الكرامة هي أحداث خارقة للطبيعة تظهر على يد أولياء الله والصالحين من عباده، وتُعتبر دليلًا على صدق إيمانهم وقربهم من الله - عز وجل -، بخلاف المعجزة التي يظهرها الله تعالى على يد أنبيائه لتأييدهم في صدق دعوتهم، وتبليغ رسالتهم.
الكرامة هي أحداث خارقة للطبيعة تظهر على يد أولياء الله والصالحين من عباده، وتُعتبر دليلًا على صدق إيمانهم وقربهم من الله - عز وجل -، بخلاف المعجزة التي يظهرها الله تعالى على يد أنبيائه لتأييدهم في صدق دعوتهم، وتبليغ رسالتهم.
الكرامة لغة: الكرامة هي الأمر الخارق للعادة غير المقرون بالتحدي ودعوى النبوة، يظهره الله على أيدي أوليائه، والغطاء يوضع على رأس الجرة أو القدر، والعزة [مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، ج٢، ص٨١٦].
واصطلاحًا: هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، وإذا لم يكن مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح، يكون استدراجًا، وإذا كان مقرونًا بدعوى النبوة يكون معجزة [الجرجاني: التعريفات، ص١٨١].
وهي ثابتة بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فقد جاء ذلك في قصة مريم - عليها السلام -، وقصة أصحاب الكهف، وقصة بلقيس، ملكة سبأ وكيف طلب سليمان عرشها فأتى له به عبد من عباد الله قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه [البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، بيروت، ج٢، ص١٦، وانظر الفخر الرازي: التفسير الكبير، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، طهران ١٩٩٣م، ج٢١، ص٢٠٥].
كما وردت كرامات كثيرة عن الصحابة رضوان الله عليهم، من أهمها كرامة يا سارية الجبل [ابن سيد الناس: المقامات العلية في الكرامات الجلية لبعض الصحابة رضوان الله عليهم، تحقيق: عفت وصال حمزة، القاهرة ١٩٨٦م]، والتوسل بالعباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - في عام الرمادة، وغير ذلك من الكرامات.
وكتاب "حلية الأولياء لأبي نعيم" ملئ بالكرامات التي حدثت للأولياء من عباد الله الصالحين، وكثير من الكتب قد تناول كرامات الأولياء بالعرض والتحليل، ومنها "جامع كرامات الأولياء، للنبهاني الذي يُعَدُّ من أكبر الموسوعات التي حوت الكرامات، وكان النبهاني يرى أن كل ما كان كرامة لولي فهو معجزة لنبيه [النبهاني: جامع كرامات الأولياء، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، طبعة الحلبي الطبعة الثالثة، القاهرة ١٩٨٤م، ص ١١].
ولقد تباينت المواقف التي وقفتها الفرق الإسلامية من الكرامات، فلقد آمن بها قوم وأنكرها آخرون، وحواراتهم حيالها تدل دلالة صريحة على ما احتلته القضية من مكانة في الفكر الإسلامي، ونحن هنا لن نستطيع تتبع موقف هذه الفرق من الكرامات، فهو أمر يطول شرحه وإنما نتناوله بإشارات سريعة.
فالمعتزلة ينكرون وجود الكرامات ويسوقون حجة ضدها وهي حجة الزمخشري في تفسيره للآية : {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن:٢٦-٢٧] التي يفسرها بقوله: "لا يطلع على الغيب إلا المرضيّ الذي هو مصطفى للنبوة خاصة لا كل مرتضى، وفى هذا إبطال للكرامات؛ لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال الكهانة و التنجيم؛ لأن أصحابها أبعد شيء من الإرضاء و أدخله في السخط" [الزمخشري: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ج٥، ص ١٦٩، تحقيق:
محمد مرسى عامر، دار المصحف القاهرة، ١٩٨٨م]، وهي تؤيد حدوث أية معجزة يجريها الله على يد رسله لكي يظهر حقيقة رسالتهم، ولكنها في نفس الوقت تنكر حدوث أيه ظواهر غير طبيعية على يد غير الرسل، وفي النص الذي سقناه يبطل الزمخشري الكرامات المتعلقة بنوع واحد من الكرامات، وهو الاطلاع على الغيب فقط دون أن ينصب على غيرها من الأنواع، وقالوا: لو جازت الكرامة لأحد من الناس لأشبهت المعجزة ويقول الجبائي: إذا كان الأولياء يتميزون بهذه الخاصية فكيف نفصلهم عن الأنبياء؟ وأنه لو جازت الكرامة لأشبهت بالمعجزة فلا تبقى للمعجزة دلالة على ثبوت النبوة... وحينئذٍ تصير عادة فلا يبقى ظهورها دليلًا على النبوة، ويُطْوَى بساط النبوة رأسًا [السبكي: طبقات الشافعية ج٢، ص ٣١٧- ٣١٩]، وقد نقد السبكي هذه الحجة قائلًا: وجميع ما ذكروه في هذه الشبهة تمويه، ولا حاصل تحته، وقعقعة لا طائل فيها [المرجع السابق، ج٢، ص٣١٩]، ورأى المعتزلة أن تجويز الكرامة يفضي إلى السفسطة؛ لأنه يقتضي تجويز انقلاب الجبل ذهبًا إبريزًا أو البحر دمًا عبيطًا [المرجع السابق، ج٢، ص٣١٦]، ولقد شارك مفكرو المعتزلة في وجود مناقشة عقلانية حول الكرامات، الأمر الذي أوجد حوارًا كان له أثره في كتابات المفسرين، ولم يكن موقف المعتزلة ضد الكرامات من منطلق عقلاني، بل كان من منطلق عقائدي أساسه المعجزات.
ولقد كان الزمخشري متأرجحًا في آرائه تجاه الكرامات، فهو ينكر نوعًا منها، ثم يؤمن بها في مواضع أخرى، فهو يفسر قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:٤٠] بقوله: "الذي عنده علم من الكتاب رجل كان عنده اسم الله الأعظم... وقيل: هو آصف بن برخيا كاتب سليمان، وكان صِدِّيقًا عالمًا" [الزمخشري: الكشاف، ج٢، ص٤٩]، فهذا الرجل كان قادرًا على أن يأتي بعرش بلقيس في أقل من طرفة عين، فكيف يستدل من أقواله على أنه ضد الكرامات، ويبني المعتزلة آراءهم ضدها من خلاله، والأهم من ذلك أن حججهم واهية، وهي تقوم على تشبيه الكرامة بالمعجزة، فهل لو جاءت كرامة غير متشابهة أكانوا مصدقين؟ وكان الأجدر بهم أن يبنوا حججهم على أساس عقلاني يدَّعونه.
أما الأشعرية، فإنهم يتفقون مع المعتزلة في رأيهم تجاه الكرامات إلا أنهم يعترفون بها لإمكان حدوثها العقلاني، فمثلما يكرم الله الأنبياء بالمعجزات التي تحدث على أيديهم فمن الجائز أن يكرم الله أولياءه بالكرامات، إلا أنهم رأوا ألا توضع مع المعجزات في نفس المستوى، فالمعجزة تتطلب الإعلان عنها والتحدي بها، أما الكرامة فتحدث بالسر ولا تحمل التحدي في طياتها، والحقيقة أن موقف الأشعرية من الكرامات غير واضح، فهم تارة يقفون في صفوف المعتزلة، وتارة أخرى يقفون موقفًا يبدو متناقضًا.
وأما الفلاسفة، فقد تباينت آراؤهم في الكرامات، فابن سينا يرى أن الكرامات والمعجزات داخلة في مجال القضاء والقدر الضروري حدوثه، والذي يحدث في محيط علم الله وإرادته.. والفرق بين الرسول والولي هو أن الرسول يولد بطبيعة مغايرة... أما الولي فيكتسب الخصائص من خلال طريق التصوف والزهد، وهو أقل درجة من الرسل.. ولا ينكر ابن سينا وجود الكرامات، ولكنه يحذر الناس الضعفاء منها، ويتحدث ابن سينا عما أسماه الكشف [الكشف: "زوال الحجب عن عين القلب فيشاهد عيون الأنوار ومخبآت الأسرار" انظر: الصاوي (أحمد) الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية على الصلوات الدرديرية، ص١٢٥]، أما ابن رشد فإنه يرى أنه لا يمكن أن تحدث معجزة إلا عند وجود استحالة، والاستحالة الممكنة تُعرف بأنها تغيير صفة الشيء وليس جوهره أو مادته، ولكن الشيء يكون مستحيلًا بالنسبة للإنسان أما حدوثه نفسه فليس مستحيلًا.
ويذهب ابن خلدون إلى إثبات الكرامات للأولياء حيث يقول: "وأما الكلام في كرامات القوم وأخبارهم بالمغيبات، وتصرفهم في الكائنات، فأمر صحيح غير منكر، وإن مال بعض العلماء إلى إنكارها فليس ذلك من الحق؛ وما احتج به الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني من أئمة الأشعرية على إنكارها لالتباسها بالمعجزة فقد فرَّق المحققون من أهل السنة بينهما بالتحدي، وهو دعوى وقوع المعجزة على وفق ما جاء به، قالوا ثم إن وقوعها على وفق دعوى الكاذب غير مقدور؛ لأن دلالة المعجزة على الصدق عقلية، فإن صفة نفسها التصديق، فلو وقعت مع الكاذب لتبدلت صفة نفسها وهو محال، هذا مع أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات، وإنكارها نوع مكابرة [ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الشعب القاهرة، ص٤٤٨]، فابن خلدون - هنا - يقرر تصديقه بالكرامات، بل مشاهدتها، ويدافع عن الصوفية وما يقع منهم من شطحات، وفيما يتعلق بالشيعة وموقفهم من الكرامات، فإنهم يقبلونها ويفصلونها عن المعجزات، وقد روى الشيخ حسين بن عبد الوهاب (من علماء القرن الخامس الهجري) عددًا من الكرامات المنسوبة للأئمة من الشيعة [حسين بن عبد الوهاب: عيون المعجزات، قم إيران، ١٣٩٥هـ ، ص٩٥].
أما عن رؤية الفقهاء حيال الكرامات، فقد قيل لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله إن الصحابة لم يُروَ عنهم من الكرامات مثل ما قد روى عن الأولياء الصالحين، فكيف هذا؟ فقال: أولئك كان إيمانهم قويًا فما احتاجوا إلى زيادة شيء يُقَوُوُنَ به، وغيرهم كان إيمانهم ضعيفًا لم يبلغ إيمان أولئك فَقُوُوُا بإظهار الكرامات لهم [اليافعي: روض الرياحين، ص٣٦]، وإرجاع الكرامات إلى ضعف الإيمان يجعل الكرامة في موازاة المعجزة تبعًا لوظيفتهما.
وقد ذكر ابن كثير - وهو فقيه شافعي - في كتابه البداية والنهاية فصلًا عن الكرامات تحت مسمَّى حديث فيه كرامة، وهي معدودة من المعجزات؛ لأن كل ما يثبت لولي فهو معجزة لنبيه [ابن كثير: البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٥، ج٦، ص١٦١]، ويرى القرطبي، أن كرامات الأولياء ثابتة على ما دلت عليه الأخبار الثابتة والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق أو الحائد، والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شروطها الاستتار، والمعجزة من شروطها الإظهار [القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج١١، ص١٦].
وأما الصوفية، فيؤمن معظمهم بالكرامات ويفصلون المعجزات عن الكرامات فصلًا تامًا، ويرى بعضهم سريتها ويحذرون من إظهارها.
مراجع الاستزادة:
الكرامة في الفكر الإسلامي هي أمر خارق للعادة يظهره الله على يد أوليائه دون اقترانه بدعوى النبوة، وقد ثبتت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد اختلفت الفرق الإسلامية حولها، فالمعتزلة أنكروها لاعتقادهم أنها تشبه المعجزة وتبطل دلالتها، بينما قبلها الأشاعرة والفلاسفة، وأثبتها الصوفية مؤكدين على سريتها، بينما أثبتها الفقهاء مع تفريقهم بينها وبين المعجزة من حيث العلانية والهدف.