مقدمة:
إن
السير إلى الله تعالى هندسة دقيقة للباطن، تقوم على قانون مطرد عبر عنه أهل الله
بقولهم ( من لا ورد له لا وارد له) ، وهو
حقيقة وجودية كبرى تخبرنا أن العطاء الإلهي مشروط بالجهد البشري، إذ تمثل الأوراد
حجر الزاوية في بناء الشخصية الإيمانية التي تطمح لزيادة القرب من الله ، حيث تحل
الأنوار في قلب استعد لها بظلمة السهر وضجيج الذكر وسكون الفكر ، ويعد هذا القانون الروحي بمثابة الميزان الذي
يضبط حركة الروح في معارج السمو، فالمؤمن الذي يروم بلوغ مراتب الإحسان ، يدرك
تمام الإدراك أن مجرد التمني لا يقطع المسافات، بل يقطعها من أحكم لجام نفسه بورد
ثابت، ليفيض الله عليه من فيوضات قدسه بما يثبت قدمه في مدارج الهداية.
التأصيل
الشرعي للقاعدة:
تأسست
هذه القاعدة عند أهل الله على أصول متينة من الكتاب والسنة:
أولاً:
من القرآن الكريم :
قال تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِیۤ
أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُوا۟ لِی وَلَا تَكۡفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٥٢].
حيث
نلمس في الفاء معنى التعقيب، فذكر العبد الذي هو الورد يعقبه ذكر الرب المعطي
والمانح للواردت.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ
جَٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية٩]
فجعل
المجاهدة بالورد هي الشرط، والهداية إلى السبل هي النتيجة والوعد الإلهي.
ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:
جاء في
الحديث القدسي الذي يرويه سيدنا أبي هريرة عن سيدنا النبي ﷺ، قال الله تعالى «وما
يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا
أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به،
ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي
لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»
[رواه البخاري في صحيحه].
حيث تمثل
النوافل في هذا الحديث الأوراد الراتبة، وتكون المحبة الإلهية وما يتبعها
من تسديد في الجوارح هي قمة الواردات.
جاء في
الحديث القدسي الذي يرويه سيدنا أبي هريرة عن سيدنا النبي ﷺ، قال الله تعالى «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي،
وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ
ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ
بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ
إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه
البخاري في صحيحه].
هذا
الحديث يؤصل لمبدأ المبادرة بالورد وهو الذكر والتقرب ، لينهمر الوارد
وهو ذكر الله للعبد ، والمعية
الخاصة والتقرب الإلهي بالفضل .
سئلت السيدة عائشة - رضي الله عنها - عن عمل النبي
ﷺ فقالت: «كَانَ
عَمَلُهُ دِيمَةً»
[متفق عليه]
في هذا الحديث
تأكيدا على أن الدوام هو سر جلب الواردات واستمرار المدد.
محتوى الموضوع
أولًا: عهد العبودية وصناعة الصلة مع الله:
يتمثل
الورد في حقيقته بالوظيفة التي يلتزم بها السالك إلى الله تجاه خالقه؛ ليكون
جانبًاً حيويًا من الخلق والجهد والامتثال، فهو تلك المساحة التي يقتطعها العبد من
زمنه الفاني ليودعها في خزائن الباقي، مُشَكلِاً ضريبة الإخلاص التي يدفعها السالك
ليثبت صدقه في طلب وجه الله، ويعد الورد نقطة ارتكاز للنفس البشرية، فكما يحتاج
الجسد إلى غذاء مادي يقيمه، تحتاج الروح إلى غذاء قدسي يمدها بالقوة، وحين يستيقظ
المؤمن في جوف الليل، أو حين يخصص ساعة من يومه للذكر، فإنه يعلن انفصاله عن عالم
الأسباب ليتصل بمسبب الأسباب، فيكون الورد هو الحبل الممدود الذي يحمي الإنسان من
التردي في هاوية الغفلة، والسور الذي يحمي قلبه من لصوص الوقت وقطاع طريق الإيمان.
ثانياً: فيض الفتح الإلهي وإشراق المدد الرباني
يأتي
الوارد بوصفه الجانب الذي يتولاه الله عز وجل بفضله وكرمه، متمثلاً في الهبة
اللدنية ، والفتوحات الربانية ، والنفحات القدسية ، التي تنزل على القلب فتملؤه
سكوناً ويقيناً، فهو النور الذي يقذف في القلب، فيرى به صاحبه ما يرى غيره،
ويستوعب به من أسرار القرآن ما تدركه الأفهام المجردة ، وتعد الواردات رسل الله
إلى أرواح أوليائه، إذ تأتي لتجبر كسرهم، وتزيل همهم، وتثبت أقدامهم، فمتى جفت في
الإنسان العزيمة، جاءه وارد القوة، وإذا حارت بك السبل، جاءه وارد الهداية، ذلك أن
الوارد يستجلب بالعمل وينال بالصدق، كونه ثمرة نضجت في بستان الورد، فمن حافظ على
ورده، أكرمه الله بوارد يمسح عنه وعثاء
السير، ويجعله يذوق حلاوة الإيمان ذوقًا.
ثالثاً: التناسب بين الورد والوارد:
تقوم هذه
القاعدة على سر التناسب، فبقدر ما يعمر العبد ظاهره بالأوراد، يعمر الله باطنه
بالواردات، ضمن هندسة روحية دقيقة تجعل من كان ورده الاستغفار، يكون وارده التطهير
والسكينة، ومن كان ورده الصلاة على الجناب النبوي ﷺ، يكون وارده الحفظ والنور
والمعية المحمدية ، وقد جعل الله الأوراد سبباً لنيل وداده، فكما أن الورد في
اللغة مكان الورود للماء، فكذلك أوراد الذكر هي الموارد التي تورد العبد حياض
القرب، لتصبح العلاقة بينهما كعلاقة الوعاء بالمحتوى، فمن طهر وعاء قلبه بالأوراد،
نزل فيه محتوى الأنوار من حضرة الغيب، أما من ترك قلبه نهباً لخواطر السوء
وانشغالات الدنيا، فقد أغلق على نفسه أبواب الفتح.
رابعًا : روح العمل وسر البركة:
تكمن
قيمة الوِرد في استقامته التي تتبعها كرامة، لأن النفس البشرية تميل بطبعها إلى
الانفلات، والوِردُ يُلجِمها بلجام العبودية، وبواسطة الاستقامة على الورد يبني
العبد رصيده الروحاني، فإذا وقعت الواقعة، نادى ربه بصوت مألوف في الملكوت، فيأتيه
المدد كالسيل العارم، وتعمل الاستقامة على تحويل الورد من مهمة نؤديها إلى حال
نعيشه، وحينها تنمحي المسافة بين الورد والوارد، ويصبح العبد في ذكر دائم، موصولاً
بالمدد الإلهي في كل حركة وسكنة، وصولاً إلى الحياة الطيبة التي وعد الله بها
عباده الصالحين، حيث يجد العبد أنسه مع الله وأمانه في رحاب كنفه.