Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٧)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٧)

الحمد لله الذي جعل رمضان ميداناً للارتقاء ، ومنهاجاً لتزكية النفوس وتجديد الإيمان. نُبحر في هذا الإصدار من "زاد رمضان للأئمة والواعظات" عبر محطات إيمانية ومعرفية متكاملة؛ حيث نستهل بدرس العصر حول "الجود النبوي" كمنهج حياة ، ثم ننتقل في ترويحة التراويح لنستلهم "قوة اليقين" من أنوار سورة الأنعام ، وصولاً إلى "ملتقى الفكر" الذي يربط بين "صلة الأرحام" وقبول الطاعات. كما يتضمن الزاد إثراءً لغوياً وفقهياً يجمع بين "لطائف القرآن" و "تيسير الفتوى" ، ليكون عوناً للداعية في نشر الهداية بلسانٍ حكيم وقلبٍ واصل.

درس العصر: الجود والكرم في شهر رمضان

 الجود والكرم في شهر رمضان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

ما أجمل وأروع أن نعيش مع سيرة الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم مع نسمات أيام وليالي الرحمة والمغفرة من شهر رمضان حيث تتفتح فيه القلوب وتلين النفوس، ويغمر المسلمون روح الكرم والجود، في هذا الشهر المبارك كان الجناب الأنور صلى الله عليه وسلم يجمع بين شرف الزمان مع شرف العمل، حيث يزداد أجر العطاء ويصبح له أثر عميق في نفوس المؤمنين، ففي رمضان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى إلى الجود والعطاء من مال وطعام ووقت، إما لمساعدة الفقراء والمحتاجين أو لتهنئة الأحبة والأصدقاء.

وفي هذا الدرس، نستعرض جود الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم وكرمه في رمضان، فأقول:

جوده صلى الله عليه وسلم وكرمه تطبيق لما أنزل عليه من قوله تعالى:﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[آل عمران:٩٢]، وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان:٨]، وقوله: ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[البقرة: ٨٣].

فالجناب المكرم صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن، لذلك يحدثنا سيدنا عبد الله بن عباس عن التطبيق النبوي لآيات الإنفاق والإطعام فيقول: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَى جِبْرِيلَ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ»(صحيح البخاري).

ويحثنا r أن نلحق بركب المنفقين في رمضان تأسيًا به فيقول صلى الله عليه وسلم «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»[صحيح البخاري]، ويحثنا على الإطعام لاسيما في شهر الجود والكرم فيقول لنا الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»[سنن الترمذي بإسناد حسن صحيح].

والجود هو بذل المال والنفع بسهولة، والكرم هو طيب النفس في العطاء، وهما خُلُقان عظيمان دعا إليهما الإسلام وحث عليهما، ولذا جاء التوجيه القرآني من الله لعباده المؤمنين بكثرة الجود والإحسان حيث يقول الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران:٩٢]، والمعنى "لن تنالوا حقيقة البر، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذي يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التي أعدها لعباده الصالحين، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها في سبيل الله، وما تنفقوا من شيء- ولو قليلا- فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم"[التفسير الوسيط لطنطاوي،٢/١٨٠]، وهكذا كان الجناب المكرم صلى الله عليه وسلمفي رمضان.

والجناب المكرم صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا، فكان r يُظهر عظم كرمه في شهر رمضان بشكل خاص، فقد كان أجود الناس على الإطلاق، كما قال ابن عباس (وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ).

وللجود والكرم في رمضان صور وطرق:

١-   منها إطعام الطعام، إطعام المساكين لقول الله تعالى:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان:٨]، وإطعام الطائمين: قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»[سنن الترمذي بإسناد حسن صحيح]

٢-    الصدقة على الفقراء والمحتاجين في رمضان، الفوز بمرضاة الله تعالى وما أعده من ثواب جزيل للمنفقين، والنجاة من عذابه سبحانه، فلتجعل أخي الصائم الصدقة رفيقة لك في نهار وليالي رمضان، فقد يقول الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[صحيح البخاري برقم:١٤١٧].

٣-   الجود بالأخلاق والسخاء بها:

- فنريد أن يكون الصائم سائرا في قضاء حوائج الناس، فقد قال الجناب المكرم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»[صحيح البخاري برقم:٢٤٤٢].

- ونريد من الصائم أن يجود بالكلمة الطيبة والبِشر والتبسم وحسن الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[البقرة: ٨٣]، وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم:«خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقًا، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلى الله عَليه وسَلم فَاحِشًا، وَلاَ مُتَفَحِّشًا»[سنن الترمذي بإسناد حسن صحيح].

وللجود والكرم فضل وثمرات:

١-   أنه سبب لمحبة الله تعالى، َقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا - وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامِ»[المعجم الكبير للطبراني برقم: ١٣٦٤٦]

٢-   أن فيه بركة في المال والعمر، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن خَير فَلِأَنفُسِكُم وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبتِغَآءَ وَجهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِن خَير يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لَا تُظلَمُونَ﴾[البقرة:٢٧٢].

٣-   فيه تفريج للكروب ومغفرة للذنوب: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[صحيح مسلم]

سابعًا: رسائل دعوية

  1. رمضان فرصة لتعلم العطاء قبل الفوات.
  2. ما نقص مال من صدقة، بل زاد وبركة.
  3. أعظم الجود ما كان خالصًا لوجه الله.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

درس التراويح: ترويحة إيمانية، قوة اليقين وأنوار سورة الأنعام

نعيش ونحيا في هذه الليلة المباركة مع آية كريمة من سورة الأنعام وهي قول الله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]

الآية توجهنا وترشدنا إلى أمرين في غاية الأهمية للمؤمن، ليرضي ربه تعالى:

الأمر الأول: قوة اليقين، وترسيخ العقيدة فأنها جوهر بناء الإنسان، وصلاح أعماله وشيوع خيره لتحقيق الاستخلاف في الأرض وتعميرها.

الأمر الثاني: التنور بالتقرب إلى الله سبحانه في كل الأحوال حتى لقائه في (صلاتي، نسكي، محياي، مماتي).

فأما تحقيق قوة اليقين وترسيخ العقيدة، فنجد أن الله تعالى أمر الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله أن صلواته وذبحه وما يفعله في الحياة من الأعمال، وما يموت عليه من الإيمان والأعمال الصالحة جميع ذلك خالصًا لله تعالى، ومن هنا تتجلى أنوار اليقين، والمعرفة بالخالق سبحانه، وعبادته حق العبادة، إذ عندما يتقرر هذا اليقين في قلب العبد يستسلم وينقاد إلى ربه، متأسيًا بالجناب المكرم r فقد كان أول من انقاد واستسلم لطاعة الله عز وجل وهذا ما أخبرتنا به الآية:﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ ﴾.

والمدهش في الآية أنها جاءت جوابًا على سؤال مقدر كأن سائلا سأل لما قرأ سورة الأنعام فوجد مدح ملة الإسلام متكررًا فاشتاق إلى معرفة أوصافها ليتأسى بها أهل الإيمان.

وفي الآية تتواصل الأنوار بما بعدها من آيات حتى آخر آية في سورة الأنعام وهي قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] فعند التأمل نقف على أسرار وأنوار تقوم على ما تقدم من اليقين والمعرفة بالله الاعتقاد الصحيح فيه والطاعة والانقياد له الذي ذكر في قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ ﴾، فنجد في ختام سورة الأنعام ذكر للاستخلاف في الأرض القائم على صلاح القلوب الذي يدفع دفعًا إلى العمران بإصلاحه وتنميته واستدامة الخير فيه، ولا يعمر إلى الطائع صاحب المقام الرفيع بسبب تنوره بأنوار العقيدة، وعلى الجانب الآخر يأتي عقاب الله لمن كفر وضل طريق المعرفة بالله، مع التذكير بالغفران والرحمة لمن شكر نعمة الله وهو من أنوار اليقين بالله تعالى.

وأما التنور بالتقرب إلى الله سبحانه في كل الأحوال حتى لقائه: فنجد ذلك في فيوضات عظائم الأعمال وأعلاها الصلاة والنسك والمحيا والممات والتي فيها تسليم الجوارح والانقياد الكامل لله، فيظفر العابد بنور قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ فالصلاة نور كما قال الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم أولى مقتضيات الإيمان، ومن تجلياتها أنها تشمل ثمرات وفوائد تعالج الظاهر والباطن، فالقلب يتنعم بالنية الخالصة والخشوع والخشية واللسان يتعود على التلفظ بالطهر والنقاء بتعوده على التكبير والتحميد والثناء على الله، وتلاوة كتابه الكريم، ومناجاة الله سبحانه وتعالى والجوارح تتأدب بالقيام والرّكوع والسجود والجلوس، فالصلاة التي حدثتنا عنها الآية عبادة عظيمة، يجتمع فيها ما لا يجتمع في غيرها من ثمرات وأسرار، ولذلك جعلها الله عمود الإسلام، وجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام.

وقوله تعالى ﴿وَنُسُكِي﴾ دلالة على وجه آخر من أنواع القربات لله فمعناها ما يذبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرّب والعبادة، كهَدْي التمتُّع والقِران، وهَدْي التطوُّع، وهَدْي الجُبران، والأضاحي، والعقيقة، هذه كلها تُسمى نُسُكاً.

وقوله﴿وَنُسُكِي﴾دال على التقرب إلى الله بالذبائح بأنواعها فليذبح المتعظ الفطن حبائل الشيطان وأسباب الشهوات والملذات في نفسه وهواه وليقطع الصلات برفقاء السوء ويتنسك ويتطهر بالذكر والصلاة والسلام على الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم.

فالمشركون قطعوا أنفسهم عن أنوار عبادة الله وذبحوا لغير الله من أصنام ومعبودات وذبحوا للجن طاعة للمُشَعْوِذِين من أجل زعم العلاج.

فرد عليهم الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم بما أكرمه الله من أنوار وصلة وأسرار وفيوضات ونفحات وتجليات وبركة ومدد وسداد بإخبارهم أن صلاته ونسكه لله تعالى الخالق الرازق النافع.

وقوله ﴿ وَمَحْيَايَ﴾ لفظ يأتي من (الحياة) فالجناب المكرم صلى الله عليه وسلم يخبر أن حياته بما فيها من كليات وجزئيات وأحوال ومواقف وأقوال وأفعال ووظائف كلها لله تعالى... فاتعظ يامن تغتر بزخرف الحياة وشهواتها وملذاتها فتهتم بالتنعم بها وتنسى أن تكون حياتك لله طائعا عابدا ذاكرا قانتا، حذار حذار أن تغفل عن الله تعالى وتضيع حياتك مع هواك وشيطانك.

وقوله ﴿ وَمَمَاتِي﴾ هنا تصل الطاعة إلى ذروة التفاني عندما يكون الموت والانقطاع عن الحياة بالكلية يكون أيضا لله، في إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم ومن ورائه المسلمين يحيون على توحيد الله وعبادته ويموتون على التوحيد﴿ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، المنعوت بصفات الجلال والموصوف بصفات الكمال ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ المستحق للعبادة والذي يتوجه إليه العبد بالطاعات وأنواع القربات كما في هذه الآية.

ثم نلحظ في الآية قول الله تبارك وتعالى ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾إنها ذروة سنام الطاعة والانقياد للأمر الإلهي في صنيع الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم، وعلينا أن نستجيب لأوامر الله تسليما وتأدية ووفاء بحقها اقتداء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والعجيب قراءة هذا التأكيد على حسن الانقياد وإتقان الطاعة وعدم مفارقة العبادة في حكاية القرآن الكريم عن الجناب المكرم من قوله ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾.

درس الملتقى : صلة الرحم وأثرها في قبول العبادات

عناصر الموضوع:

- صلة الرحم وتجلي الخشوع.

- بركة الوصل جوهر الصيام.

- تضاعف أجور العطاء للرحم.

-  صلة الرحم عنوان القرب في ليلة القدر.

أدلة الموضوع:

- قال تعالى: (​يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [ سورة النساء : الآية ١]

- قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [ سورة الرعد : الأية ٢١ ]

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿مَن أحبَّ أن يُبسَطَ له في رزقِه، ويُنسأَ له في أثَرِه، فليَصِلْ رَحِمَه﴾ [ رواه البخاري في صحيحه ]

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقةُ على المسكين صدقةٌ، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقةٌ وصِلة» (رواه الترمذي في سننه ).

المحتوى

مقدمة:

إن شهر رمضان في حقيقته الجوهرية يمثل دعوة إلهية لترميم كيان الإنسان، وإعادة ضبط بوصلته نحو موازين القرب ومنازل الأنس، حيث تتجلى عظمة هذا الشهر في كونه جسرا ممتدا بين السماء والأرض، وبين العبد وبارئه، وبين المرء ورحمه، فلفظة "الرحم" بضعة من اسم الله "الرحمن"، سكنت في حنايا الخلق لتبقى شاهدا على قدسية الرابطة التي تعلو فوق شؤون الدنيا ومصالحها الزائلة، فيغدو الوصل في رمضان فريضة روحية، تسمو بها العبادات، وتزكو بها الأرواح، ويتحول بها الصوم من مجرد إمساك عن الطعام والشراب إلى إقبال كلي على جبر الخواطر، وصناعة المودة، وإفشاء السلام في أرجاء العائلة الممتدة، ليكون العبد ربانيا في عبادته، محمديا في صلته، وهذا هو الهدف الأسمى من دخول جنة رمضان.

أولاً : صلة الرحم وتجلي الخشوع:

تكتسب الصلاة هيبتها وجلالها حين يقف العبد في محرابه بقلب فارغ من كدورات القطيعة، ممتلئ بأنوار المحبة لأهله وذويه، فصلة الرحم تمنح الروح شفافية فائقة، تجعل المصلي يشعر بمعاني الآيات وكأنها تتنزل على قلبه في اللحظة الراهنة، فتصفية الرواسب النفسية مع الأقارب تعد من أعظم القربات التي تفتح مغاليق القلوب، فإذا سجد الواصل لرحمه سجدت معه روح محبة، وإذا دعا في صلاته وجد أثر البرد والسكينة في صدره، إن الخشوع ثمرة لسلامة الصدر، وأولى الناس بسلامة صدرك هم الذين جمعك الله بهم في رحم واحدة، فمتى تحقق الوصل معهم، فاضت أنوار الصلاة على جوارحك، وصارت صلاتك معراجا يترقى فيه من حال إلى حال، ومن مقام المجاهدة إلى مقام المشاهدة

ثانيًا : بركة الوصل جوهر الصيام:

يمثل الصيام حالة من الترفع عن الدنايا، والتحليق في آفاق الروح، وتتحقق هذه المزية بأبهى صورها حين يقترن الصوم بصلة الأرحام التي تمنح العبادة طعما ملكوتيا، فبمجرد سريان الود في عروق الأقارب تزداد بركة ساعات الصيام، ويجعل الجوع والعطش مطية لنيل الرضا الإلهي، فالصيام وعاء والوصل جوهره وزينته، فالواصل لرحمه في رمضان يلبس صيامه حللا من القبول، ويجعل من مائدة إفطاره منطلقا لإحياء السنن المهجورة في التراحم والتزاور، فيتحول الصيام من مجرد عادة سنوية إلى رحلة استكشافية في أعماق العائلة للبحث عن المكلوم فنداويه، وعن المحتاج فنكفيه، حينها يتجسد الصيام الحقيقي هو الذي يثمر رقة في القلب تجاه الأهل، ويجعل العبد يسارع في كسب ود من أبعدته عنه الأيام، فيغدو يومه كله طاعة موصولة بذكر الله وخدمة خلقه، ويرتقي في معارج القبول حتى يكتب عند الله من الصائمين القائمين الواصلين.

ثالثًا : تضاعف أجور العطاء للرحم:

يرشدنا المنهج النبوي إلى أن الجود في رمضان ينبغي أن يبدأ من الدائرة الأقرب، فبر الأهل والعطاء لمحتاجهم هو ذروة السنام في فقه الصدقات، وهو دليل على صدق العاطفة وإيمان العبد، لذلم فالدرهم الذي يوضع في كف قريب متعفف يحمل في طياته أجرين عظيمين هما : أجر التكافل المالي، وأجر التلاحم العائلي، وهو أسرع عند الله في القبول وأبقى أثرا في إصلاح القلوب، ليتحقق هذا المسلك النبوي يربي فينا روح المسئولية الجماعية، ويجعل من أموالنا جسورا تعبر عليها المحبة لتستقر في بيوت القرابة، فتطهر النفوس من الحسد، وتملأ البيوت بالسكينة والبركة، إن إنفاقك على ذوي رحمك في هذا الشهر الكريم هو نوع من أنواع الجهاد بالمال الذي يرمم ما أفسده الفقر، ويحيي ما أماته الإهمال، ويجعل لصدقتك نورا يتلألأ في صحيفة أعمالك، ويظلك بظلها يوم العرض على الله.

رابعًا : صلة الرحم عنوان القرب في ليلة القدر:

تشرق ليالي العشر الأواخر بنفحاتها القدسية، وتتطلع القلوب فيها إلى سجدة مستجابة في ليلة القدر، وإن أعظم ما يمهد الطريق لهذا القبول هو إصلاح ذات البين وصلة الأرحام التي تفتح أبواب السماء، فالرحمة الإلهية تنزل على المتراحمين، وتغلق الأبواب في وجه من زرع الشقاق وقطع ما أمر الله به أن يوصل، فمن أراد أن يسمع الله نداءه في جوف الليل فليسمع هو نداء أهله في وضح النهار، إن دعاء الواصل لرحمه يحمل قوة ونورا، لأنه نابع من قلب حقق شرط الرحمة الأرضية، فاستحق بها الفوز بالرحمة العلوية في أقدس أزمان العام، فصلة الرحم هي الضمانة الأكيدة لرفع العمل واستجابة الدعاء، فإذا رفعت يدك إلى السماء وكان بينك وبين قريبك حبال من المودة، استجابت لك ذرات الكون، وفتحت لك أبواب الفضل العميم، لتخرج من رمضان بقلب جديد ودعاء مستجاب مستجاب.

رسائل دعوية:

-  رمضان فرصة لترميم القلوب، فصلة رحمك هي الروح التي تحيي جسد صيامك.

-   صلاة القيام معراج للأرواح، ولا يكمل عروجها وفي القلب جفاء لذوي الأرحام.

-     بركة رزقك ونماء عمرك في رمضان مرهونان بكلمة طيبة تصل بها قرابتك.

-     صلة الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها في شهر الرحمة وصله الله بفيض عطائه.

-         دعاؤك في ليلة القدر يفتح أبواب السماء، والصلة هي المفتاح الذي يزيل الحجب.

-         اجعل من إفطارك محفلاً للمودة، فإطعام القريب صدقة في اليد وصلة في الروح.

-         طهارة الصوم لا تكتمل إلا بنقاء الصدر، فبادر بالوصل لمن قطعك تقرباً لله.

-          ركعات التهجد تزداد نوراً حين تسبقها بسؤال عن حال قريب أو عون لمحتاجهم.

-         الرحم معلقة بالعرش، فاجعل صيامك حبل وصل يربطك بأنوار العرش الإلهي.

-          من أراد أن يغفر الله له في شهر المغفرة، فليعفُ عمن أساء إليه من أهله.

-          الصدقة على القريب المتعفف هي الفقه الأسمى في ترتيب أولويات الجود الرمضاني.

-         أنوار رمضان تشرق في البيوت التي تتزاور أرحامها وتتصالح نفوسها لوجه الله.

-          صلة الرحم وقاية من مصارع السوء، وحصن حصين يحفظ ثمرة عبادتك في رمضان.

-         ابحث عن "المنسيين" في شجرة عائلتك، فوصالهم هو القربة التي يحبها الله.

-          جمال الصيام في رقة الشعور، وأولى الناس برقتك هم الذين جمعك بهم رباط الدم.

-         اجعل لسانك رطباً بذكر الله ودافئاً بالسؤال عن الأهل، فكلاهما عبادة ترفع.

-         لا يغلبنك شح النفس في رمضان، فدرهم الصدقة في ذوي الرحم يزن قناطير الأجر.

-         العبادة جوهرها الإحسان، وصلة الرحم هي قمة الإحسان في مدرسة الصيام.

-          استجابة النداء في السحر تطلب قلباً واصلاً، فكن لرحمك واصلاً يكن الله لك مجيباً.

-         صلة الرحم في رمضان ليست عادة اجتماعية، بل هي عبادة ربانية تفتح آفاق القبول.

إثراء دعوي ومعرفي

- من مشكاة الحكم العطائية:

"تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال.. والأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها"

إنَّ أعظم ما يشرق في وجدان السالك وهو يرقب أنوار التجلي، هو إدراكه أنَّ الله سبحانه لا ينظر إلى قوالب الرسوم، بل إلى حقائق القلوب، فليس الشأن في تكثير هيئات الطاعات، بل الشأن في الوارد الذي صبغ ذلك العمل، ولذا يضع سيدي ابن عطاء الله السكندري يده على قانون الوجود العبادي، مبيناً أنَّ تفاوت الطاعات بين صلاة وصيام وذكر وبرّ إنما هو أثرٌ لتنوع الواردات الإلهية على القلوب، محذراً بقاعدته الذهبية من أنَّ العمل مهما عظم شكله، فهو جسدٌ لا حراك فيه إن لم تسْرِ فيه روح الإخلاص.

فالحقيقة التي يغيب عنها الكثيرون هي أنَّ العمل الذي يخلو من مدد الإخلاص هو صورةٌ باهتة لا حياة فيها، فكما أنَّ الجسد بلا روح يصير إلى فناء، فكذلك العمل بلا إخلاص لا يرتفع إلى السماء، ومن كمال الفقه عن الله أن يدرك العبد أنَّ تنوع صور طاعاته إنما هو بسطٌ لمائد الكرم الإلهي، ليتذوق في كل جنس من العمل حالاً جديداً من القرب، شريطة أن يغيب بقلبه عن رؤية نفسه في العمل، ليرى فضل الله وتوفيقه، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم» [رواه مسلم في صحيحه].

وفي رحاب أيام رمضان المباركة، تتجلى هذه الحكمة في أبهى مظاهرها؛ إذ تجتمع في رمضان أجناسٌ شتى من القربات: من كفِّ النفس عن المشتهيات، إلى القيام في ظلمات الليل، إلى تلاوة الذكر الحكيم؛ وكلُّ هذه ليست إلا صوراً قائمة، فجعل الله صومك هو الميدان الأكبر لتجلي روحها؛ فالمؤمن في رمضان يتدرب عملياً على أنَّ العمل ليس مقصوداً لذاته، بل لما يحمله من سرّ التوجه إلى الحق سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [سورة البينة، الآية ٥].

وهنا تتربى في الصائم الهمة العلية التي تدرك أنَّ الصيام هو روح الأعمال، لأنه العبادة التي لا يدخلها رياء الرسوم، فهو السر الذي بينك وبين مولاك؛ فكما يتنوع حالك بين جوعٍ في النهار وتهجدٍ في الليل، يجب أن تظل الروح واحدة، وهي إخلاص القصد لوجه الله الكريم، يقيناً منك أنَّ ربك الذي نوّع لك الأعمال في رمضان إنما أراد أن يفتح لك بكل عملٍ باباً من أبواب معرفته، كما ورد في الحديث القدسي العظيم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»[متفق عليه].

إنَّ العارف في أيام رمضان هو الذي يرى في كل طاعةٍ وارداً ربانياً يجدد إيمانه، فإذا صلى أحسَّ بروح الخضوع، وإذا صام تذوق روح الصبر، وإذا تصدق أبصر روح الجود؛ مدركاً أنَّ هذه الأعمال وإن اختلفت أشكالها، فإنَّ حياتها وقبولها معلقٌ بذلك السر الخفي الذي أودعه الله في أعماق قلبه، متمثلاً قول الحق سبحانه في شأن القربات: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [سورة الحج، الآية ٣٧].

وبذلك يخرج الصائم من مدرسة رمضان وقد تعلم أن لا يغتر بصورة عمله، بل يفتقر إلى ربه ليحيي عمله بنور الإخلاص، موقناً أنَّ "حال" قلبه مع الله هو الثمرة الكبرى، لذا لابد لكل من يتقلب في نفحات هذا الشهر أن يسعى لجعل أعماله تنبض بروح الإخلاص، ليكون نتاجها تمام القبول في الدنيا والآخرة، عملاً بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [سورة النساء، الآية ١٢٥].

المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان

الدلالات اللغوية والكمية لمعدودة ومعدودات

الفرق بين (أياما معدودات) في سورة البقرة آيات الصيام، و(أياما معدودات) في سورة آل عمران، و(معدودة) في سورة البقرة في قول اليهود

١- معدودات:

وردت (معدوات) في آية الصيام، وهي آيات رحمةقال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: ١٨٤]، كما وردت(معدودات ) في آيات اجتراء وافتراء اليهود في قول الله حكاية عنهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤].

 و(معدودات) : (جمع مؤنث سالم):

دلالتها: تدل على القلة المحسوسة والواضحة، من العدد ٣ إلى العدد ١٠، وشهر رمضان (٣٠)يومً، إلا أن التعبير عن عدتها بمعدودات الدالة على العدد من(٣-١٠) لسر عظيم في الشهر الكريم، وهو أن هذه الأيام العشرة، تكرر أنوارها وأسرارها ثلاث مرات في الشهر لتنوع بركتها، فالعشر الأول رحمه، والعشر الأوسط مغفرة، والعشر الأخير العتق من النيران، فاختيار (معدودات)في آية الصيام لتكرار الرحمات كل عشرة أيام، ويدل عليه تمييز العشر الأخير بوقوع ليلة القدر فيها.

ودلالة أخرى: أن الله جل جلاله جعل صيام رمضان أيامًا قليلة (معدودات)، وهذا من رحمة الله تعالى، حيث لم يجعل الدهر كله صيامًا، ولا جعل السنة كلها صيامًا، ولكنها أيام معدودات، فإذا قيست أيام رمضان بأيام العام ظهرت قلتها فنسبة صيامك رمضان إلى العام نسبة قليلة.

أما في قوله تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ "(آل عمران: ٢٤)، فهذا من قول اليهود، فكأنهم يرون أن أيام النار قليلة، ولأن الذنوب التي ذكرت في الآية أقل.

فقولهم لا بركة فيه ولا نور، وإنما هو تألي على الله وافتراءبأن أيامهم في النار من ثلاثة أيام إلى عشرة.

١-   معدودة:

معدودة (مفرد مؤنث): (مفرد مؤنث يُستخدم للجمع غير العاقل) وهي جمع كثرة وهي أكثر من معدودات، أي هي أكثر من ١١، والقاعدة اللغوية أنه إذا وصفنا الجمع غير العاقل بالمفرد فإنه يفيد الكثرة، ومنه قوله تعالى : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ".

اختيار كلمة (معدودة) في هذه الآية لأن الذنوب التي ذُكرت في هذه الآية أكثر.

ومثال ذلك (أنهار جارية) و(أنهار جاريات) الجارية أكثر من حيث العدد من الجاريات وأشجار مثمرة أكثر من مثمرات وجبال شاهقة أكثر من شاهقات.

ودلالتها: قد تدل على كثرة أكثر من "معدودات" (أي أكثر من ١٠)، ومنه قوله تعالى: "وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَّعْدُودَةً" (البقرة: ٨٠)، حيث يشيرون إلى أيام أقل وأقل نفعاً من أيام الصيام، ومنه أيضًا: "وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ" (يوسف: ٢٠).

رمضان سؤال وجواب

حكم تناول العقاقير للتقوي على الصيام

ما حكم تناول الصائم لبعض الأدوية والعقاقير وقت السحور لتقويته على الصيام وتقليل شعوره بالجوع والعطش؟ وماذا يجب عليه؟

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ومن القواعد المقررة شرعاً أن "الأصل في الأشياء الإباحة"، وأن "المعونة تنزل على قدر المؤونة"، وبناءً عليه، فلا مانع شرعاً من تناول الصائم للأدوية والعقاقير المباحة في وقت السحور بقصد التقوي على الصيام، إذا كان ذلك تحت إشراف طبي ولم يترتب عليه ضرر، لأن الاستعانة على العبادة بما ييسرها أمر مطلوب شرعاً، والتكليف منوط بالوسع والاستطاعة، وإليك نصوص المذاهب والأدلة في ذلك:

أولاً: مذهب السادة الحنفية:

- قال العلامة الشُّرُنْبُلَالِي في "مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح " (ص: ٢٥٧، ط. المكتبة العصرية): [لا يكره له "المضمضة و" لا "الاستنشاق" وقد فعلهما "لغير وضوء و" لا "الاغتسال و" لا "التلفف بثوب مبتل" قصد ذلك "للتبرد" ودفع الحر "على المفتى به" وهو قول أبي يوسف لأن النبي صلى الله عليه وسلم "صب على رأسه الماء وهو صائم" من العطش أو من الحر رواه أبو داود وكان ابن عمر رضي الله عنهما يبل الثوب ويلقه عليه وهو صائم ولأن بهذه عونا على العبادة ودفعا للضجر الطبيعي] انتهى.

فأفاد أن كل ما يُعين على العبادة ويخفف وطأتها على النفس دون إفسادها هو أمر جائز ومستحب.

ثانياً: مذهب السادة المالكية:

- قال الإمام الباجي في "المنتقى شرح الموطأ" (٢/ ٤٩، ط. مطبعة السعادة): [وهذا أصل في استعمال ما يتقوَّى به الصائم على صومه مما لا يقع به الفطر... لأن ذلك يعينه على الصوم ولا يقع به الفطر] انتهى.

 فقرر أن الأصل هو جواز استخدام الوسائل المعينة على الصيام ما دامت تقع في وقت الإباحة أو لا تفسد الصوم.

ثالثاً: مذهب السادة الشافعية:

- قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري شرح صيح البخاري " (٤/ ١٤٠، ط. دار المعرفة): [يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب] انتهى.

وبما أن تناول العقاقير في وقت السحور يعد جزءاً مما يتناوله المرء، فإنه يدخل في مسمى السحور الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه "الغداء المبارك" لكونه يقوي على العبادة.

رابعاً: مذهب السادة الحنابلة:

- قال العلامة الرُّحَيْبَانِي في "مطالب أولي النهى" (٦/ ٢١٨، ط. المكتب الإسلامي): [لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا ضَرَرَ فِيهَا وَلَا نَصَّ تَحْرِيمٍ الْحِلُّ وَالْإِبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ الشَّرْعُ بِالتَّحْرِيمِ لَا الْحَظْرِ] انتهى.

وبما أن هذه العقاقير طاهرة ونافعة ولم يرد نهج عن تناولها وقت الإباحة (الليل)، فتبقى على أصل الجواز والحل.

هداية وإرشاد:

أيها الصائم الحريص: إن سعيك للأخذ بأسباب القوة لتؤدي فريضة الله بنشاط وحضور قلب هو في ذاته نية صالحة تتقرب بها إلى الخالق سبحانه، فلا تظن أن تطلب التيسير في الصوم باستخدام العقاقير المباحة هو نقص في الأجر، بل هو استجابة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يصب الماء على رأسه من الحر والعطش ليتقوى على صومه.

واعلم أن صيامك الحقيقي هو امتثال أمر الله، وقد جعل الله من بركة السحور ما يعين البدن ويقويه، فاجعل تناولك لهذه الأدوية (بمشورة الأطباء) نية للتقوي على ذكره وشكره وحسن عبادته، لتنال أجر الصائم القوي الذي هو أحب إلى الله من الصائم الضعيف، وثق بأن الله تعالى رفيق بعباده يحب أن يرى أثر رحمته وتيسيره في شؤونهم كافّة. والله تعالى أعلم.

دعاء وختام

اللهم يا من جعلت الصيام مضماراً لسباق الأرواح إلى حضرة قدسك، ويا من اصطفيت الصائمين لتُلبسهم حُلل التقوى ببركة سر (الصوم لي وأنا أجزي به)، اللهم إنا نسألك بحق هذا السر المكنون، والفيض المصون، أن تجعل صيامنا هذا عروجاً بالأنفس من ضيق الشهوات إلى سعة الأنوار، ومن كدورة الغفلة إلى صفاء المشاهدة، اللهم اجعل جوعنا فيك غنىً بك، وظمأنا إليك رِيّاً من فيض محبتك، واجعل لقلوبنا في نهار الصيام سياحةً في ملكوتك، وفي ليل القيام استئناساً بكلامك وعظيم جلالك.

موضوعات ذات صلة

فليكن حظُّنا من رمضان صِدقَ الإقبالِ بالقلوب قبل الأبدان، حتى تنغمسَ أرواحُنا في أنوار الوحي.

إنَّ المحطاتِ الإيمانيةَ -من تعجيلِ فطرٍ وتأخيرِ سحورٍ، وعنايةٍ بالقرآنِ، وتخلقٍ بالأمانةِ والعدلِ.

يا أيها السائرون إلى الله في أنوارِ هذا الشهرِ الشريف، اجعلوا من صيامِكم مِعراجاً لتزكيةِ النفوس.

موضوعات مختارة