Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

زاد رمضان للأئمة والواعظات (٨)

الكاتب

هيئة التحرير

زاد رمضان للأئمة والواعظات (٨)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن النفس البشرية في شهر رمضان مقصودة بالتزكية، والفطن من أفنى نفسه في الطاعة، وجاهد الشواغل والصوارف التي تصرف عن التزكية والتحلية والتخلية وتنمي فساد النفس وفجورها.

درس العصر: مجاهدة النفس

أولًا: معنى مجاهدة النفس:

مجاهدة النفس هي حملها على الطاعة ومنعها من المعصية، وصبرها على الحق، ومجاهدة النفس من أعظم درجات الإيمان، فيجعل العبد نفسه منصاعة للطاعة مبتعدة عن المعاصي أليس الله تعالى قد قال:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩).

المجاهدة أن تلاحظ نفسك وتقومها وتستعد لآخرتك وتغرس الآداب في نفسك لحملها على الطاعة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ» [رواه الترمذي بإسناد حسن].

ثانيًا: رمضان ميدان المجاهدة:

في شهر رمضان فرص عظيمة لمجاهدة النفس حيث فرص الخير مهيأة وفرص الشر مغلقة، فالصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو اختبار لصدق العبد مع ربه، عندما تتوق النفس للطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان، فيكون الصائم مجاهد لهذه النوازع والشهوات، باختياره أن يطهر قلبه من شهواته، ويلتزم بالعبادة إيمانًا واحتسابًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»[رواه البخاري].

ومن خلال مجاهدة النفس والتزام الطاعات، يستطيع العبد أن ينقي قلبه ويصل إلى الصفاء الروحي الذي يجعله أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحسن والقبيح.

 وشهر رمضان هو ميدان مجاهدة النفس، حيث يتاح للمسلم فرصة عظيمة للتطهير الروحي من خلال الصيام، الزكاة، والحج، الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو اختبار للنية والإيمان، " فالمؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفى أجره بغير حساب .

فعليك أيها السالك لطريق الاستقامة في رمضان:

 ١-أن تُجاهد النفس عن الطعام والشراب.

 ٢-وتُجاهدها عن الغضب واللغو.

 ٣-وتُلزمها بالطاعة والقيام والقرآن.

قال سيدنا رسول الله-ﷺ-: « الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ» [أخرجه البخاري في صحيحه برقم: ١٨٩٤] أي وقاية وحماية للنفس من الانفلات.

ثالثًا: مجاهدة النفس أصل كل صلاح وخير:

إنّ مجاهدة النفس أصل كل صلاح وخير، ولا يستقيم جهاد ظاهر بلا قلب مستقيم، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ لِلَّهِ» (حديث حسن رواه أحمد برقم: ٢٣٩٥٢).

 فجهاد النفس في شهر رمضان ليست معركة عابرة، بل هو تأسيس لطريق الاستقامة بعده، فمن صدق مع الله في جهاد نفسه، صدقه الله في عونه وهدايته وظل طوال العام يجني ثمار استقامته واجتهاده، وصدق الحق حين قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[الشمس:٩-١٠].

رابعًا: من ثمار مجاهدة النفس:

 لمجاهدة النفس آثار طيبة على النفس منها:

 ١-تزيد الإيمان قوة في نفس المؤمن.

 ٢-سبب لسلامة الصدر ونقاء السريرة.

 ٣-تعين العبد على الثبات على الطاعة بعد رمضان.

رسائل دعوية:

١-مجاهدة النفس تعين المؤمن على أن يملك زمام أمره.

٢-شهر رمضان يدرب النفس تدريبًا عمليًّا على الالتزام والانضباط في كل شيء.

٣-من أعظم الجهاد جهاد النفس  وإصلاح القلب.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

درس التراويح: ترويحة إيمانية ، اتباع مشكاة الوحي والنهي عن مخالطة أهل الضلال

نحيا ونعيش في هذه الليلة المباركة مع أنوار وأسرار آية كريمة من الجزء الثامن  وهي قول الله تعالى {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: ٣]

في هذه الآية الكريمة، توجيهات وإرشادات ففيها (الأمر باتباع الوحي الشريف ، والنهي عن اتباع أهل الزيف والضلال) فلدينا درسين مهمين.

فأما اتباع الوحي الشريف يكون بالاستجابة لله ورسوله r إحياء للنفوس من غفلتها، وترقيها وتزكيتها قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: ٢٤]، فإذا أردت السعادة في الدنيا والفوز بالآخرة فكن متبعًا لما أنزل، ففي آية الأعراف التي معنا أمر إلهي باتباع ما أنزله الله من هدايات مع الجناب المكرم r مع التحذير من دعوات الشياطين من الإنس والجن، والأخطر أن يتخذ الإنسان آمرًا وناهيًا غير الوحي من مضل أو ضال عن الطريق المستقيم.

فاتباع مشكاة الوحي دليل الحب، قيل: "اتباع الحبيب في أمره ونهيه يدل على صحة دعوى المحبة، ومخالفته يدل على بطلانها

تعصِي الإله وأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ ... هذَا محَالٌ في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مُطِيعُ"

[البحر المديد٢/١٩٦]

فالاتباع نعمة وقيمة وسلوك قويم إذا اختاره العبد ينال المدد والبركة وزيادة الإيمان والأجر والثواب، ورضا الله تعالى والسلامة من شرور الإنس والجن، فقد تحلى هذا العبد ظاهرًا وباطنًا بحلاوة الإيمان التي تمخضت عن الاتباع الذي هو في نفس الوقت دليل الحب، قال الجناب المعظم ﷺ  " ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا... الحديث" [متفق عليه] ، وبقدر الحب  والطاعة لله عز وجل ولسيدنا رسول الله ﷺ  بقدر ما تكون الهداية قال الله تعالى {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: ٥٤].

إن الإنسان عندما يمرض ويذهب للطبيب يحرر له الطبيب روشتة علاج واجبة الاتباع، ويوصيه الطبيب بعدم المخالفة، وإلا فإن حالته بمجرد المخالفة تنتقل من سيئ إلى أسوأ، ويشرف على الهلاك، فنرى عند الجميع حسن الاتباع لإرشادات الاطباء، فإذا كان هذا هو الحال عند الخوف على النفس من هلاكها بسبب الأمراض، فكيف يكون الحال عند مخالفة تعليمات الوحي التي يكون جزاؤها حساب عسير إلا أن يعفو الله تعالى.

كن طبيب نفسك .. واتبع ما فيه خلاصك .. وانظر إلى مقعد صدقك .. عند مليك مقتدر.. تجليات لاتباعك وحبك.

كن مثل هذه النماذج التي أطاعت واتبعت بتفكير وتعقل مع حب للآمر بهدف التأسي والاتباع، فهذا هو سيدنا عمر رضي الله عنه  يوازن بين ما استقر في العقل والفكر وما حمله على فعل ما يدل على مطلق الاتباع، وذلك لما جاء إلى الحجر الأسود قبله وقَالَ لِلرُّكْنِ: «أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ»، فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ: «فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ» (صحيح البخاري).

وأما النهي عن اتباع أهل الزيف والضلال ومخالطتهم، فهذا من الأمور التي يجب التنبيه عليها عند الأمر بالاتباع، كما في الآية الكريمة، فقد جاء الأمر بالاتباع ثم جاء النهي عن اتباع ما يتخذه العبد من دون الله من مناهج ومسالك ضالة، ومن صورها: الأعراف البعيدة عن منهج الله، والتقاليد الموروثة، والشُّبه الخطّافة التي تأخذ العبد إلى مسالك الفساد، والاغترار بالباطل، والوقوع في الفتنة ، فقد حذرنا الله من هذه المسالك وبين أنها غير سبيل المؤمنين ، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ١١٥].

وحذرنا الشرع الشريف من مجالسة أهل الضلال والزيف فقال تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [النساء: ١٤٠].

وقال تعالى {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: ٦٨].

وهذا كله ولعمري تحذير شديد ينهر كل من خالط أهل الضلال والزيف رُوي عن معمر بن راشد في جامعه ١١/ ١٢٥: كنت عند ابن طاووس وعنده ابن له، إذ أتاه رجل يقال له: صالح. يتكلم في القدر، فتكلم بشيء، فتنبه، فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أدخل أصابعك في أذنيك واشدد، فلا تسمع من قوله شيئًا، فإن القلب ضعيف.

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ٧/٢٦١ : أكثر الأئمة على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة.

درس الملتقى : رمضان شهر الانتصارات

رمضان شهر الخير والبركات والانتصارات منذ فجر التاريخ الإسلامي،  ففى رمضان انتصر المسلمون فى معركة بدر ، وفيه تم فتح مكة ، وفيه انتصر المصريون على اليهود فى العاشر من رمضان السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ م ، وغير ذلك من الأحداث التى وقعت فى رمضان وانتصر فيها المسلمون بفضل الله عز وجل. 

والنصر له عوامل وأسباب يجب أن يتعرف عليها المسلمون ليستفيدوا منها : 

١- فى رمضان تقوى العزيمة والإرادة لدى المسلمين، ويزداد الإخلاص، وتقوى صلة المسلمين بربهم  .

٢- التوكل على الله والخضوع له وتسليم الأمر له ، قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٢] مع الإيمان الجازم بأن النصر والهزيمة من عند الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: ١٢٦].

٣ - التواضع لله تعالى والانكسار له ، وعدم الاغترار بالأسباب التى يمتلكها البشر، فإن خالق الأسباب هو الله تعالى ، والقادر بربطها بمسبباتها هو الله تعالى ، والقادر على عدم تحقيق الأسباب لمسبباتها هو الله تعالى .

٤ - الابتعاد عن الذنوب والمعاصى وعما يغضب المولى سبحانه وتعالى، فإن المعاصى تزيل النعم، وتستجلب غضب الله عز وجل، قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقبل علينا بوجهه، فقال: «يا معشر المهاجرين، خمسُ خصالٍ أعوذ بالله أن تدركوهنَّ: ما ظهرت الفاحشة فى قوم حتى أعلنوا بها؛ إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التى لم تكن فى أسلافهم الذين مضوا، ولا نَقَص قومٌ المكيالَ؛ إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولا خَفَر قومٌ العهد؛ إلا سلط الله عليهم عدوّاً من غيرهم، فأخذوا بعض ما فى أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بما أنزل الله فى كتابه؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم».

وفي رَمَضَانَ كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ بِقِيَادَةِ سيّدنا محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وقد وصفها القرآنُ بيوم الفرقان، فقال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة الأنفال: ٤١).

وكانت بدايَةَ رحلَةِ العِزِّ والكَرَامَةِ بعد أن كان المسلمون يُسَامُونَ سُوءَ العَذَابِ، وجعلَ النّصرَ فيها نعمةً تستوجبُ شكرَ المؤمنين ربّهم، {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة آل عمران: ١٢٣].

وفِي رَمَضَانَ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وكان يومُ الفتح إيذانًا بنقلةٍ تاريخيّةٍ من التّمكينِ للإسلامِ والمسلمين، فخسر الكُفْرُ أهمَّ معاقِلِهِ وأنصارِهِ في بلادِ العربِ، وبدأ النّاسُ يدخلون في دينِ الله أفواجًا، وأضحت مكّةُ قلعةً منيعةً لدين الله تعالى.

وفِي رَمَضَانَ كَانَتْ مَعْرَكَةُ الْقَادِسِيَّةِ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه.

وفِي رَمَضانَ فُتِحَتْ بِلادُ الْأَنْدَلُسِ عَلَى يَدِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ رحمه الله.

وفِي رَمَضانَ وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ حِطِّينَ، وَالَّتِي اسْتَرَدَّ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي رَمَضانَ، انْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ بِقِيَادَةِ «سَيْفِ الدِّينِ قُطُز» عَلَى التَّتَارِ، وكانوا أقوى جيشٍ في العالمِ في ذلك الزّمنِ، وكان ذلك فِي مَعْرَكَةِ عَيْنِ جَالُوتَ، وفِي رَمَضانَ فُتِحَتِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ عَلَى يَدِ مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ رحمَهُ اللهُ.

وفي رمضانَ أَرَّخَ التّاريخُ ببلادنا لكثيرٍ من المعاركِ البطوليَّةِ ضدّ المحتلِّ الغاصبِ، ذكّرتنا بأمجادِ بدرٍ، وكانت إيذانًا بانبلاجِ الفجرِ؛ فجرِ الحريّةِ والاستقلالِ .

وفي عصرِنَا الحديثِ استطاعتْ قواتُنَا المسلحةُ الباسلةُ أنْ تحققَ نصرَ العزةِ والكرامةِ في العاشرِ مِن رمضانَ، فكان يومًا مِن أيامِ العربِ الخالدةِ التي سطرَهَا التاريخُ في أنصعِ صفحاتِه بأحرفٍ مِن نورٍ، حيثُ وفقَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) قواتِنَا المسلحةَ الباسلةَ إلى تحطيمِ أسطورةِ الجيشِ الذي كان يزعمُ أنَّهُ لا يُقهر، ووجهتْ إليهِ ضربةً أفقدَتْهُ صوابَهُ وكبحتْ كبرياءَهُ وأجبرتْ العالمَ كلَّهُ على احترامِ مصرَ وقواتِهَا المسلحةِ، حيثُ كان شعارُ الجنديِّ المقاتلِ: اللهُ أكبرُ، مع صيامٍ حقيقيٍّ ودعاءٍ صادقٍ فكان النصرُ المبينُ.

إنّها ملاحمٌ عظيمةٌ سطّرها آباؤُنَا في سجلِّ التّاريخِ بأحرفٍ من ذهبٍ، عنوانها : {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الصف: ١٣].

إذا كان رمضانُ شهرَ الانتصاراتِ على الأعداءِ فهو كذلك شهرُ الانتصارِ على النفسِ يقولُ سُفْيانُ الثوريُّ رحمَهُ اللهُ: “ما عَالَجْتُ شيئًا أشدَّ علي مِن نفسِي”، فالصائمُ يتركُ ما تميلُ إليهِ نفسُهُ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، حيثُ يقولُ نبيُّنَا ﷺ: يقولُ اللهُ عزَّ وجل: (كلُّ عَمَلِ ابنِ آدم له إلا الصيام فهو لي وأنا أجْزِي بِهِ، إِنَّمَا يَتْرُكُ طعامَهُ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي، فصيامُهُ لَه وأنا أجزي به).

وهو كذلك شهرُ الانتصارِ على الشحِّ والبخلِ، وسائرِ الأدواءِ الإنسانيةِ مِن الاحتكارِ والجشعِ والاستغلالِ، حيثُ يقولُ الحقُّ سبحانَهُ: {وَمَنْ يَبْخَلُ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِه}ِ، ويقولُ سبحانَهُ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}، ويقولُ نبيُّنَا ﷺ: (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِيُّ)، ويقولُ ﷺ: (مَن احْتَكَرَ طَعَامًا أربعين لَيْلَة فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الله تعالى وبرئ الله تعالَى مِنْه)، ويقولُ (صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ): (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْو، فَمَنْ أَخَدَهُ بِسَحَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَدَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ).

إثراء دعوي ومعرفي

  • من مشكاة الحكم العطائية:

"إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس"

إن أعظم ما يُمتحن به صدق السالك في سيره إلى الله هو تحرره من أوهام التسويف، والزهد في تعليق الطاعات بظروف الزمان والمكان، فليس الشأن في أن تنتظر خلوّ الوقت لتعبد، بل الشأن في أن تعبد الله في كل وقت وعلى كل حال، ولذا يضع سيدي ابن عطاء الله السكندري يده على مكمن الداء النفسي الذي يقعد بالهمم عن المعالي وهو رعونة النفس بانتظار الفراغ، محذراً من أن تعليق العمل بذهاب الشواغل هو عين الجهل بحقيقة الدنيا.

فالحقيقة التي يغيب عنها الكثيرون هي أن العمل الذي ينتظر صفو الأوقات غالباً ما لا يرى النور؛ لأن الدنيا بطبعها كدر لا ينقضي، والقلب الذي يأبى الإقبال على الله إلا عند خلوّ الشواغل هو قلب لم يذق حقيقة الافتقار، ومن كمال العبودية أن يغيب العبد في مراد سيده حيث أقامه، مدركاً أن الاشتغال بالله في عين الشغل هو عين الرفعة في موازين الحق، مصداقاً لقوله تعالى { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب} [ سورة الشرح:  الآية ٧-٨ ].

وفي رحاب شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الحكمة في أسمى معانيها ،  إذ يمثل الصيام في جوهره عبادة المجاهدة ومدرسة التدريب على الطاعة في قلب المشاق ،  فالمؤمن في رمضان يتدرب عملياً على أن يكون عمله مستمراً رغم تعب الجسد وضجيج الحياة؛ إذ لا يمنعه الجوع ولا العطش ولا سعي المعاش عن القيام والذكر، وهنا تتربى في الصائم الهمة العلية التي لا تعتذر بالعوارض، يقيناً منه أن الله الذي أمره بالعمل هو نفسه الذي جعل من تعب الطاعة رفعة للدرجات، كما في قوله ﷺ لعائشة رضي الله عنها: "إنَّ لَكِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ" [ رواه الحاكم وصححه].

إن العارف في رمضان هو الذي يرى في ضيق الوقت كمال التمكين لروحه؛ فإذا وجد العبد نفسه مثقلاً بالمسؤوليات، فإنه لا يسيء الظن بجهده ولا يؤجل ورده، بل يرى في بذله مع ضيق الوقت عطاءً أعظم من تفرغ البطالين؛ لأن مراد الله من العبد هو تجريده من حظوظ نفسه التي تطلب الراحة، لا مجرد تكثير هيئات الركوع والسجود، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: ... " منها: "وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ"[أخرجه الحاكم وصححه].

وبذلك يخرج الصائم من رمضان وقد تحرر من أنانيته في اشتراط الفراغ ليدخل في رحابة الاستغراق بالخالق في كل حال، موقناً أن تدبير الله لوقته في الزحام خير من تدبيره لنفسه في الخلوة، وأن سجادة صلاته التي بسطها في زحام الأيام ستنبت غداً ثماراً لا تنقطع في جنات النعيم، متمثلاً قول الحق سبحانه {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [ سورة النور: الآية ٣٧]، لذا لابد لكل من يعيش نفحات هذا الشهر أن يحذر إحالة الأعمال على وجود الفراغ.

* * *

- المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

الخيط الأبيض والخيط الأسود في آيات الصيام :

يقول الحق جل جلاله: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧].

 الخيط الأبيض والخيط الأسود المذكوران في آية الصيام (هما استعارة قرآنية تعني بياض نور الفجر الصادق في أول النهار) وسواد ظلمة الليل .  

وليس المقصود بالخيط الأبيض والأسود الخيوط المادية ووضع عقالين، فهم  الصحابي عدي بن حاتم الآية على ظاهرها (خيوط مادية) ووضع عقالين (أسود وأبيض) تحت وسادته، فصحح له النبي ﷺ قائلاً: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار".

الاستعارة في قوله تعالى { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } هي استعارة تصريحية ، حيث شبّه بياض الفجر  بـ الخيط الأبيض، وسواد الليل بـ الخيط الأسود ، والملاحظ أنه صرح بلفظ المشبه به الخيط الأبيض" للنهار ، والخيط الأسود  لليل  وحذف المشبه  النهار والليل ، والغرض من ذلك بيان بداية الوقت الفعلي للصيام والتفريق بين الليل والنهار. 

والخيط الأسود والخيط الأبيض يمثلان الوقت الفاصل لبدء الإمساك عن الأكل والشرب، حيث يبيح الإسلام الأكل ليلاً حتى يتبين بوضوح ضياء الصباح وعبر عنه بالخيط الأبيض ، ومن ظلمة الليل وعبر عنه بالخيط الأسود.

* * *

- رمضان سؤال وجواب

حكم صوم من أفطر ناسيا في صيام القضاء

السؤال: بيت النية لقضاء ما علي من صيام سابق من رمضان، وأصبحت صائما بالفعل، لكني أكلت ناسيا، فهل صومي صحيح، أو لا؟

الجواب:  بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد: فإن الشريعة الإسلامية قامت على الرحمة ورفع الحرج، ومن القواعد المقررة شرعا أن  "الخطأ والنسيان معفو عنهما" وبناء عليه، فمن أفطر ناسيا في صوم قضاء رمضان فليتم صومه، وصومه صحيح ولا قضاء عليه ولا كفارة على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء خلافًا للسادة المالكية ، وإن قدر على قضاء هذا اليوم احتياطا فهو أكمل خروجا من الخلاف، والتكليف منوط بالوسع والاستطاعة. وإليك نصوص المذاهب في ذلك:

أولا: مذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة):

ذهب الجمهور إلى أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، سواء كان صومه فرضا (كقضاء رمضان) أو نفلا، فصومه صحيح ولا يلزمه شيء.

- عند السادة  الحنفية: قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (٣/ ٦٥، ط. دار المعرفة): [ومن أكل، أو شرب أو جامع ناسيا في صومه لم يفطره ذلك، والنفل والفرض فيه سواء]انتهى .

- عند السادة  الشافعية: قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب " (٦/ ٣٢٤، ط. دار الفكر) وقد ذكر الخلاف العالي في المسألة : [مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لا يفطر بشئ مِنْ الْمُنَافِيَاتِ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ فِي الْجِمَاعِ نَاسِيًا دُونَ الْأَكْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ يَفْسُدُ صَوْمُ النَّاسِي فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ يَجِبُ بِالْجِمَاعِ نَاسِيًا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ولا شئ فِي الْأَكْلِ]  انتهى .

- عند السادة الحنابلة: قال العلامة ابن قدامة في "المغني" (٣/ ١٣١، ط. مكتبة القاهرة): [وإن فعل ذلك ناسيا، فهو على صومه ولا قضاء عليه] انتهى .  هذا وقد استدل  الجمهور   بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا نسي فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه } [ متفق عليه ]

ثانيا: مذهب السادة المالكية:

ذهب السادة  المالكية إلى أن من أفطر ناسيا في صيام الفرض (ومنها القضاء) يلزمه قضاء ذلك اليوم، وإن كان لا إثم عليه للنسيان.

- قال الشيخ الدردير في "الشرح الكبير" (١/ ٥٢٥، ط. دار الفكر): [(وقضى) من أفطر (في الفرض مطلقا)، أي: عمدا أو سهوا أو غلبة أو إكراها] انتهى،  وهذا يشمل قضاء رمضان، فمن أكل فيه ناسيا وجب عليه القضاء عند المالكية.

- أما في "قضاء القضاء"، فقد ذكر العلامة خليل في "مختصره" (ص: ٦٣، ط. دار الحديث): [وفي وجوب قضاء القضاء خلاف] انتهى.

- وعلق عليه العلامة النفراوي في "الفواكه الدواني" (١/ ٣١٥، ط. دار الفكر) بقوله: [فعلى اللزوم يلزمه يومان: يوم للأصل ويوم للمفسد، وقيل: يوم فقط] انتهى.

هداية وإرشاد:

أيها الأخ الكريم: إن نسيانك وأنت صائم هو رزق ساقه الله إليك ورفق بك؛ فالله الذي استخلفك في عبادة الصيام هو الذي جبل النفس البشرية على الذهول والنسيان ،  فلا تظن أن ما وقع منك هو تقصير في جناب الطاعة، بل هو "إطعام من الله وسقيا" كما وصفه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن صيامك صحيح بإذن الله على مذهب الجمهور ، فأتم صومك بيقين واطمئنان، ولا تلتفت لوساوس الشيطان الذي قد يحزنك ويشعرك بضياع الأجر؛ فالدين يسر، والرب شكور ،  أما إذا شئت قضاء يوم آخر مكانه من باب الاحتياط والخروج من الخلاف، فهو حسن ومن باب زيادة الخير، دون أن يكون واجبا يضيق به صدرك. والله تعالى أعلم

 دعاء وختام:

أسألك يا رب أن ترزقنا بقلب لا يأنس إلا بمناجاتك، وعقلًا لا يهتدي إلا بمعرفتك، وروحًا لا تسعد إلا في ذكرك.

يا مجيب الدعاء ويا مقيل العثرات وقاضي الحاجات، اقضِ حاجتي وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب.

سبحان من قسّم الأرزاق ولم ينس أحدًا، اجعل يدي عليا بالعطاء ولا تجعل يدي سفلى بالاستعطاء.

اللهم عليك توكلت فارزقني واكفني، وبك لُذت فنجني مما يؤذيني، أنت حسبي ونعم الوكيل.

موضوعات ذات صلة

إنَّ المحطاتِ الإيمانيةَ -من تعجيلِ فطرٍ وتأخيرِ سحورٍ، وعنايةٍ بالقرآنِ، وتخلقٍ بالأمانةِ والعدلِ.

يا أيها السائرون إلى الله في أنوارِ هذا الشهرِ الشريف، اجعلوا من صيامِكم مِعراجاً لتزكيةِ النفوس.

ما أجمل وأروع أن نعيش مع سيرة الجناب المكرم صلى الله عليه وسلم مع نسمات أيام وليالي الرحمة والمغفرة من شهر رمضان.

موضوعات مختارة