Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النبوة - الرسالة - النبي - الرسول

الكاتب

أ.د بكر زكي عوض

النبوة - الرسالة - النبي - الرسول

 تعدّ النبوة والرسالة من أركان العقيدة الإسلامية، ويشكل التمييز بينهما موضوعًا هامًا لفهم أصول الدين، يستعرض هذا البحث الدلالات اللغوية والشرعية لكلمتي "نبي" و "رسول" في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، مع تسليط الضوء على أبرز الفروق والتعريفات التي طرحها علماء المسلمين، وصولًا إلى بيان الرأي الراجح في هذه المسألة.

الفرق بين النبي والرسول من الناحية الشرعية واللغوية

الدلالة اللغوية وصلة الدلالة الشرعية بها لا سبيل لفهم النص القرآني والحديث النبوي إلا بالرجوع إلى استخدامات العرب للكلمة محل التناول بالبحث، ومن نصوص القرآن ندرك القطع بكونه بلسان عربي مبين، مع بيان الحكمة من ذلك، قال تعالى: {‌إِنَّا ‌جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [الزخرف: ٣]، قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا ‌عَرَبِيّٗا ‌لَّعَلَّكُمۡ ‌تَعۡقِلُونَ} [يوسف:٢]، ولهذا كان الرجوع إلى معاجم اللغة العربية قيدًا لا بد منه لبيان تحديد هذه المفاهيم ونبدأ به:  

وردت مادة "نبأ" ومادة "نَبَّأ" بمعان متعددة في لغة العرب، منها ما له صلة بموضوع المفردة المراد تناولها بالبيان ومنها ما لا صلة له بها.

 ومما هو مراد في نبأ قولهم: والنبوة الارتفاع، النَبّو العُلُو والارتفاع، والنَبّوة والنباوة والنبّي ما ارتفع من الأرض، وفي الحديث: «فَأُتِيَ بِثَلاثَةِ قِرَصَةٍ فوضعن على نبئ» [الحديث: لم أقف عليه في كتب السنة]

 أي على شيء مرتفع من الأرض.. والنبوة الشرف المرتفع من الأرض، ومنه الحديث: «لَا تُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ» [لم أقف عليه في كتب السنة] أي: على الأرض المرتفعة المحدورة والنبي: العَلَم - أي الجبل أو المكان العالي أو الإشارة - من أعلام الأرض التي يهتدي بها، ومنه اشتقاق النبي؛ لأنه أرفع خلق الله وذلك لأنه يُهتدي به.

وعن ابن السكيت: النبي هو الذي أنبأ عن الله فترك همزه، قال: وإن أخذت النبي من النبوة والنباوة وهي الارتفاع من الأرض، لارتفاع قدره ولأنه شرف على سائر الخلق، فأصله غير الهمز، وقيل: النبي ما نبا من الحجارة إذا نجلتها الحوافر، والنبي الطريق والأنبياء طرق الهدى، قال أبو معاذ النحوي: سمعت أعرابيًّا يقول: من يدلني على النبي؟ أي الطريق وقال الزجاج: القراءة المجتمع عليها في النبيين والأنبياء طرح الهمزة، وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القرآن من هذا.

واشتقاقه من نبأ وأنبأ أي أخبر، قال: والأجود ترك الهمز؛ لأن الاستعمال يوجب أن ما كان مهموزًا من فعيل فجمعه فعلاء، تقول: نبي وأنبياء بغير همز، فإذا همزت قلت نبي ونباء كما تقول في الصحيح، قال: وقد جاء أفعلاء في الصحيح وهو قليل، ومن غير المهموز: حديث البراء، قلت: «وَرَسُولك الَّذِي أَرْسَلْتَ ، فَرَدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» قال ابن الأثير: إنها رد عليه ليختلف اللفظان [لسان العرب مادة "نبأ" والحديث في فتح الباري ١/٣٥٧] قلت - أي كاتب المفردة - إنما أراد الجمع بين تثبيت النبوة وإثبات الرسالة، فليس كل رسول بنبي في لغة العرب وبه ورد القرآن فلا رسول بالمعنى الشرعي إلا إذا كان نبيًّا، وإلا استوى الوصف بالإرسال مع الآخرين الذين يحملون رسائل وليس لهم نبوة.

كما أطلق العرب كلمة نبي على بعض الأمكنة وبعض النباتات وبعض عيون المياه، وهو خارج عن موضوعنا.

 وأما مادة "نبأ" بالهمز فمعناها الخبر والجمع أنباء وإن لفلان نبأ أي خبرًا والنبيء المخبر عن الله -عز وجل- كلية لأنه أنبأ عنه ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه، يقال: نبأ وأنبأ قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي، كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة فإنهم يهمزون هذه الأحرف، ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك، قال: والهمز في النبيء لغة رديئة يعني لقلة استعمالها لا لأن القياس يمنع من ذلك، ألا ترى إلى قول سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له يا نبئ الله، فقال له: «لَا تَنْبِرْ بِاسْمِي، فَإِنَّمَا أَنَا نَبِيُّ اللَّهِ وَلَسْتُ بِنَبِيءِ اللَّهِ»، وفي رواية فقال: «لَسْتُ بِنَبِيءِ اللَّهِ وَلَكِنِّي نَبِيُّ اللَّهِ»  [المستدرك ٢/٢٣١ وكنز العمال٣٢١٤٨] وذلك أنه - عليه السلام - أنكر الهمز في اسمه، فرده على قائله؛ لأنه لم يرد بما سماه.

جمع كلمة "نبي"

صيغ جمع كلمة "نبي" وفي الجمع وردت صيغ عدة منها: أنبياء، قال الجوهري: وتنبأ الرجل ادعى النبوة، والنابئ الخارج من أرض إلى أرض، ويوصف به الحيوان والمطر والإنسان ومنه قول الأعرابي للرسول - صلى الله عليه وسلم ـ يا نبئ الله، فهمز، أي: يامن خرج من مكة إلى المدينة، فأنكر الرسول عليه الهمز؛ لأنه ليس من لغة قريش، والنبيء الطريق الواضح [لسان العرب مادة نبأ].

وفي تهذيب إصلاح المنطق ورد وكذلك النبي - صلي الله عليه وسلم - وهو من أنبأ عن الله، فترك همزة، وإذا أخذته من النبوة، وهي الارتفاع من الأرض أي: أنه شرف على سائر الخلق، فأصله غير الهمز [تهذيب إصلاح المنطق الخطيب التبريزي ص ٣٨٨]

وللعرب في جمع كلمة نبي آراء تبلغ حدًا في الكثرة ولكنها ليست من مراد البحث فوجب الرجوع إلى المعاجم عند الطلب.

وبهذا يدعي كل من اختاره الله للنبوة والرسالة بالنبي؛ لأنه علا وارتفع بهذا الاصطفاء؛ لأنه صار طريقًا موصلًا إلى الله؛ ولأنه يخبر من جهة ربه ويخبر بما أوحي إليه به، عند من ذهب إلى وجوب التبليغ بعد العلم به.

مادة النبي والرسول في القرآن

إطلاقات الكلمة في القرآن الكريم إذا كانت مادة "نبأ" ومادة "نبا" قد وردت بمعان عدة في لغة العرب، فإن القرآن قد ذكرها بمعان محددة - على الراجح - ولم يستخدم كل دلالتها في لغة العرب، وإنما أبرز أهم إطلاقتها ومن ذلك:

تحدث القرآن عن مادة "نبا" و"نبأ" بأسلوب الماضي والمضارع والأمر، كما ذكر المصدر، وذكر المفرد منه والجمع، وتدور المادة في مجملها حول الخبر، سواء أتعلق الأمر بمصدر الخبر أم بمن أخبر به أم بطالب الإخبار عن أمر من الأمور أم بالوعد بالإخبار به عاجلًا أو أجلًا [اقرأ ما كتب مفصلًا حول هذا الأمر في الكشف عن وجود القراءات السبع وعللها وحجها ١/٢٤٣-٢٤٥].

١- النبوة منصب النبي وجماع مميزاته وخصائصه التي بها يصير نبيًّا، وأصله النبوءة بالهمز فخفف، وقد وردت في آل عمران ٧٩ والأنعام ٨٩ والعنكبوت ٢٧ والجاثية ١٦والحديد ٢٦.

٣ - النبي: من يصطفيه الله من عبادة البشر؛ لأنه يوحي إليه بالدين والشريعة فيها هداية للناس، وأصل النبيء بالهمز من أنبأ؛ لأنه ينبئ عن الله سبحانه أو لأنه ينبئ بما يوحى إليه، جرى فيه التخفيف بقلب الهمز ياء كما في البرية في البريئة، وقد قرئ في القراءات السبعية النبيء على الأصل [معجم ألفاظ القرآن الكريم ج٢ /٦٧٥ مادة نبأ] ويجمع النبي على النبيين والأنبياء.

إذا ورد لفظ النبي في الكتاب - القرآن - معرفًا بأل فالمراد به محمد - صلى الله عليه وسلم ـ وإذا ورد منكرًا أو معرفًا بالإضافة فالمراد غيره [من الأشباه والنظائر ص ٦٥والحديث في المستدرك ١/٢٣١]

 مادة رسل في لغة العرب: ورد في لسان العرب الإرسال التوجيه، الاسم الرسالة، والرسول بمعنى الرسالة يؤنث ويذكر، فمن أنث جمعه أرسلًا، قال الشاعر

..... ......  قد أتتها أرسلي

والرسول يطلق على الرسالة والُمرسَل، ومن أشعار العرب:

ألا من مبلغ عني خفافًا .... رسُولا بيت أهلك منتهاها

 فأتت كلمة الرسول حيث كان بمعنى الرسالة، ومنه قول كثير عزة:

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم..... بسرّ ولا أرسلتهم برسول

وكلمة الرسول بمعنى واحد، ويستوي فيها المذكر والمؤنث، وفي التنزيل {‌إِنَّا ‌رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [مسند أحمد ٥/٢٦٥، ٥/،٥-١٧٨-١٧٩] ولم يقل رسل رب العالمين، ومن شعر العرب:

أَلِكَني إليها وخير الرسول.... أعلمهم بنواحي الخبر

 أراد بالرسول: الرسل، فوضع الواحد موضع الجمع.

والرسول في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذًا من قولهم جاءت الإبل رسلًا أي: متتابعة، وسمي الرسول رسولًا؛ لأنه ذو رسالة وأرسل الشيء: أطلقه وأحمله، وقوله - عز وجل: {أ َلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ‌تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا} [مريم: ٨٣] [الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/٢٤]

قال الزجاج في قوله تعالى {أَرۡسَلۡنَا}، وجهان: أحدهما: أننا خلينا الشياطين وإياهم، فلم نعصمهم من القبول منهم.

 الثاني: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم، كما قال تعالى: {وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ‌نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ} [الزخرف: ٣٦]. 

 قال أبو العباس: الفرق بين إرسال الله ـ عز وجل ـ أنبياء، وإرسال الشياطين على أعدائه في قوله تعالى: {أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} أن إرساله الأنبياء إنما هو وحيه إليهم أن أنذروا عبادي، وإرساله الشياطين على الكافرين تخليته وإياهم.

وبهذا يكون الإرسال في لغة العرب دالًّا على معان عدة أخصها بالذكر هنا: الاصطفاء والاختيار وتحميل الرسالة والتكليف بالتبليغ لها بصرف النظر عن مضمونها من حيث الخير والشر والحق والباطل وكذلك عن مصدرها فقد يكون من الله وقد يكون من الإنسان إلى الإنسان على اختلاف نوعه.

المترتب على النبوة والرسالة

ما يترتب على النبوة والرسالة: ورد في كتاب من الأشباه والنظائر في القرآن الكريم "النبوة سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لإزاحة علتهم في أمور المعاش والمعاد وقد سمى المتلبس بها نبيًّا؛ لأنه ينبئ بما تسكن إليه العقول الذكية وترى فيما يجيئها به من تكاليف صلاحًا لأمورها واستقامة لحياتها".

وقد جاز عند اللغويين أن يكون النبي بمعنى الفاعل أي: المنبئ وذلك من مثل قوله تعالى: {‌نَبِّئۡ ‌عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الحجر: ٤٩]، وقوله: {قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم ‌بِخَيۡرٖ ‌مِّن ‌ذَٰلِكُمۡۖ} [آل عمران: ١٥]، وقوله: {أَنَا۠ ‌أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} [يوسف: ٤٥]،  كما جاز أن يكون بمعنى المفعول وذلك من مثل قوله تعالى: {قَدۡ ‌نَبَّأَنَا ‌ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ} [التوبة: ٩٤]، وقوله: {‌قَالَتۡ ‌مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ} [التحريم: ٣]، وقالوا: إنه من حق لفظ النبي أن يكون مهموزًا فيقال نبئ، غير أنه لما كان العرف قد جرى بأن المنبئ يصدق ويكذب فقد تجاوزوا عن هذا المهموز متى كان المتلبس به مبلغًا عن الله صادقًا، ونطقوا به مضعف الياء حين ظل المهموز منطلقًا على مدعي النبوة والمتقول على الله، ثم صُغر لزيادة مهانته وتحقيق كذبه ففي مسيلمة وأمثاله قيل: نُبَيّئ سوء وحين جلّ النبي عن الهمز معنى جلّ لفظه عن الهمز صورة، وقد أبغض نبي الله محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يناديه رجل قائلًا له: يا نبئ الله فقال له لست بنبيء الله ولكني نبي الله [المستدرك ٢/٥٩٧ - ل التاريخ - قال الذهبي وفيه السعد ليس بثقة]

دقيقة لغوية عن النبي والرسول

من دقائق اللغة بحق النبي والرسول: من يدقق في مدلول كلمة نبي ورسوله في لغة العرب يدرك أن كلمة نبي أخص من كلمة رسول، بل إن القرآن الكريم قد جاء بهذا المعنى، فلم تطلق كلمة نبي في لغة العرب بالمعنى الشرعي، أو القرآن الكريم إلا على من نبئ من قبل الله بالنبوة والرسالة ولندع الخلاف في الرسالة الآن، وأما كلمة رسول في اللغة فإنها تطلق على كل من يحمل رسالة حقًا كانت، أو باطلة وبهذا جاء القرآن.

قال تعالى: وهو يذكر قصة يوسف - عليه السلام - {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ‌ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ} [يوسف: ٥٠]، وقال بحق بلقيس {وَإِنِّي ‌مُرۡسِلَةٌ ‌إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ} [النمل: ٣٥]، وأما أدعياء النبوة فقد سماهم المسلمون بالمتنبئة للتفرقة بين المُنَبّأ ومدعي النبوة وأحيانًا يذكرونه بصيغة التصغير "نبيئ" للتحقير والازدراء.

النبي والرسول والعلاقة بينهما

العلاقة بين النبي والرسول في الإسلام جمهور علماء الكلام والمفسرين وأهل الحديث متفقون على التفرقة بين الوصف بالنبوة والوصف بالرسالة، حتى غلب على الفكر الإسلامي التفرقة بينهما حين السماع أو القراءة، ومرد التفرقة بين النبي والرسول ترجع إلى الآتي:

أولًا: وصف بعض الأسماء بالنبوة فقط في القرآن والسنة والبعض الآخر بالنبوة والرسالة في وقت واحد، قال تعالى بحق إبراهيم - عليه السلام: {فَلَمَّا ‌ٱعۡتَزَلَهُمۡ ‌وَمَا ‌يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا} [مريم: ٤٩]، قال تعالى: {وَٱذۡكُرۡ فِي ‌ٱلۡكِتَٰبِ ‌إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا} [مريم: ٥٦]، وقال بحق موسى: {وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ ‌أَخَاهُ ‌هَٰرُونَ نَبِيّٗا} [مريم: ٥٣]، وقال بحق زكريا: {‌فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [آل عمران: ٣٩]، وأما الوصف مقترنًا بالنبوة والرسالة معًا، فقد ورد في القرآن كثيرًا، ومنه قول الحق بحق موسى – عليه السلام - {‌وَٱذۡكُرۡ ‌فِي ‌ٱلۡكِتَٰبِ ‌مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا} [مريم: ٥١]، وقال بحق إسماعيل: {‌وَٱذۡكُرۡ ‌فِي ‌ٱلۡكِتَٰبِ ‌إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا} [مريم: ٥٤]، وقال بحق محمد - صلي الله عليه وسلم -: {‌ٱلَّذِينَ ‌يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ } [الأعراف: ١٥٧]، {‌فَـَٔامِنُواْ ‌بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ} [الأعراف: ١٥٨]، والجمع بين الوصف بالنبوة والوصف بالرسالة يؤكد الفرق بينهما.

ثانيًا: عطف القرآن كلمة نبي على كلمة رسول في سورة الحج قال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ ‌أَلۡقَى ‌ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ } [الحج: ٥٢]، والعطف يقتضي المغايرة.

ثالثًا: الأصل في اللغة العربية عدم الترادف، وكل ترادف من حيث الظاهر يحمل تغايرًا من حيث المعنى كما يرى علماء اللغة، وقد عرف العرب فرقًا كبيرًا بين إطلاقات كلمة نبي وكلمة رسول وبين النبوة والرسالة وبلغة العرب نزل القرآن، فوجب أن يفرق بينهما.

 رابعًا: فرقت السنة النبوية بين عدد الأنبياء وعدد الرسل في روايات عدة في كتب السنة منها ما رواه أحمد والنسائي وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كم المُرْسَلُونَ؟ قَالَ: «ثَلَاثمِائَة وبضع عشر جَمًا غفيرًا» [الأحاديث وغيرها من ذي الصلة بها موجودة في كتاب: آدم عليه السلام. عبد الله الغماري].

وفي رواية ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قلت: «يا رسولَ اللهِ كم الأنبياءُ؟ قال مائةُ ألفِ نبيٍ وأربعةَ وعشرونَ ألفًا، قلت يا رسولَ اللهِ كم الرسل ُمنهم قال ثلثمائةُ وثلاثةَ عشرَ جمٌ غفيرُ» الحديث [هذه التعريفات منقولة عن: مفاتيح الغيب للفخر الرازي ٢٣ /٤٨ وروح المعاني للألوسي ١٧٢/١٧ والتعريف الثالث ورد في السراج المنير ٢ /٥٥٩ والرابع عن روح البيان ٦ /٤٩].

روى ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه - أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَبِيًّا كان آدمُ؟ قالَ: «نَعَمْ، نَبِيُّ مُعلَّمٌ مُكلَّمٌ». قالَ: كم بيْنَهُ وبيْنَ نوحٍ؟ قالَ: «عَشْرة قرونٍ». قالَ: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مَائةَ أًلف وَأَربَعَة عَشر جَمًا غَفيرًا» [الحديث: ابن ماجه ٢٢٣ وكنز العمال ٢٨٦٧٩].

 ولهذه الأحاديث وغيرها طرق ذكرها الحافظ السيوطي في "الأماني التفسيرية" بتوسع

وقد نتج عن التفرقة بين النبي والرسول عند جمهور علماء المسلمين تعريفات عدة لكل من النبي والرسول نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

الفرق بين النبي والرسول

١ - الرسول: ذكر حر بعثه الله – تعالى - بشرع جديد يدعو الناس إليه.

النبي: يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بنى إسرائيل الذين بين موسى وعيسى.

٢ - الرسول: ذكر حر بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم وإن لم يكن جديدًا في نفسه كإسماعيل - عليه السلام - النبي يعمه ومن يبعث بشرع غير جديد.

٣ - الرسول: ذكر حر له تبليغ في الجملة وإن كان بيانًا وتفصيلًا لشرع سابق. النبي: من أوحي إليه ولم يؤمر بتبليغ أصلًا.

٤ - الرسول: من الأنبياء من جمع إلى المعجزة كتابًا منزلًا عليه.

النبي: من لا كتاب له وإن كانت له معجزات.

٥ - الرسول: من له كتاب أو نسخ في الجملة.

النبي: من لا كتاب له ولا نسخ.

٦ - الرسول: من يأتيه الملك - عليه السلام - بالوحى يقظه.

النبي: يقال له ولمن يوحى إليه في المنام لا غير.

٧- النبي: من أرسل إلى قوم مؤمنين أوحي إليه أم أمر بالعمل بشرع من سبقه.

الرسول: من أرسل إلى قوم كافرين [العقيدة الإسلامية - عبد الرحمن الميداني ٣٠٠،٣٠١ راجع النبوة والأنبياء ص ١٤ والنبوات ٢٥٧شرح العقيدة الطحاوية ١٥٨] وقد شبه صاحب هذا الرأي مهمة الأنبياء في الأمم السابقة بالعلماء في هذه الأمة قائلا: لأنه - أي النبي - لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق، كالعالم، ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: «الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» [شرح العقيدة الطحاوية ١٥٨].

٨ - الرسول: نبي اصطفاه الله فكلفه بتبليغ رسالته لخلقه.

النبي: صفة تطلق على من اصطفاه الله في فترة ما قبل الأمر بالبلاغ وقد نتج عن هذه التعريفات قول جمهور العلماء: إن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا [من الأشباه والنظائر ٦٦].

 يقول شارح الطحاوية" قد ذكروا فروقًا بين النبي  والرسول وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر السماء، إن أمره أن يبلغه غيره فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره فهو نبي وليس برسول، فالرسول أخص من النبي ، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها ولعلهم أخذوا من هذا الفصل أن النبي قد يكون رسولًا بشرع إلى الناس أو لا يكون إلا لنفسه كما قال سبحانه في يحيى - عليه السلام - قال تعالى: {‌مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا ‌وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [آل عمران: ٣٩] فلم تشر الآية: إلى أنه مرسل بشرع أو كتاب ومن ثم صاغوا قاعدتهم التي تقول: كل مرسل نبي وليس كل نبي مرسلًا [جوهرة التوحيد ص١٤٢]

ويقول صاحب تحفة المريد على جوهرة التوحيد "إن التبليغ خاص بالرسل، وبعضهم عممه للأنبياء؛ لأنه يجب على النبي أن يبلغ أنه نبي ليحترم" والرازي قد تناول مسائل عدة في آية سورة الحج، وفي المسألة الأولى منها ذكر قوله "من الناس من قال: الرسول والذي حدث وأرسل، والنبي هو الذي نبي وليس كل نبي رسولًا، وهو قول الكلبي والفراء" [مفاتيح الغيب ٢٧/٤٨-٤٩]

وقد انتصر الرازي للفرق بين النبي والرسول وذكر أدلته على ذلك فليراجع [٢٣/٤٩]

قول المعتزلة: كل رسول نبي وكل نبي رسول ولا فرق بينهما

الرأي الثاني: ونسبه الرازي في تفسيره إلى المعتزلة قائلًا: وقالت المعتزلة كل رسول نبي وكل نبي رسول ولا فرق بينهما [المرجع السابق ٢٣-٤٩] وليس الأمر قاصرًا على المعتزلة، بل أن كثيرين من الباحثين المعاصرين قد انتصروا لهذا الرأي وهو ما تميل إليه النفس، فلا مانع شرعًا ولا عقلًا من وصف الإنسان بصفات عدة وتسميته بمسميات، ذات دلالات من وجوه مختلفة فمن حيث هو مخاطب من قبل الله بطريق الوحي مخبر بالاصطفاء ملهم بتشريعات قد توافرت لديه الأدلة على اختياره للبلاغ فهو نبي ومن حيث تحمله للرسالة وتكليفه بالبلاغ فهو رسول، وكلما أتاه نص فقد نبئ به وصار مطالبًا بتبليغه فهو رسول وقد ردوا الرأي السابق بأدلة عدة نذكر منها.

أولًا: الوصف بصفة لا يقتضي نفي ما عداها، فالذين ورد ذكرهم في القرآن موصوفون بالنبوة دون الرسالة في بعض الآيات قد وصفوا بالإرسال صراحة أو ضمنًا في آيات أخرى، ويكفي للرد على هؤلاء أنهم حين تحدثوا عن عدد الرسل ذكروا أنهم خمسة وعشرون فلم يفرقوا بين النبي والرسول حين الحصر ومنهم من استثنى آدم وإدريس للخلاف في رسالتهم - كما يزعمون - مع أن النص على رسالة آدم ورد في السنة المطهرة صراحة وفي أحاديث صحيحة.

ثانيًا: القرآن وصف الأنبياء بما وصف به المرسلين بدلالة المنطوق ودلالة المفهوم، أما دلالة المنطوق ففي قول الحق سبحانه: {وَمَآ ‌أَرۡسَلۡنَا ‌فِي ‌قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف: ٩٤] {وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا ‌مِن ‌نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ *وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} [الزخرف: ٦-٧] {‌كَانَ ‌ٱلنَّاسُ ‌أُمَّةٗ ‌وَٰحِدَةٗ ‌فَبَعَثَ ‌ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ} [البقرة: ٢١٣] وقد أمر المسلمون بقول الحق: {‌قُولُوٓاْ ‌ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [البقرة: ١٣٦] وبهذا أمر محمد – صلى الله عليه وسلم - {قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ ‌وَمَآ ‌أُنزِلَ ‌عَلَيۡنَا ‌وَمَآ ‌أُنزِلَ ‌عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [آل عمران: ٨٤]  ويفهم من منطوق هذه النصوص أنه لا فرق بين النبي والرسول من ناحية الاصطفاء والوحي والرسالة والبلاغ ووجوب الإيمان بهم بلا تفرقة في الإيمان وأما دلالة المفهوم فهي مأخوذة من سياق النصوص التي صرحت بعداء المشركين للأنبياء مع وصف الأنبياء بالإرسال في كثير من أي القرآن الكريم قال تعالى: {وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا ‌مِن ‌نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ *وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} [الزخرف: ٦-٧] {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ ‌وَكَفَىٰ ‌بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا} [الفرقان: ٣١].

 وحين لعن اليهود دلت النصوص على أنهم - أي الأنبياء - بلغوا، فأذاهم اليهود إلى حد القتل، قال تعالى: {ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ ‌إِلَّا ‌بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ}[آل عمران: ١١٢]، {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ‌ثُمَّ ‌يَقُولَ ‌لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} [آل عمران: ٧٩] ويفهم من مجموع الآيات أن الأنبياء بلغوا، وقد ترتب على البلاغ الاستهزاء والعداء والقتل من قبل الخصم .

 ثالثًا: العطف الوارد في سورة الحج لا يؤكد وجوب البلاغ على الرسل وتركه في حق الأنبياء، بل يؤكد تبليغ كل منهما، بدليل قول الحق: {إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ} [الحج: ٥٢] أي بلغ أو قرأ، أو أدى الرسالة والخطاب للجمع بين ما تعارف عليه الناس، وقيل: هو من عطف الخاص على العام.

رابعًا: الأحاديث التي فرقت بين الرسل والأنبياء فيها ضعف، كما ذكر ذلك بعض العلماء [راجع المنار٧/٦٠٥-٦٠٦وآدم عليه السلام. د. الغماري]

والروايات فيها مضطربة من حيث الأعداد، وعلى فرض التسليم بصحتها عند من صححها يكون الوصف بالرسالة خاصًا بمن نزلت عليهم كتب، والوصف بالنبوة خاصًا بمن أوحى إليهم مأمورين بالعمل بكتب من سبقهم {إِنَّآ أَنزَلۡنَا ‌ٱلتَّوۡرَىٰةَ ‌فِيهَا ‌هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ }[المائدة: ٤٤].

 خامسًا: دلالة العقل:

إذا كان التبليغ واجبًا على كل الناس بحسب ما يدركون من الدين أفلا يكون واجبًا على النبي الذي نزل عليه وحي الله؟ والقول بأن النبي هو من نزل عليه الوحي ولم يؤمر بتبليغه، إن هذا أمر يتنافى مع العقل بل هو عبث تنزه الله عنه، إذ كيف يتنزل وحي على إنسان اصطفاه الله ثم لا يأمره بتبليغه، إذا كان الأمر كذلك وهو ما تنزه الله تعالى عنه  فما الفائدة من تنزيل هذا الوحي [الإسلام كما ينبغي أن نعرفه ٧٤ بتصرف ابن هشام ٤/٢٤٧]

وقد صرح القرآن بحرمة كتم العلم، قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ‌يَكۡتُمُونَ ‌مَآ ‌أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ} [البقرة: ١٥٩]، وأولى الناس للعمل بهذا النص هم الأنبياء.

سادسًا: في ضوء اللغة العربية كلمة نبي أخص وكلمة رسول أعم، فكل نبي رسول وليس كل رسول نبيًا، بعكس ما ذهب إليه علماء الكلام، بل إن العرب قد فرقوا بين النبي: أي الموحى إليه بشرع، والمتنبئ: أي مدعي النبوة، وأما الرسول فإنها تطلق على من أوحى إليه بشرع ومن حمل رسالة إلى غيره دون اعتبار لمصدرها، وقد أطلق القرآن كلمة رسول على كل من كلف بحمل رسالة من المرسلين وغير المرسلين، كما ورد بحق يوسف وحق بلقيس، وفي السنة المطهرة قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم-: «لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُل لاَ تُقْتَل لَقَتَلْتُكُمَا»  [ابن هشام ٤/٢٤٧] وورود الكلمة غير مضافة إلى الله - عز وجل - أو الرب يجعلها ذات دلالات عدة، ما لم تضف أو توصف أو تعود أو تقدم بما يحدد المراد منها في اصطلاح علماء الكلام.

هل النبوة كسب أم اصطفاء

النبوة والرسالة بين الكسب والاصطفاء: ليس للكسب والاجتهاد سبيل لتحصيل النبوة وإدراك الرسالة، وإن كان الالتزام الفطري قائمًا برعاية وعناية إلهية،

والحق سبحانه أخبرنا بأن كثيرين ممن عرفنا اسمهم سينالون النبوة عند بلوغ أشدهم، كما في حديث القرآن عن

 إسحاق، ويعقوب، وموسى، وعيسى، ويحيى - عليهم السلام - فلا سبيل للكسب.

وفي جوهرة التوحيد ورد "ولم تكن نبوة مكتسبة، أي لا يكتسبها العبد بمباشرة أسباب مخصوصة كملازمة الخلوة والعبادة وتناول الحلال كما زعمت الفلاسفة، فالذي ذهب إليه المسلمون جميعًا أن النبوة خصيصة من الله لا يبلغ العبد أن يكتسبها ويفسرونها باختصاص العبد سماع وحي من الله تعالي بحكم شرعي تكليفي.. وذهبت الفلاسفة إلى أن النبوة مكتسبة للعبد بمباشرة أسباب خاصة ويفسرونها بأنها صفاء وتجل للنفس يحدث لها من الرياضيات بالتخلي عن الأمور الذميمة والتخلق بالأخلاق الحميدة، فالخلاف بين المسلمين وبعض الفلاسفة في أن النبوة ليست مكتسبة أو أنها مكتسبة مبني على الخلاف بينهما في معناها، والقول باكتساب النبوة أقوى المسائل التي كفرت بها الفلاسفة ... ويلزم على قولهم باكتسابها تجويز نبي بعد سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو معه، وذلك مستلزم لتكذيب القرآن والسنة، فقد قال تعالى: {‌وَلَٰكِن ‌رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ} [الأحزاب: ٤٠]، وقال صلى الله عليه وسلم: «وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ»  [الحديث: البخاري ١ /١٩ ومسلم ك المساجد ٣] وقوله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ» [الحديث: البخاري ٤/٢٢٥ مسلم ك الفصائل ١٢٤٠١٢٥].

ونظائر القرآن تذكر الاصطفاء وإتيان الحكم والنبوة، وهما عند العلماء واحد، كما تذكر لفظ الهبة تريد بها من الله واختياره، كما في قوله تعالى: {ٱللَّهُ ‌يَصۡطَفِي ‌مِنَ ‌ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ} [الحج: ٧٥]، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ‌ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} [آل عمران: ٣٣] وقوله في يوسف: {‌وَلَمَّا ‌بَلَغَ ‌أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ}[يوسف: ٢٢] وفي حق يحيى: {يَٰيَحۡيَىٰ ‌خُذِ ‌ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا} [مريم: ١٢] وفي حق هارون: {وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ ‌أَخَاهُ ‌هَٰرُونَ نَبِيّٗا} [مريم: ٥٣].

وتقرر بعض النظائر أن الاختيار لهذا المنصب لم يكن يأتي بأمل فيه ولا سعي له بل أوصد بابه بعد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يعد لأحد أن يدعيه لقوله تعالى: {‌مَّا ‌كَانَ ‌مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ} [الأحزاب: ٤٠] ولإشارة القرآن في كثير من نظائره إلى أن الرسل كانوا من قبل هذا الرسول [من الأشباه والنظائر ٦/٦٧راجع ذلك مفصلًا في كتاب دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم من ص ١٩إلى ص٣٦].

قول الجمهور في خَتمْ النبوة والرسالة

خَتمْ النبوة والرسالة: جمهور المسلمين على أن النبوة والرسالة قد ختمتا بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وبرسالته، وإذا كان القرآن قد أخبر بأن الرسل السابقين كان يذكر بعضهم بما وقع لمن سبقه، ويبشر بعضهم بمن يأتي بعده، وأحيانًا يدعو أحدهم ربه أن يبعث نبيًّا إلى أمة من الأمم ويذكر بعض خصائصه كما في دعاء إبراهيم - عليه السلام: {‌رَبَّنَا ‌وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [البقرة: ١٢٩]، وسورة الأعراف والفتح قد نصتا على العلم بأمر محمد - صلى الله عليه وسلم - عند اليهود، كما نصت سورة الفتح وسورة الصف على العلم ونبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - عند النصارى توطئة وإعدادًا واستعدادًا فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ورد النص واضحًا وصريحًا قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ ‌أَبَآ ‌أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ} [الأحزاب: ٤٠] كما أن جملة من قبلك وردت كثيرًا بحق المرسلين ولم ترد عبارة من بعدك بحق النبوة والرسالة في القرآن كله ولو مرة واحدة، والسنة النبوية قد تعددت فيها الروايات الدالة على ختم النبوة والرسالة وفي الحديث الشريف «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» [سبق تخريجه] «وَأَنا العَاقِبُ فَلَا نَبِي بعدِي» [البخاري ومسلم].

وقد تعهد الحق سبحانه بحفظ كلمته الأخيرة إلى البشرية جمعاء بما يغنى عن تكرارها: {‌إِنَّا ‌نَحۡنُ ‌نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩]، وبهذا تكون دعوى الإرسال أو التنبئ دعوى باطلة، وقد رد جمهور المسلمين كافة دعوات أدعياء النبوة والرسالة بعد محمد - صلى الله عليه وسلم- بدءًا من مسيلمة الكذاب وانتهاء بمحمد رشاد خليفة وبينهما ميرزا غلام أحمد القادياني، ومحمد على الشيرازي، وآخرين.

يقول شارح الطحاوية "لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم أن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد أو هو من باب فرض المحال؛ لأن الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين، فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا يظهر أمارة كذبه في دعواه [شرح الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ص ١٢٥].

صفات الأنبياء في القرآن الكريم

صفات الأنبياء والمرسلين في ضوء القرآن الكريم: ذكر القرآن الكثير من صفات الأنبياء والمرسلين، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

١ - صفات خِلّقية.

٢ - صفات خُلُقية.

والصفات الخلقية أخصها بالذكر في القرآن: البشرية، الرجولة: [الذكورة - البلوغ مع كمال العقل] السلامة من كل عيب يمنع من البلاغ أو يسبب نفرة عن الاستماع ويتكون هذا الشرط من أمرين:

١ - عدم لكنة اللسان أو عجمته أو العجز التام عن الكلام وإلا تعذر البلاغ.

٢ - انتفاء قيام ضرر يقوم بالجسم يترتب عليه نفرة من السماع لسوء المظهر أو عدوى المستمع أولهما معًا.

وأما الصفات الخلقية فأخصها بالذكر: الصدق- الأمانة – الإخلاص – الشجاعة [راجع ذلك مفصلَا في كتاب دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم من ص ١٩إلى ص ٣٦]

حكم الإيمان بالأنبياء والمرسلين

وجوب الإيمان بالأنبياء والمرسلين: ذكر القرآن أن الإيمان بجملة المرسلين فرض عين على كل مسلم مع عدم التفاوت في هذا الإيمان، قال تعالى: {‌ءَامَنَ ‌ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ} [البقرة: ٢٨٥]، كما عاب الحق على الكافرين تفريقهم بين الرسل، حيث الإيمان ببعضهم والكفر بالبعض الآخر، وامتدح المؤمنين عندما لم يفرقوا بينهم، قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ ‌بَيۡنَ ‌ٱللَّهِ ‌وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا *أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا *وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} [النساء: ١٥٠-١٥٣]، كما ذكر القرآن أن الكفر برسول يساوي الكفر بسائر الرسل، فكم وصفت الأمم السابقة بأنها كذبت المرسلين مع أنه لم يرسل إليها إلا رسول واحد، كما في قصة نوح، وهود، وصالح، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، في سورة الشعراء.  

ولا يقف الأمر عند حد الإيمان بهم بل لا بد من التسليم بصفات الكمال القائمة بهم في القرآن والسنة، ورد الصفات التي نسبت إليهم من أتباعهم والتي لا يجيزها شرع ولا يقرها عقل، كالغلو في موسى، وعيسى، ومحمد- عليهم السلام.

 وأما الإيمان التفصيلي فهو في التسليم بنبوة كل نبي ورد اسمه صراحة في القرآن موصوفًا بالنبوة والرسالة، وليس بلازم حفظ جملة الأسماء - بالنسبة لغير المتخصصين ـ ولكن التمييز مطلوب حتى لا يتأتى الخلط بين الأنبياء والأولياء والصالحين الوارد ذكرهم في القرآن.

 وقد جمع الحق ثمانية عشر رسولًا في قوله تعالى: {وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ ‌نَرۡفَعُ ‌دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ * وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ * وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ * وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [الأنعام: ٨٣-٨٧]، ويبقى سبعة وهم: آدم - هود - صالح - إدريس - ذو الكفل - شعيب - محمد - عليهم السلام - ولم يثبت من حديث صحيح نبوة أحد من الأنبياء غير من ذكرهم القرآن وما ورد بحق شيت - وغيره - في السنة  (أنزل عليه خمسون صحيفة) . نبي ضيعه قومه، فقد رده العلماء [راجع طبقات ابن سعد ١ / ٢وزاد المسير٢/٣٢٠ والبداية والنهاية ٢/٢٧١].

ولعلها حكمة الله في أن لا تثبت نبوة ورسالة أحد عن طريق السنة وحدها لعلم الحق بما سيصيبها، فكان الإثبات من طريق القرآن وحده لحفظ الله له، لا عن طريق السنة لحفظ الناس لها.

وقد أخطأ المؤرخون وكتاب السير والقصص الذين نقلوا عن الكتاب المقدس بعض الأسماء الموصوفة بالنبوة والرسالة على أنها من جملة المرسلين، فذكروها مقرونة بوصف النبوة والرسالة كذلك [راجع تاريخ الطبري المجلد الأول، والكامل في التاريخ لابن الأثير ج١ والبدء والتاريخ للمقدس والنجوم الزاهرة للأتابكي والبداية والنهاية لابن كثيرج٢، ١ وقصص الأنبياء للثعلبي وبدائع الزهور في وقائع الدهور وغيرها من الكتب، بل في كتب التفسير عن هذا الشيء الكثير]، بل وردت كتب التفسير في كثير من المجملات ومثل تلك الأمور مما ينبغي التوقف فيها؛ لأن النبوة لا تثبت إلا عن طريق الوحي أولًا، والكتاب المقدس قد تصرف فيه أهله، فصارت أدلته ظنية، والقطعي منها كفانا إياه القرآن، ولو كان في ذكر الأنبياء الذين أمسك عنهم القرآن فائدة ما تركه، فوجب التفويض والوقوف عند قوله تعالى: {وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ ‌مِنۡهُم ‌مَّن ‌قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ} [غافر: ٧٨].

تفضيل الرسل بعضهم على بعض

التفاضل بين الرسل: إن ما ورد بحق الرسل لا تكسب نبيًا أفضلية على غيره؛ لأنها من القاسم المشترك بين سائر المرسلين، ولم يتمتع نبي بقدر من الصفات الخلقية دون من سواه من الأنبياء، وأما التفاضل المشار إليه في كتب قصص الأنبياء، وكتب التاريخ الإسلامي فإنه ينقسم إلى قسمين:

الأول: ما كانت الدلالة فيه صريحة لنص قرآني، أو حديث صريح صحيح فإنه يقبل ولا يرد، قال تعالى: {‌تِلۡكَ ‌ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ} [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالي: {وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا ‌بَعۡضَ ‌ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} [الإسراء: ٥٥]، كما ورد بالسنة بعض الأحاديث التي تصرح ببعض وجوه الأفضلية للأنبياء السابقين وكذلك وجوه الأفضلية بالنسبة لمحمد عليه السلام [راجع كتب الفضائل في السنة - باب فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - المطهرة وبخاصة الصحاح والسنن].

الثاني: ما كانت الدلالة فيه احتمالية وهو التفضيل الوارد في كتب الشمائل والخصائص والتاريخ والسير بلا دليل صحيح صريح وإنما التكلف مع التماس الأدلة على ذلك وهو ما ينبغي التوقف فيه أو رده.

ولا يحيل العقل تفاوت منزلة الأنبياء عند الله بحسب مشقة البلاغ وشدة الإيذاء وطول العمر ولذلك خصص جمهور المسلمين خمسة من المرسلين بأنهم أولو العزم من الرسل، مستشهدين بقول الحق لنبيه: {‌فَٱصۡبِرۡ ‌كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} [الأحقاف: ٣٥]، ونصوا عليهم قائلين: إنهم [نوح - إبراهيم - موسى - عيسى] الذين وردت أسماؤهم في سورة الشورى الآية ١٣ وألحقوا بهم محمدًا عليه السلام، بينما يرى آخرون أن سائر الأنبياء أولوا عزم بلا استثناء وأما التكريم فمرده إلى الله العليم الخبير.

الخلاصة

النبوة هي اصطفاء إلهي محض وليس كسبًا، وهي أساس الرسالة والفرق الجوهري بين النبي والرسول وفقًا لما ذهب إليه الجمهور، هو أن "كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا"؛ فالرسول جاء بشريعة جديدة، بينما النبي أُوحِيَ إليه لإتباع شريعة سابقة والنصوص الشرعية واللغوية تؤكد على ضرورة الإيمان بهم جميعًا دون تفرقة وقد أغلقت هذه الرتبة العظيمة، إذ أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو خاتم النبيين والمرسلين بغير استثناء.

موضوعات ذات صلة

النبوة تعني: الارتفاع والإعلام، وهي الإخبار عن الغيب بالوحي من الله تعالى

الرسالة خطاب تكليفي من الله تعالى للرسول والنبي لدعوة الناس إلى الدين الحق

كلمة الوحي في اللغة تعني: السرعة والخفاء، أي: الإعلام السريع الخفي. والوحي أمر مهم وجوهري في النبوات والأديان،

موضوعات مختارة