هذا؟ ولمَ
جاء هذا؟".
وبسنده (صـ٤٤) عن الإمام الوليد بن
مسلم، أنه قال: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري،
والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا: "أمضها
بلا كيف".
٣- وقال الإمام أبو سليمان الخطابي
(ت:٣٨٨هـ) في كتابه (أعلام الحديث) - وهو أول شرح لصحيح البخاري- (١/ ٦٣٧):
"هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان
بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها".
وقال أيضا: "وليس معنى اليد عندنا
الجارحة، إنما هو صفة جاء بها التوقيف، فنحن نُطلقها على ما جاءت ولا نُكيّفها،
وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتابُ والأخبارُ المأثورة الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة
والجماعة". (٤/ ٢٣٤٧)
٤- وقال الإمام أبو الحسن ابن بطال
(ت:٤٤٩هـ) في (شرح صحيح البخاري) (٣/ ١٣٧): "ولا فرق بين الإتيان والمجيء
والنزول، إذا أضيف جميعُ ذلك إلى الأجسام التي يجوزُ عليها الحركةُ والنقلة التي
هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقالُ والحركة، كان
تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته عزَّ وجل".
٥- وقال حافظ المغرب الإمام ابن عبد
البر المالكي (ت:٤٦٣هـ)، في كتابه (الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار)
(٨/ ٥٩٦): "وأما قوله (يأخذها بيمينه) فهذا مجاز وحسنُ عبارة عن قبول
الله تعالى للصدقة، ومعنى أخذ الله لها: قبوله تبارك وتعالى، لا يشبهه شيء، وليس
كمثله شيء وهو السميع العليم".
وقال أيضًا في (الاستذكار) (٢/
٥٣٠): "وقد قالت فرقة منتسبة إلى السنة: إنه ينزل بذاته، وهذا قول مهجور؛
لأنه تعالى ذكره ليس بمحل للحركات، ولا فيه شيء من علامات المخلوقات".
وقال في (التمهيد لما في الموطأ من
المعاني والأسانيد) (١٨/ ٣٤٥): "وأما قوله (يضحك الله) فمعناه: يرحم الله
عبده عند ذاك، ويتلقاه بالرَّوْح والراحة والرحمة والرأفة، وهذا مجاز مفهوم، وقد
قال الله عز وجل في السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان: ﴿رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال في المجرمين: ﴿فَلَمَّاۤ
ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وأهل العلم يكرهون الخوض في مثل هذا
وشبهه من التشبيه كله في الرضا والغضب، وما كان مثله من صفات المخلوقين، وبالله
العصمة والتوفيق".
٦- وقال الإمام أبو عبد الله المازَري
المالكي (ت:٥٣٦هـ) في (المُعلم بفوائد مسلم)، في شرح حديث الجارية «فأين
الله؟ قالت: في السَّماءِ...» (١/ ٤١٢): "قيل: إنما أراد - عليه السلام - أن
يتطلب دليلًا على أنها موحدة فخاطبها بما تفهمُ به قصدَه؛ إذ من علامات الموحّدين
التوجهُ إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبد الأصنام تطلب
حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران، فأراد – صلى الله عليه وسلم - الكشف عن
معتقدها: هل هي من جملة من آمن؟ فأشارت إلى السماء؛ وهي الجهة المقصودة عند الموحّدين
كما ذكرنا.
وقيل: إنما وجه السؤال بـ (أين) ها
هنا: سؤالٌ عما تعتقده من جلال الباري سبحانه وعظمته، وإشارتها إلى السماء إخبارٌ
عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين،
فكما لم يدلَّ استقبال الكعبة على أن الله جلت قدرته فيها، لم يدلَّ التوجهُ إلى
السماء والإشارة على أن الله سبحانه حالٌّ فيها".
٧- وقال الإمام الحافظ الجليل، القاضي أبو
بكر ابن العربي المالكي (ت:٥٤٣هـ) في كتابه (عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي)
(٢/ ١٩٨): "واختلف الناس في هذا الحديث [أي: حديث الجارية] وأمثاله على ثلاثة
أقوال: "فمنهم من رده لأنه خبر واحد، وردَّ بما
لا يجوز ظاهره على الله، وهم المبتدعة، ومنهم من قبله وأمرّه كما جاء ولم يتأوله،
ولا تكلم فيه مع اعتقاده أنه ليس كمثله شيء، ومنهم من تأوله وفسره، وبه أقول؛ لأنه
معنى قريب عربي فصيح".
٨- وقال الإمام الحافظ الكبير، القاضي
عياض (ت:٥٤٤هـ) في كتابه (مشارق الأنوار على صحاح الآثار) (٢/ ٢٣١): "وقيل
(استوى) من المشكِل الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وعلينا الإيمان به والتصديق
والتسليم، وتفويض علمه إلى الله تعالى، وهو صحيح مذهب الأشعري، وعامة الفقهاء
والمحدثين، والصواب إن شاء الله".
وقال في (إكمال المعلم بفوائد مسلم)
(٢/ ٤٦٥): "لا خلاف بين المسلمين قاطبة - محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم
ونظارهم - أنَّ الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله تعالى: {ءَأَمِنتُم
مَّن فِی ٱلسَّمَاۤءِ} [الملك:١٦] أنها ليست على ظاهرها، وأنها متأولة عند
جميعهم".
٩- وقال الإمام الحافظ الفقيه المفتي، أبو
عمرو ابن الصلاح (ت:٦٤٣هـ) في (فتاويه) وهو يتحدث عن آداب المفتي (١/ ٨٣): "ليس
له إذا استُفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتي بالتفصيل، بل يمنع مستفتيه
وسائرَ العامة من الخوض في ذلك أصلًا، ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الإيمان جملة
من غير تفصيل، ويقولوا فيها وفيما ورد من الآيات والأخبار المتشابهات: إنَّ الثابت
فيها في نفس الأمر: كل ما هو لائق فيها بجلال الله وكماله وتقديسه المطلقين، وذلك
هو معتقدنا فيها، وليس علينا تفصيله وتعيينه، وليس البحث عنه من شأننا، بل نَكِل
علم تفصيله إلى الله تبارك وتعالى، ونصرف عن الخوض فيه قلوبَنا وألسنتَنا، فهذا
ونحوه عن أئمة الفتوى هو الصواب في ذلك، وهو سبيل سلف الأمة وأئمة المذاهب
المعتبرة وأكابر الفقهاء والصالحين، وهو أصوب وأسلم للعامة وأشباههم ممن يُدْغِلُ
قلبه بالخوض في ذلك".
١٠- وقال شيخ الإسلام الإمام محيي الدين
النووي (ت:٦٧٦هـ) في كتابه (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) (١٦/ ٢٠٤): "هذا
من أحاديث الصفات وفيها القولان السابقان قريبًا:
أحدهما: الإيمان بها من غير تعرض لتأويل، ولا
لمعرفة المعنى، بل يؤمن بأنها حق وأنَّ ظاهرها غير مراد، قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها".
١١- وقال الإمام الكرماني (ت:٧٨٦هـ)
في كتابه (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) (١/ ٢١٦): (والحديث من
المتشابهات، والأمة في مثلها طائفتان: مفوضة، ومؤولة، والحق التفويض والوقف على
قوله تعالى: (إِلَّا اللَّهُ) فِي ﴿وَمَا
یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران: ٧]".
١٢- وقال الإمام الحافظ سراج الدين ابن
الملقن (ت:٨٠٤هـ) في كتابه (التوضيح لشرح الجامع الصحيح) (٢٣/ ١٨٠):
"وهذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان مشهوران: التأويل، والإمساك عنه
مع الإيمان بها مع الاعتقاد أنَّ الظاهر غير مراد".
١٣- وقال الإمام الحافظ زين الدين
العراقي (ت:٨٠٦هـ)، في (طرح التثريب في شرح التقريب) (٣/ ١١٢):
"تكرر ذكر وجه الله تعالى في الكتاب والسنة، وللناس في ذلك - كغيره من الصفات
- مذهبان مشهوران:
أحدهما: إمرارها كما جاءت من غير كيف، فنؤمن بها
ونكل علمها إلى عالمها مع الجزم بأنَّ الله ليس كمثله شيء، وأنَّ صفاته لا تشبه
صفات المخلوقين.
وثانيهما: تأويلها على ما يليق بذاته
الكريمة، فالمراد بالوجه الموجود".
١٤- وقال ولده الحافظ ابن الحافظ أبو زُرعة
العراقي (ت:٨٢٦هـ)، في تكملته لـ (طرح التثريب في شرح التقريب) (٨/١٧٧):
"وهذا كله بناء على طريقة التأويل وهي طريقة جمهور المتكلمين، والذي عليه
جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في تأويلها بل يؤمن بأنها حق على ما
أراد الله، ولها معنى يليق بها وظاهرها غير مراد".
١٥- ونقل الإمام أبو عبد الله الأُبِّي
(ت:٨٢٧هـ) في كتابه (إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم) (٢/ ٢٤١): "كلامَ الإمام
المازَري والقاضي عياض السابق في شرح حديث الجارية، ثم قال: "ما
نُسب من القول بالجهة لم يقع إلا لأبي عمر ابن عبد البر في الاستذكار،
ولابن أبي زيد القيرواني في الرسالة، وهو عنهما متأول".
١٦- وقال الإمام شمس الدين البِرْماوي
(ت:٨٣١هـ) في كتابه (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح) (١٧/ ٣٨٣):
"والقصد من الباب: ذكرُ الظواهر المشعِرة بأنَّ الله تعالى في جهة العلو؛ لكن
حقيقة ذلك محالٌ؛ لتنزُّهه تعالى عن الجهة والمكان؛ ففيه طريقتا التفويض والتأويل؛
لأنه من المتشابه، فتأويله بأنَّ المراد: علو ذاته وصفاته، لا الجهة والمكان".
١٧- وقال الإمام الكبير بدر الدين
العيني (ت:٨٥٥هـ) في كتابه (عمدة القاري شرح صحيح البخاري):
"والحديث من المتشابهات فحكمه التفويض أو التأويل بما يليق به"(٢٢/١٣٩).
١٨- وقال الإمام الكُوراني (ت:٨٩٣هـ)
في كتابه (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري) (٣/ ٢٠٦): "«ينزلُ
ربنا كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا» النزول: هو الانتقال من فوق إلى أسفل،
وهو عليه تعالى محال؛ فالناس فيه ثلاث فرق: حمله على ظاهره فضلوا، وسلّم طائفة
أنَّ له معنى لا يعلم وهم السلف، وقالت طائفة: المراد دنو رحمته وهبوب نسيم غفرانه
في وقت السحر للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، اللهمَّ احشرنا في زمرتهم، وامحُ
عنا سيئاتنا".
وقال (٨/٢٥٠): "هذا الحديث من
أحاديث الصفات، ومذهب السلف: الإمساك عن القول فيه، والتفويض إلى علمه تعالى،
ومذهب الخلف: التأويل إلى معنى يلائم المقام".
١٩- وقال الإمام الحافظ المجتهد، جلال
الدين السيوطي (ت:٩١١هـ) في كتابه (التوشيح شرح الجامع الصحيح) (٣/
٩٨٩): "«ينزل ربنا»: هو من أحاديث الصفات المشكِلة، ولأهل السنة فيها مذهبان:
الإيمان بها على طريق الإجمال مع التنزيه عن الكيفية والتشبيه وهو مذهب السلف،
والتأويل على وجه يليق وهو مذهب الخلف".
وقال في كتابه (الديباج شرح صحيح
مسلم بن الحجاج) (٦/ ١٨): "«إنَّ قُلوبَ بَني آدَمَ كُلَّها بينَ
إصبَعَينِ» الحديث. قال النووي: فيه المذهبان: التفويض، أو التأويل على المجاز
التمثيلي".
وقال في (الديباج) أيضًا (٢/ ٢١٦) في
شرح حديث الجارية «فأين الله؟ قالت: في السماء...»: "هو من أحاديث
الصفات يُفوض معناه ولا يخاض فيه مع التنزيه، أو يُؤول بأنَّ المراد امتحانها هل
هي موحدة تقر بأنَّ الخالق المدبر هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء،
كما إذا صلى له يستقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصرًا
في جهة الكعبة، بل ذلك لأنَّ السماء قبلة الداعين كما أنَّ الكعبة قبلة المصلين،
أم هي من الذين يعبدون الأوثان التي بين أيديهم".
قال القاضي عياض: "لا خلاف بين المسلمين قاطبة أنَّ
الظواهر الواردة بذكر الله في السماء ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم، فمن
قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين يؤول
قوله تعالى: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَاۤءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ أي: على السماء، ومن قال من دَهماء
النظّار وأصحاب التنزيه: بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه تعالى، تأولوها تأويلاتٍ
بحسب مقتضاها".
٢٠- وقال الإمام الحجة شهاب الدين
القسطلاني (ت:٩٢٣هـ) في كتابه (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) (٧/
٣٢١): "واختلف أئمتنا في ذلك؛ هل نؤوّل المشكل أم نفوض معناه المراد إليه
تعالى؟ مع اتفاقهم على أنَّ جهلنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه،
والتفويض مذهب السلف وهو أسلم، والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم؛ أي أحوج إلى مزيد
علم، فنؤوّل الإصبع هنا بالقدرة؛ إذ إرادة الجارحة مستحيلة".
٢١- وقال الإمام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري
(ت:٩٢٦هـ) في كتابه (منحة الباري بشرح صحيح البخاري) (١/ ٢٤٢): "(وجه
الله) أي: جهتُه، وهذا من المتشابه، ففيه مذهبان: التفويض والتأويل".
٢٢- وقال الإمام المُلّا علي القاري
(ت:١٠١٤هـ) في كتابه (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) (١/ ٧٦):
"(بيده)؛ أي: كائنة بنعمته، وحاصلة بقدرته، وثابتة بإرادته، ووجه استعارة
اليد للقدرة أنَّ أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا، وهي من المتشابهات".
ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله
تعالى مع التنزيه عن ظاهره، وهو أسلم؛ حذرًا من أن يُعيَّن له غير مراد له تعالى،
ويؤيده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا
یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ وعدُّوه وقفًا لازمًا، وهو ما في وصله
إيهام معنى فاسد، ومن ثَمَّ قال أبو حنيفة - رحمه الله: "تأويل اليد
بالقدرة يؤدي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره
الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده، ولا يشتغل بتأويله؛ فنقول: له يد على ما
أراده، لا كَيدِ المخلوقين".
ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق
بجلال الله تعالى وتنزيه عن الجسم والجهة ولوازمها بناءً على أنَّ الوقف على ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ
فِی ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران: ٧]، وكان ابن عباس يقول: "أنا أعلم
تأويله، وأنا من الراسخين في العلم".
قيل: وهذا أعلم وأحكم؛ أي: يحتاج إلى
مزيد علم وحكمة، حتى يطابق التأويل سياق ذلك النص، وليس المعنى أنَّ مذهب الخلف
أكثر علمًا، فالمذهبان متفقان على التنزيه، وإنما الخلاف في أنَّ الأولى ماذا؛ أهو
التفويض أم التأويل؟
ويمكن حملُ الخلاف على اختلاف الزمان،
فكان التفويض في زمان السلف أولى لسلامة صدورهم وعدم ظهور البدع في زمانهم،
والتأويل في زمان الخلف أولى؛ لكثرة العوام وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام، وغلو
المبتدعة بين الأنام، والله أعلم بالمرام".
٢٣- وقال الإمام ابن عَلّان الصديقي
الشافعي (ت:١٠٥٧هـ)، في (الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية) (٣/
٧٧): "وهذا كله بناءً على مذهب الخلف القائلين بالتأويل وهو أحكم، ومذهب
السلف في ذلك وأمثاله: تنزيه الله تعالى عن ظاهره، وتفويضُ المراد منه إلى الله
تعالى، وهو أسلم".
٢٤- ونقل محدث الحرمين الشريفين؛ الإمام
المحدث عبد الله بن سالم البصري (ت:١١٣٤هـ)، في كتابه (ضياء الساري في
مسالك أبواب البخاري) (١٠/ ٣٤٣): كلامَ الحافظ ابن حجر – الآتي - في
شرح حديث النزول، واعتمده شرحًا للحديث.
٢٥- ونقل الإمام الحافظ اللُّغوي، محمد
مرتضى الزبيدي (ت:١٢٠٥هـ)، في (إتحاف السادة المتقين) (٨/ ٣٤١): كلامَ
الحافظ أبي زُرعة العراقي السابق، واعتمده وأقره.
٢٦- وقال العلامة الشَّبيهي الزَّرْهوني
(ت: ١٣١٨هـ) في كتابه (الفجر الساطع على الصحيح الجامع) (١١/ ١٠٧): "الإصبع
المعهود محال في حقه تعالى، وسبيل إطلاقه عليه سبيلُ غيره من المتشابه؛ كالوجه
والعين واليد وغير ذلك، ومذهب السلف في ذلك التفويض والتنزيه وهو أسلم، ومذهب
الخلف: التنزيه والتأويل وهو أعلم؛ أي: يحتاج إلى مزيد علم".
٢٧- وقال شيخ شيوخنا العلامة المحدث
الدكتور: محمد محمد أبو شَهبة (ت:١٤٠٣هـ)، في كتابه (دفاع عن السنة) (ص
١٣٦): "وللعُلماء في هذا وأمثاله رأيان:
أ- رأي السلف؛ وهو الإيمان به كما ورد، مع
عدم التمثيل والتكييف، وتنزيه الله عن ظاهره المعروف لنا، وتفويض علم معرفة حقيقته
إلى الله -عزَّ وجلَّ.
ب- رأي
الخلف - وهم المؤولة - وقد حملوا الكلام على المجاز؛ وذلك بتمثيل حب الله أولياءه
المؤمنين وكراهية إيذائهم وإساءتهم، بهذه الصورة المعبرة المفهومة عند البشر".