يتفاوت موقف الفرق الإسلامية من عذاب القبر
تبعًا لتمسكهم بآيات القرآن الكريم المحكم منها والمتشابه، فجاء الاختلاف في هذه المسألة
من حيث إنها لم تأت بها آيات محكمات، وأنها فوق تصور العقل فلا يستطيع العقلُ الخوضَ
فيها، من هنا كان عدم قبولها عقلًا لدى بعض الفرق الإسلامية كالمعتزلة.
المعتزلة: إن المدخل الأساسي لبيان موقف المعتزلة
هو النسق الفكري لهم المتمثل في أصولهم التي أعطوا مكان الصدارة فيها للعقل، وهذه المسألة
مما لا يمكن للعقل أن يخوض فيها؛ ولذا كان إنكارهم القبول العقلي لها مع تسليمهم بالأدلة
السمعية فيها حتى إننا نجدهم استخدموا نفس الأدلة التي استشهد بها أهل السنة، وما ورد
من الإنكار فإنه مما يُحكى عن بعضهم، يقول القاضي عبد
الجبار: "فصل في عذاب القبر: وجملة
ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة إلا شيء يُحكى عن ضرار
بن عمرو وكان من أصحاب المعتزلة ثم
التحق بالمجبرة؛ ولهذا ترى ابن الرواندي
يُشَنِّعُ علينا، ويقول: إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يُقِرُّون به، والكلام
فيه يقع في أربعة مواضع:
أحدها: في ثبوته، والثاني: في كيفية ثبوته، والثالث:
في الوقت الذي يقع فيه والرابع: في فائدته.
أما ثبوته: فالذي يدل عليه قوله تعالى:
{أُغْرِقُوا
فَأُدْخِلُوا نَارًا}
[نوح: ٢٥] {ٱلنَّارُ
يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ}
[غافر:٤٦]
و{رَبَّنَا
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ}
(غافر: ١١)".
وهي نفس الآيات التي استدل بها عموم علماء
المسلمين الذين يُثبتون عذاب القبر.
أما الكلام في كيفية ثبوته، فهذا ما لم يتفق مع منهجهم
العقلي في أن التعذيب يقتضي إحياء الميت في قبره حتى يُسأل، فلا يُعقل - تَبَعًا لمنهجهم
العقلي - أن يكون التعذيب للجماد .. إلى آخر ما قالوا.
[انظر: شرح الأصول الخمسة، ص ٠ ٧٣ وما بعدها]
وروى القاضي
عبد الجبار عن عمر الشمري قال:
سمعت واصلًا يقول: "إن من نعم الله علينا أن من عابنا يكذب علينا فيقول: يكذبون
بعذاب القبر والحوض والميزان، ونحن لا نكذب بذلك".
[فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص ٢٣٧، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر ١٩٧٤،
وانظر: سليمان الشواشي: واصل بن عطاء وآراؤه الكلامية - الدار العربية للكتاب سنة
١٩٩٣] ويفهم
من هذه الرواية أن واصلًا لا ينكر عذاب القبر، وإنما الخصوم قد قَوَّلوه ما لم يقل،
ولم تقتصر التهمة على واصل فحسب، بل نسبت – أيضًا - إلى المعتزلة بعامة، ولعل هذا ما
جعل القاضي عبد الجبار يعقد فصلًا خاصًّا في أكثر من كتاب من كتبه لهذا الغرض،
يَرُدُّ فيه على من عابهم وشَنَّع عليهم قولهم في عذاب القبر.
قال القاضي:
"إن قيل: إن مذهبكم أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر وغيره مما أطبقت عليه الأمة
وظهرت فيه الآثار.
قيل له: إن هذا الأمر إنما أنكره أولًا
ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل،
فظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: رجل يجوز ذلك،
كما وردت به الأخبار".
[فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة،
ص ٢٣٧، تحقيق: فؤاد سيد الدار التونسية للنشر ١٩٧٤، وانظر: سليمان الشواشي، واصل بن
عطاء وآراؤه الكلامية، الدار العربية للكتاب، سنة ١٩٩٣]
والثاني يقطع على ذلك وأكثر أصحابنا يقطعون
على ذلك لظهور الأخبار" [فضل الاعتزال ٢٠١-٢٠٢] وممن دفع هذه التهمة عن المعتزلة باستثناء
ضرار بن عمرو
و الإمام ابن حزم؛ حيث يقول: "ذهب ضرار
بن عمرو الغطفانى أحد شيوخ المعتزلة
إلى إنكار عذاب القبر وهو قول من لقينا من الخوارج"، وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي
وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم. [الفصل في الملل والأهواء والنحل ج٤/ ١١٧ تحقيق
د. محمد إبراهيم نصر، د. عبد الرحمن عميرة دار الجيل بيروت سنة ١٩٨٥م]
وممن سعى إلى تبرئة المعتزلة من هذه التهمة،
والتنبيه إلى بهت خصوم المعتزلة وكذبهم في هذا المقبلي في كتابه (العلم الشامخ).
[العلم الشامخ، في إيثار الحق على الآباء والمشايخ ط القاهرة سنة ١٩٢٣]
الأشاعرة: تَبَيَّنَّا موقف المعتزلة في مسألة عذاب القبر
وأنهم لم ينفوه كلية، ولكنهم لم يسلموا بما جاء في كيفيته حيث أقحموا العقل في ذلك؛
فذهبوا إلى أن الإحياء في القبر ضروري حتى يتسنى التعذيب، ولا بد أن يخلق الله في الأموات
العقل حتى يدرك التعذيب، أما الأشاعرة فقد أثبتوا عذاب القبر مستندين إلى ما جاء من
آيات القرآن الكريم والسنة النبوية، مُقِرِّيْنَ بأن ذلك من المسائل التوقيفية التي
ليس للعقل فيها مجال، وأنها من السمعيات التي لا طريق إلى معرفتها إلا بالسمع وحده.
وتفاوتت مواقف الأشاعرة في هذه المسألة
من حيث إجمال الكلام فيها أو تفصيله، فالأشاعرة الأوائل منذ شيخهم أبي الحسن فالباقلاني
وابن فورك والجويني قد تعرضوا لهذه المسألة وتناولوها تناولًا عرضيًّا من
خلال كتاباتهم في مسائل العقيدة، ولم يفرد أحد هؤلاء المتقدمين فُصُولًا خاصة لمناقشتها،
فالأشعري يُقرر أن عذاب القبر ثابت بالأخبار الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وأنه لم يُوجد حديثٌ واحد يَنفيه، واستدل كذلك بالآيات القرآنية التي استدل
بها مثبتو عذاب القبر من أهل السنة والجماعة وسلف الأمة [الأشعري:
الإبانة عن أصول الديانة ص ٠ ٧ - ٧١ طبعة أولى القاهرة سنة ١٣٤٨هـ] ويقرر الباقلاني
نفس الأدلة السمعية على عذاب القبر [الباقلاني:
الإنصاف ص٤٠، تحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري].
وجاء الغزالي
وأفاض في عذاب القبر وما يحدث للميت في كتابيه (إحياء علوم الدين)، (والأربعين في أصول
الدين) وجعل لما بعد الموت والدار الآخرة فصلًا منفردًا من الإحياء كما جعله من قواعد
العقائد [راجع: إحياء علوم الدين، والأربعين، قواعد
العقائد من الإحياء].
ولعل إسهاب الغزالي في تفصيل الكلام في عذاب القبر وتنوع هذا التعذيب للكافرين
والمذنبين هو الذى فتح للمتأخرين من الأشاعرة وغيرهم باب المبالغة بل الغلو في ذكر
تفصيلات عذاب القبر، ووصف منكر ونكير، وأنهما إنما سُمِّيا بذلك لأنهما يأتيان للميت
بصورة مُنْكَرَة إلى آخر ما وصف به هذان الملكان من صفات مروِّعة دون الاعتماد على
أدلة شرعية صحيحة [انظر على سبيل المثال: تحفة المريد للباجوري،
وهي حاشية على جوهرة التوحيد، للشيخ إبراهيم اللقاني ص ١٦٧، دار الكتب الحديثة بالقاهرة]، وهم إنما فعلوا ذلك ذهابًا منهم إلى أن
في هذا نوعًا من الزجر عن المعاصي والكبائر.
ابن حزم: ينكر ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل
أن تكون هناك حياة في القبور قبل يوم البعث العظيم، فيذكر أن من ظن أن الميت
يحيا في قبره قبل يوم القيامة فخطأ، ويستدل على إنكارِه الحياة في القبر بآيات من القرآن
الكريم من ذلك قوله تعالى: {قَالُواْ
رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا
بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ} [غافر:
١١].
يقول ابن
حزم: "إنه لو كان الميت يحيا في قبره لكان تعالى قد أماتنا ثلاثًا
وأحيانا ثلاثًا، وهذا باطل وخلاف ما جاء به القرآن، ويستثنى من ذلك من أحياه الله تعالى
آية لنبي من الأنبياء" ..، ويستدل ابن حزم كذلك على نفيه إحياء الموتى في القبور بقوله تعالى:
{وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ
وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ
بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ}
[فاطر: ٢٢] فنفي السمع يُعَبِّرُ عن نفي الحياة للأجساد
في القبور [الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١١٧-١٢٠
دار الجيل سنة ١٩٨٥]، ولقد
تصدى لابن حزم
كثير من علماء الأمة كالإمام ابن القيم [راجع رد ابن القيم عليه في كتابه
"الروح" وفي غيره من الكتب].
وابن أبي العز الحنفي في (شرح العقيدة الطحاوية)؛ حيث يقول الأخير: "وليس
السؤال في القبر للروح وحدها كما قاله ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح والأحاديث
الصحيحة تَرُدُّ القولين، وعذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة"
[شرح العقيدة الطحاوية، ص ٤٥١، تحقيق جماعة من العلماء ط.
سادسة سنة ١٤٠٠ هـ المكتب الإسلامي] ويقول: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان
لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته؛
إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما
تحار العقول، ولكنه قد يأتي بما تَحَار فيه العقول، فإن عَودَ الروح إلى الجسد في القبر
ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تُعَاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة
في الدنيا" [السابق، ص ٤٥٠].
ويقول: "واعلم أن عذاب القبر هو عذاب
البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبِرَ أم لم يُقبر، أكلته السباع
أو احترق حتى صار رمادًا ونُسِفَ في الهواء أو صُلِبَ أو غَرَق في البحر، وصل إلى روحه
وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور.
وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو
ذلك - فيجب أن يُفهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مراده من غير غلو ولا تقصير،
فلا يُحَمَّلُ كلامُه ما لا يحتمله، ولا يُقْصَر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان
[نفسه ص ٤٥١ - ٤٥٢، وانظر: الآمدي: أبكار الأفكار ١/٤٣٧ - ٤٤١،
المواقف وشرحه ٩/٣١٨ - ٣٢٠، ابن الهام: المسايرة وشرحه المسمى المسامرة ص ٣١٣ بتحقيقنا،
التفتازاني: شرح المقاصد ج٦/١١٥-١١٧]