القرآن الكريم لم يترك
أمر النفقة للنزوات البشرية، بل وضع لها "قانونًا وسطيًّا" يجمع بين
إشباع الحاجة وحفظ المورد، يقول الله تعالى ﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟
لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَٰلِكَ
قَوَامࣰا﴾ [الفرقان: ٦٧].
ويذكر الإمام الطبري
في "جامع البيان": " عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟
لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟﴾ في النفقة فيما نهاهم وإن كان
درهمًا واحدًا، ولم يقتروا ولم يُقصِّروا عن النفقة في الحق.
وقال: أخبرنا ابن وهب،
قال: أخبرني إبراهيم بن نشيط، عن عمر مولى غُفرة أنه سئل عن الإسراف ما هو؟ قال:
كلّ شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف.
وقال آخرون: السرف:
المجاوزة في النفقة الحدّ، والإقتار: التقصير عن الذي لا بدّ منه [الطبري، جامع
البيان، ١٩/٢٩٩].
ويذكر الإمام ابن كثير
في تفسيره: "أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على
أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا"
[ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ٦/١١٢].
وعَنْ أَبِي
الدَّرْدَاءِ- رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ
فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ». [أحمد (٢١٦٩٥)].
التحذير من ضياع الهوية بالتبذير
الاستهلاك كفعلٍ شيطانيٍّ:
وصف الله المبذرين بقوله: ﴿إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ
ٱلشَّیَٰطِینِۖ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورࣰا﴾ [الإسراء: ٢٧].
يقول الإمام الزمخشري في
"الكشاف": "التبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه
الإسراف"[الزمخشري، تفسير الكشاف، ٢/٦٦١].
ويقول الإمام القشيري:
"إنما كانوا إخوان الشياطين لأنهم أنفقوا على هواهم، وجروا في طريقهم على دواعي
الشياطين ووساوسهم، ولمّا أفضى بهم ذلك إلى المعاصي فقد دعاهم إخوان الشياطين [القشيري،
لطائف الإشارات ،٢/٣٤٥].
لقد ربط الله التبذير
بالكفر؛ لأن المبذر "كفورٌ" بالنعمة، حيث وضعها في غير موضعها الذي
ارتضاه الله، ولقد ورد النهي في القران الكريم عن الإسراف في المباحات حيث يقول
تعالى: ﴿وَكُلُوا۟
وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف:
٣١].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَحَلَّ
اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ
مَخِيلَةً"، فَأَمَّا مَا تَدْعُو
الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَسَكَّنَ الظَّمَأَ، فَمَنْدُوبٌ
إِلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ
الْحَوَاسِّ [القرطبي، الجامع لأحكام القران، ٧/١٩١].
"الأكل على خمسة:
الضرورة، والقوام، والقوت، والمعلوم، والفقد، والسادس لا خير فيه وهو التخليط، فإن
الله تعالى خلق الدنيا فجعل العلم والحكمة في الجوع، وجعل الجهل والمعصية في
الشبع، فإذا جعتم فاطلبوا الشبع ممن ابتلاكم بالجوع، وإذا شبعتم فاطلبوا الجوع ممن
ابتلاكم بالشبع، وإلا تماديتم وطغيتم". [سهل التستري، تفسير التستري، ص٦٥].