Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٤)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (4)

فليكن حظُّنا من رمضان صِدقَ الإقبالِ بالقلوب قبل الأبدان، حتى تنغمسَ أرواحُنا في أنوار الوحي، وتُشرِقَ في نفوسِنا معاني التقوى والائتلاف، فنخرجَ من هذا الشهر الكريم وقد صقَلَتْنا الأوراد، وتوجَّتْنا بالقبول الواردات، وصِرنا ربانيين، نصلُ الأرضَ بالسماء، ونبثُّ في العالَمين رُوحَ المودة والسكينة واليقين.

درس العصر: حبس النفس عن الشهوات: رؤية شرعية في ضوء مفهوم الصيام

إنه مما لا مراء فيه أننا قد أصبحنا في عالمٍ ممتلئ بالشهوات، ويُغري الإنسان بضروب المُتع المادية والحسية، وفي خضم تلك الفتن يبرز الإسلام بمنهجٍ تربويٍ دقيقٍ يُعلّم النفس ضبطَ جِماحها، ويجعل من حبسها عن الشهوات سبيلاً إلى التزكية والارتقاء.

وليس أدل على هذا المنهج من الصيام، ذلك الركن العظيم من العبادة في الإسلام الذي جعله الله تعالى مدرسةً للنفس، ومحطّةً لتطهير القلب، وتمحيصًا للإرادة. وقد جاءت اللغة العربية أمّ اللغات وأشرفها، لتُشير بدقةٍ إلى جوهر هذه العبادة حين عرفت الصيام بأنه: "الحبس"؛ فليس الصيام مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو حبسٌ شاملٌ للنفس عن كل ما يشغله عن ربه، ويُبعده عن طاعته.

الصيام إمساك تربوي، لا مجرد جوع:

الصيام في لسان العرب، من: صَامَ يَصُومُ صَوْمًا وَصِيَامًا قِيلَ هُوَ مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ فِي اللُّغَةِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْعِ فِي إمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ سَيْرٍ فَهُوَ صَائِمٌ. [المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٣٥٢)]، فالصيام في أصله اللغوي يرجع لمعنى الحبس والإمساك، وفي الشرع: إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. [مغني المحتاج ٢/١٤٠].

 الصيام إمساك أي منع، ولكنه منع الشريف نفسَه عن الدنايا، لا منع الأسير في القيود، هو امتناعٌ المقتدر، لا عجز المحروم.

وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه». [رواه البخاري]. فهذا الحديث النبوي يُقرّر أن الصيام الحقيقي لا يتم إلا بحبس النفس عن شهواتها الأخلاقية والسلوكية، لا فقط الجسدية.

فليس الصيام صيامَ الجوف وحده، بل صيام اللسان عن اللغو، وصيام العين عن الخيانة، والأذن عن الفحش، والقلب عن التعلّق بغير مولاه. فإذا صامت الجوارح كلها، سكن في النفس صفاءٌ كصفاء الفجر حين ينشقّ عن ظلمة الليل.

 ومن هنا، فإن مفهوم: "حبس النفس عن الشهوات". يتجاوز حدود الفم والجوف، ليشمل البصر، والسمع، واللسان، والقلب، والجوارح كلها.

الصيام وسيلة لتربية النفس وضبط الشهوات:

 إن الشهوات، وإن كانت جزءًا من الفطرة الإنسانية، فإن تركها بلا ضابطٍ شرعي يؤدي إلى انفلاتٍ أخلاقي، وانهيارٍ روحي. ولذلك جعل الإسلام من حبس النفس عن الشهوات - خاصة في رمضان - وسيلةً لبناء الشخصية المسلمة المتزنة التي تعلم متى تقول لشهواتها: "لا"

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. فغاية الصيام ليست الجوع والعطش، بل التقوى؛ وهي: حبس النفس عن محارم الله، وضبطها عند حدوده، والتقوى، كما قيل: "حبسُ القلب عن الهوى، وصرفُه إلى ما يُرضي المولى".

إن السلف يُدركون هذا المعنى العميق، فأدركوا أن الصيامَ ليس من الطعام والشراب وحده، إنما الصيامُ عن الكذب والفحش واللغو، وهذا يؤكد أن حبس النفس عن الشهوات يشمل حتى الكلام الباطل، والنظرات المحرّمة، والخطوات إلى مواطن الفتن.

حبس النفس عن الشهوات لا يعني قمع الفطرة:

ولئن كان حبس النفس عن الشهوات مطلوبًا، فإنه لا يعني قمع الفطرة أو تعذيب الجسد - كما يظنه البعض - بل هو تنظيمٌ لهما في إطار الحكمة الإلهية، فالإسلام لا يُنكر الشهوات، بل يُوجهها، ويضع لها حدودًا. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥–٧]. فهنا يُبيّن القرآن أن حفظ الفرج - وهو من أعظم الشهوات - لا يكون بالامتناع المطلق، بل في إطار الشرع الشريف.

 وكذلك في مجال النظر، يقول - سبحانه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. فغض البصر نوعٌ من حبس النفس عن شهوة العين، التي قد تكون أشد فتنة من شهوة البطن.

الصيامُ سر بين العبد وربه:

ومن أعمق مستويات حبس النفس: حبس القلب عن التعلّق بغير الله، فالمؤمن الحق لا يُحبّ شيئًا فوق حب الله، ولا يخاف أحدًا أكثر من خشيته لله، فالصيامُ سر بين العبد وربه. وهذا يشير إلى أن أعلى درجات الصيام هي أن يحبس القلب عن كل محبوبٍ سوى الله، وعن كل مطلوبٍ دون رضاه. وقد قال ﷺ: «صُومُوا تَصِحُّوا». [رواه أحمد]، والصحة هنا ليست جسدية فحسب، بل صحة القلب من الأمراض كالرياء، والحسد، والكبر، والتعلق بالمخلوقات، فإن حبس النفس عن الشهوات، في ضوء مفهوم الصيام اللغوي والشرعي، ليس تضييقًا على الحرية، بل هو تحريرٌ للروح من أسر الهوى

 فالصيام - بمعناه الشامل - مدرسةٌ ربانيةٌ تُعلم المسلم كيف يُمسك نفسه عند الغضب، ويكف لسانه عن الأذى، ويغض بصره عن المحرمات، ويُطهر قلبه من الأكدار، ومن أتقن هذا الحبس، فقد نال مقام التقوى، وبلغ أعلى درجات الإيمان، كما قال ﷺ: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ». [رواه الترمذي]. فلتكن أيامنا كلها صياماً وفطرًا مواسمَ لحبس النفس عن الشهوات، وتحريرها لعبادة رب الأرض والسماوات.

درس القيام ترويحة إيمانية: الاعتصام بحبل الله

نعيش الليلة ونحيا مع آية من آيات الجزء الرابع من القرآن الكريم  وهي قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: ١٠٣]، والآية تدل على معنى من معاني الإيمان، معنى لو تحقق في النفوس لاستقامت به الدنيا قبل الآخرة: الاعتصام بحبل الله.

ومما يلاحظ في الآية أن الله تعالى لم يقل الله: اعتصموا بأنفسكم، ولا بأحزابكم، ولا بذكرياتكم، بل قال: {بِحَبْلِ اللَّهِ}.

والحبل يمسَك به الإنسان إذا خاف السقوط، وعندما يختل توازنه، والتعبير به هنا في الآية على الخصوص، ليقع في أنفسنا معنى من المعاني التي تُعيننا على التمسك بشريعة الله، وهذا المعنى هو: أن الحبل يرمز إلى الشريعة وأن الاعتصام بها نجاة مما تحدثه الدنيا من فتنٍ حول الإنسان تجتذبه وتحركه إلى سبل الشياطين أو الضلال فلا يثبت ولا ينجو إلا بالاعتصام بهذا الحبل.

ومن تجليات الآية أن فيها ما يوجهنا ويرشدنا إلى التآلف والإخاء والتكاتف والتحاب والتشابك بين أفراد المجتمع وذلك في قوله تعالى: {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} فهذا هو صنيع الإسلام في أتباعه منذ ظهوره، فقد كانت العرب قبائل شتى، يجمعها النسب ويفرقها الهوى، حتى إذا جاء الإسلام لم يجمع بينهم في الظاهر فحسب، بل جمع بين قلوبهم على الألفة والمحبة.

 فالقلوب إذا تأدبت بهذه الآداب صلحت ومن ثم ينصلح المجتمع، وإذا نزعت هذه الآداب من المجتمع فسدت ولم تنفع معها كثرة القوانين. ولهذا كان التأليف بين القلوب نعمةً إلهية، لا تُشترى بمال، ولا تُفرض بقوة {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال٦٣]

وفي هذا الهدي القرآني توجيه مهم، وهو أن الله تعالى لم يقل: "فألّف بينكم" إنما قال: {بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}؛ لأن الائتلاف الحقيقي يكون بين القلوب، فليس معنى الائتلاف أن يظهر للناس أننا مؤتلفون، وفي داخلنا الكره لبعضنا؛ فلا فائدة من اجتماع الأبدان مع تفرق القلوب.

إن حقيقة الاعتصام هي: صدق اللّجوء إلى الله تعالى، ودوام الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة به.

نسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعل القرآن لنا إمامًا ونورًا وهدىً، وأن لا يجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا.

درس الملتقى: من لا ورد له.. لا وارد له

مقدمة:

إن السير إلى الله تعالى هندسة دقيقة للباطن، تقوم على قانون مطرد عبر عنه أهل الله بقولهم (  من لا ورد له لا وارد له) ، وهو حقيقة وجودية كبرى تخبرنا أن العطاء الإلهي مشروط بالجهد البشري، إذ تمثل الأوراد حجر الزاوية في بناء الشخصية الإيمانية التي تطمح لزيادة القرب من الله ، حيث تحل الأنوار في قلب استعد لها بظلمة السهر وضجيج الذكر وسكون الفكر ،  ويعد هذا القانون الروحي بمثابة الميزان الذي يضبط حركة الروح في معارج السمو، فالمؤمن الذي يروم بلوغ مراتب الإحسان ، يدرك تمام الإدراك أن مجرد التمني لا يقطع المسافات، بل يقطعها من أحكم لجام نفسه بورد ثابت، ليفيض الله عليه من فيوضات قدسه بما يثبت قدمه في مدارج الهداية.

التأصيل الشرعي للقاعدة:

تأسست هذه القاعدة عند أهل الله على أصول متينة من الكتاب والسنة:

أولاً: من القرآن الكريم :

قال تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِیۤ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُوا۟ لِی وَلَا تَكۡفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢].

حيث نلمس في الفاء معنى التعقيب، فذكر العبد الذي هو الورد يعقبه ذكر الرب المعطي والمانح للواردت.

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ جَٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية٩]

فجعل المجاهدة بالورد هي الشرط، والهداية إلى السبل هي النتيجة والوعد الإلهي.

ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:

جاء في الحديث القدسي الذي يرويه سيدنا أبي هريرة عن سيدنا النبي ﷺ، قال الله تعالى «وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»   [رواه البخاري في صحيحه].

حيث  تمثل  النوافل في هذا الحديث الأوراد الراتبة، وتكون المحبة الإلهية وما يتبعها من تسديد في الجوارح هي قمة الواردات.

جاء في الحديث القدسي الذي يرويه سيدنا أبي هريرة عن سيدنا النبي ﷺ، قال الله تعالى «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه البخاري في صحيحه].

هذا الحديث يؤصل لمبدأ المبادرة بالورد وهو الذكر والتقرب ،  لينهمر الوارد  وهو ذكر الله للعبد ،  والمعية الخاصة والتقرب الإلهي بالفضل .

سئلت السيدة عائشة - رضي الله عنها - عن عمل النبي ﷺ فقالت: «كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً» [متفق عليه]

في هذا الحديث تأكيدا على أن الدوام هو سر جلب الواردات واستمرار المدد.

محتوى الموضوع

أولًا: عهد العبودية وصناعة الصلة مع الله:

يتمثل الورد في حقيقته بالوظيفة التي يلتزم بها السالك إلى الله تجاه خالقه؛ ليكون جانبًاً حيويًا من الخلق والجهد والامتثال، فهو تلك المساحة التي يقتطعها العبد من زمنه الفاني ليودعها في خزائن الباقي، مُشَكلِاً ضريبة الإخلاص التي يدفعها السالك ليثبت صدقه في طلب وجه الله، ويعد الورد نقطة ارتكاز للنفس البشرية، فكما يحتاج الجسد إلى غذاء مادي يقيمه، تحتاج الروح إلى غذاء قدسي يمدها بالقوة، وحين يستيقظ المؤمن في جوف الليل، أو حين يخصص ساعة من يومه للذكر، فإنه يعلن انفصاله عن عالم الأسباب ليتصل بمسبب الأسباب، فيكون الورد هو الحبل الممدود الذي يحمي الإنسان من التردي في هاوية الغفلة، والسور الذي يحمي قلبه من لصوص الوقت وقطاع طريق الإيمان.

ثانياً: فيض الفتح الإلهي وإشراق المدد الرباني

يأتي الوارد بوصفه الجانب الذي يتولاه الله عز وجل بفضله وكرمه، متمثلاً في الهبة اللدنية ، والفتوحات الربانية ، والنفحات القدسية ، التي تنزل على القلب فتملؤه سكوناً ويقيناً، فهو النور الذي يقذف في القلب، فيرى به صاحبه ما يرى غيره، ويستوعب به من أسرار القرآن ما تدركه الأفهام المجردة ، وتعد الواردات رسل الله إلى أرواح أوليائه، إذ تأتي لتجبر كسرهم، وتزيل همهم، وتثبت أقدامهم، فمتى جفت في الإنسان العزيمة، جاءه وارد القوة، وإذا حارت بك السبل، جاءه وارد الهداية، ذلك أن الوارد يستجلب بالعمل وينال بالصدق، كونه ثمرة نضجت في بستان الورد، فمن حافظ على ورده، أكرمه الله بوارد يمسح عنه  وعثاء السير، ويجعله يذوق حلاوة الإيمان ذوقًا.

ثالثاً: التناسب بين الورد والوارد:

تقوم هذه القاعدة على سر التناسب، فبقدر ما يعمر العبد ظاهره بالأوراد، يعمر الله باطنه بالواردات، ضمن هندسة روحية دقيقة تجعل من كان ورده الاستغفار، يكون وارده التطهير والسكينة، ومن كان ورده الصلاة على الجناب النبوي ﷺ، يكون وارده الحفظ والنور والمعية المحمدية ، وقد جعل الله الأوراد سبباً لنيل وداده، فكما أن الورد في اللغة مكان الورود للماء، فكذلك أوراد الذكر هي الموارد التي تورد العبد حياض القرب، لتصبح العلاقة بينهما كعلاقة الوعاء بالمحتوى، فمن طهر وعاء قلبه بالأوراد، نزل فيه محتوى الأنوار من حضرة الغيب، أما من ترك قلبه نهباً لخواطر السوء وانشغالات الدنيا، فقد أغلق على نفسه أبواب الفتح.

رابعًا : روح العمل وسر البركة:

تكمن قيمة الوِرد في استقامته التي تتبعها كرامة، لأن النفس البشرية تميل بطبعها إلى الانفلات، والوِردُ يُلجِمها بلجام العبودية، وبواسطة الاستقامة على الورد يبني العبد رصيده الروحاني، فإذا وقعت الواقعة، نادى ربه بصوت مألوف في الملكوت، فيأتيه المدد كالسيل العارم، وتعمل الاستقامة على تحويل الورد من مهمة نؤديها إلى حال نعيشه، وحينها تنمحي المسافة بين الورد والوارد، ويصبح العبد في ذكر دائم، موصولاً بالمدد الإلهي في كل حركة وسكنة، وصولاً إلى الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده الصالحين، حيث يجد العبد أنسه مع الله وأمانه في رحاب كنفه.

رسائل دعوية

  •   من ألزم نفسه بورد الاستغفار في الأسحار، أمطر الله قلبه بوارد السكينة في وضح النهار.
  •   الورد هو الغرس الذي تبذره بجهدك، والوارد هو الثمر الذي تقتنيه بفضل ربك.
  •   بقدر ما تفرغ وقتك لمناجاة الخالق، يفرغ الله قلبك من هموم الخلائق.
  •    من حافظ على سجدات خلوته، أكرمه الله بنور البصيرة في جلوته.
  •   لا تطلب سحائب الفتح ومطر الجبر، وأنت لم تحرث أرضك بورد الذكر.
  •   الورد ميثاق وفاءٍ يقطعه العبد، والوارد عطاءُ حياءٍ يجود به الرب.
  •   استقامة الأوراد في ساعات الرخاء، هي التي تجلب فيوضات الإمداد في أوقات البلاء.
  •    القلب وعاءٌ تصقله الأوراد وتملؤه الواردات، فبقدر جلاء الوعاء يكون نقاء العطاء.
  •   الورد هو الحبل الذي تشد به رحالك، والوارد هو المدد الذي يصلح الله به أحوالك.
  •    من جعل لله نصيباً من خلواته، جعل الله له نصيباً من توفيقه في كل خطواته.

إثراء دعوي ومعرفي

من مشكاة الحكم العطائية في رمضان.

(لا يكن تأخر امدا بعطاء مع الالحاح في الدعاء موجبًا ليأسك، فهو قد ضمن لك الاجابة فيما يختاره لك لا في ما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد)

إن المتأمل في جلال شهر رمضان المبارك يدرك أنه مدرسة علوية لبناء اليقين الإيماني، وترميم الانكسارات النفسية أمام أبواب المقادير ، ومن أجل ما يفتح الله به على السالك في هذا الشهر، أن يتفقه في أسرار المعاملة مع الله، خاصة عند تلك المنطقة الحرجة التي تقف بالعبد بين إلحاح الدعاء وبين تأخر العطاء، وهنا يبرز الإمام ابن عطاء الله السكندري بعبارته التي هي بمثابة ترياق للقلوب القلقة، حين يقو ل : [ لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك] .

 لقد أراد الله عز وجل حين شرع لنا الصيام أن ينتزعنا من ضيق الحاضر إلى سعة الغيب، فالصائم الذي يلح في الدعاء ساعة السحر أو عند الفطر، قد يظن بظاهر بشريته أن الإجابة يجب تتبع الطلب مباشرة، وهنا تنزل الحكمة العطائية لتصحح المسار، وتكشف لنا أن الله سبحانه قد "ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك"، وهذا هو عين الحكمة الإلهية،  فقد يطلب العبد ما فيه هلاكه وهو لا يعلم، فيمنعه الكريم سبحانه  لطفا به، ويؤخر له المطلوب صونا لقلبه من الركون إلى الدنيا، فيتحول المنع في حقه إلى محض العطاء.

وفي رحاب رمضان، نجد الصائم يتمرس على أدب الانتظار، فهو يمسك عن الطعام بيقين تام أن الفرج آت لا محالة، وفق الوقت الذي حدده صاحب الشريعة، وفي الساعة التي اقتضتها الحكمة، بعيدا عن استعجال النفس ولوعة الجوع،  وهذا التدريب اليومي هو ذاته الذي يجب أن بحدث مع فقه الدعاء؛ فإلحاحك في الطلب عبودية، وتأخير العطاء من الله ربوبية وحكمة  فالصائم الذي يمتلئ رجاء في رحمة الله رغم تعب الصيام، هو الأجدر أن يمتلئ ثقة بعطاء الله رغم تأخر الإجابة، مستندا إلى قوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ سورة البقرة :  الآية ١٨٦ ] .

فيا أيها الصائم، اعلم أن الوقت هو ملك له سبحانه، وأن الخيرة هي فيما اختاره الخالق، وفيما استحسنته القدرة الإلهية ، اخرج من رمضان وقد استقرت في روعك حقيقة أن يدك المرفوعة بالدعاء هي في أمان الرعاية الإلهية، وأن تأخر أمد العطاء هو إعداد لنفسك لتلقي المنحة في أوانها الأنسب، متمثلا قول الله تعالى:  {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [ سورة القصص: الآية ٦٨]، وبذلك يتحقق للعبد التوازن النفسي والسكينة الروحية، ويغدو دعاؤه حالة من الوجد والمناجاة، هي في ذاتها أسمى وأغلى من كل مطلوب.

المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

يرفث ويجهل في الحديث النبوي

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِه » [رواه البخاري، ومسلم].

يرفث: فعل مضارع من الماضي رفث، ويتضمن في معناه الفحش في القول، أو الإفضاء بالجماع ومقدماته (المباشرة لشهوة)، وهو فعل يختص بالجوارح ويكون أكثر باللسان (الكلام الفاحش) أو (مباشرة النساء)

يجهل: فعل مضارع من الماضي جهل، ويتضمن في معناه التصرف بقلة حلم وسفه، ويشمل الصياح، الخصومة، ورفع الصوت، ويختص بطريقة التعامل مع الآخرين وردود الأفعال من الغضب والسفه.

والفرق بين يرفث ويجهل في سياق الحديث الشريف(فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ) يكمن في نوع المعصية ؛ فالرفث هو الكلام الفاحش أو الإفضاء بالجماع والمباشرة لشهوة ، بينما الجهل هو مقابلة الحلم بالصياح ، أو الخصومة، أو رفع الأصوات، أو السفه وقلة الأدب، وكلاهما يخدش كمال الصيام ويجب تجنبهما خاصة في نهار رمضان .

الخلاصة   الرفث هو الكلام البذيء أو الجماع، والجهل هو السفه والخصومة، وكلاهما من مكفرات ومفسدات الأخلاق في الصيام.

رمضان سؤال وجواب

السؤال: ما أثر ابتلاع بقايا الطعام التي بين الأسنان على الصيام؟ وما حكم ما تحلَّل وجَرَى مع الرِّيق بغير قصدٍ بعد غسل الفم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد: فإن مبدأ "المشقة تجلب التيسير" هو أصلٌ في باب العبادات، فمن المقرر شرعاً أن الصائم لا يأثم ولا يفسد صومه بما قد يسبق إلى جوفه من بقايا الطعام اليسيرة التي يجري بها ريقه، ما دام لم يستطع الاحتراز عنها أو تمييزها لإخراجها؛ إذ القاعدة أن ما لا يمكن التحرز منه معفو عنه، والتكليف منوط بالوسع والاستطاعة ، أما إذا كانت هذه البقايا من الوفرة والكثرة بحيث يسهل على الصائم تمييزها وإلقاؤها خارج فمه، فإنه يجب عليه ذلك شرعاً، ويعد ابتلاعها في هذه الحالة عمداً مفسداً للصيام ،  وبناءً عليه، فإن الصوم يظل صحيحًا في حق من جرى ريقه بشيء يسير من مخلفات الطعام بغير قصد منه ولا تعمد لابتلاعه، رحمةً من الله بعباده ورفعاً للحرج عنهم ، وإليك نصوص المذاهب في ذلك:

أولاً: مذهب السادة الحنفية:

قال الإمام الزيلعي في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ( ١/ ١٥٩ ، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وَأَمَّا أَكْلُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِهِ الصَّوْمُ فَصَارَ كَالرِّيقِ إلَّا إذَا كَانَ كَثِيرًا فَتَفْسُدُ بِهِ صَلَاتُهُ كَمَا يَفْسُدُ بِهِ صَوْمُهُ وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ الْحِمَّصَةِ] انتهى .

ثانيًا: مذهب السادة المالكية:

قال الإمام مالك في "المدونة" (١/ ٢٧١، ط. دار الكتب العلمية): [قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّائِمَ يَدْخُلُ حَلْقَهُ الذُّبَابُ أَوْ الشَّيْءُ يَكُونُ بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِثْلُ فِلْقَةِ الْحَبَّةِ أَوْ نَحْوِهَا فَيَبْتَلِعُهُ مَعَ رِيقِهِ؟قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ] انتهى.

ثالثًا: مذهب السادة الشافعية:

قال الإمام الرملي في "نهاية المحتاج شرح المنهاج (٣/ ١٧١، ط. دار الفكر): [(ولو) بَقِيَ طعامٌ بين أسنانِه فجرى به ريقُهُ) من غير قصدٍ (لم يُفطر إن عجز عن تمييزه ومَجِّه) لعذره، بخلاف ما إذا لم يعجز ووصل إلى جوفه فيُفطِر؛ لتقصيره] انتهى.

رابعًا: مذهب السادة الحنابلة:

 قال الإمام ابن قدامة في "المغني"  ( ٣/ ١٢٦ ، ط. مكتبة القاهرة): [وَمَنْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ؛ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا؛ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ، فَازْدَرَدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ. الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُ لَفْظُهُ، فَإِنْ لَفَظَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَامِدًا، فَسَدَ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ] انتهى .

هداية وإرشاد

أيها الصائم : إن الوسوسة في مثل هذه الدقائق بعد أخذك بالأسباب قد تخرج بك عن مقصود العبادة من السكينة والخشوع، فالشرع الذي أمرك بالإمساك هو ذاته الذي عفا عن اليسير وما تعذر الاحتراز منه،  واعلم أن الله تعالى لا ينظر إلى جوفك بحثاً عن ذراتٍ غلبتك، بل ينظر إلى قلبك الذي ملأه تعظيم شعائره والحرص على مرضاته فاجعل يقينك في سعة رحمة الله حجاباً يحميك من وساوس الشيطان، فإنما الصوم صوم القلب عن الالتفات لغير الله، ثق بأن دينك مبني على الحنيفية السمحة، وأن صيامك صحيح ما دمت لم تتعمد بلع جرمٍ تيقنت وجوده وقدرت على إخراجه، فاستعذ بالله من الشيطان، وأقبل على عبادتك بيقين الواثق في فضل ربه.

والله تعالى أعلم

دعاء وختام.

اللهم يا من جعلت الصيام مضمارًا لسباق الأرواح إلى حضرة قدسك، ويا من اصطفيت الصائمين لتُلبسهم حُلل التقوى ببركة سر (الصّوْم لِي وَأَنَا أَجزِي بِه)، اللهم إنا نسألك بحق هذا السر المكنون، والفيض المصون، أن تجعل صيامنا هذا عروجاً بالأنفس من ضيق الشهوات إلى سعة الأنوار، ومن كدورة الغفلة إلى صفاء المشاهدة، اللهم اجعل جوعنا فيك غنىً بك، وظمأنا إليك رِيًّا من فيض محبتك، واجعل لقلوبنا في نهار الصيام سياحةً في ملكوتك، وفي ليل القيام استئناسًا بكلامك وعظيم جلالك.

موضوعات ذات صلة

من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فحُسنُ الخواتيم في كل الأعمال والأعمار مرهون بحسن البدايات.

ما أبهى أن تُستخرج المقاصد من معين القرآن، وأن تُستنطق الآية الكريمة فتفيض بهداياتها على القلوب والعقول معًا

شهر رمضان المبارك الميقات الأغلى لاجتماع أعظم عبادتين يرفعان شأن المؤمن.

موضوعات مختارة