من أعظم الإشراقات التي تفتح باب الأمل للمؤمنين في رمضان، وتشرح صدور
المقصرين، وتنير دروب التائهين، قصة الصحابي الجليل سيدنا عبد الله - رضي الله عنه
- الذي كان يلقب بـ "الحمار" كان
صاحب مُزَاحٍ يُضْحِكِ النبي ﷺ ويُهْدِي إليه. [أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، ٣/٢١٨].
نعم، أيها الإخوة الأحبة: إنها قصة رجل عاش في كنف النبوة، ونعم بصحبة
خير البرية، وكان يحب أن يضحك النبي ﷺ بكلامه وفكاهته، "كان يهدي لرسول اللَّه ﷺ العُكَّة من
السَّمن أو العسل، ثم يجيء بصاحبها فيقول: أعطه الثمن." [الإصابة في تمييز
الصحابة لابن حجر، ٢/١٠٢]، كان رجلًا فيه دعابة يحب إدخال
السرور على قلب الحبيب المصطفى ﷺ.
لكن لهذا الرجل قصة أخرى قصة يعرفها التاريخ، ويذكرها الرواة؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ
رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ
اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ
اللهِ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ
يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ،
مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللهِ
مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ» [رواه البخاري رقم (٦٧٨٠)]
، فقد كان هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه يغلبه إدمانه للخمر، فكان
يُؤتى به إلى حضرة النبي ﷺ وقد شربها، فيأمر به فيُجلد، ثم يعود فيشرب فيجلد،
وهكذا تتكرر القصة.
وفي إحدى المرات، وبينما هو يُجلد، لعنه رجل من الحاضرين غضبًا
وحماسة، وقال قولته التي سجلها التاريخ: "اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا
يُؤْتَى بِهِ!".
وهنا وقع المشهد العظيم، المشهد الذي ينبغي أن نقف عنده طويلًا،
ونتأمله كثيرًا، فقد انتفض له الجناب النبوي ﷺ مدافعًا عن محبة قلبه لا عن جريمة
فعلها، وزجرالرجل زجرًا شديدًا قائلًا: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا
عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
فانظر معي - رعاك الله - إلى هذا المقام العظيم، وهذه المنزلة
الرفيعة، وهذا الموقف النبوي الفريد؛ فبرغم ارتكاب هذا الرجل لكبيرة من الكبائر،
وتكرارها مرات عديدة، إلا أن شهادة حضرة النبي ﷺ له بالمحبة كانت صك النجاة، وكانت
وثيقة الأمان، وكانت شهادة الميلاد الجديد التي أخذت بيده الي التوبة ورحمة الله -
جل وعلا.
إنه رسول الله ﷺ يرى بعين النبوة ما لا يراه غيره، ويعلم من حقائق
القلوب ما يخفى على سائر الناس، إنه يرى أن في قلب هذا الرجل المحبة، وأن هذه
المحبة الصادقة ستكون سببًا في توبته ورجوعه، وأنها سترفع درجاته، وتكفر سيئاته.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني- رحمه الله- :"فِيهِ أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ
ارْتِكَابِ النَّهْيِ، وَثُبُوتِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي قَلْبِ
الْمُرْتَكِبِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ يُحِبُّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ مَعَ وُجُودِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَأَنَّ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْمَعْصِيَةُ
لَا تُنْزَعُ مِنْهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ".
[فتح
الباري شرح صحيح البخاري، ١٢/٨٧].
هذا الدرس الرمضاني العظيم يعلمنا أن العبد قد يدخل الشهر بذنوب ثقال،
وآثام كبار، وخطايا تعظم حتى تكون كالجبال، لكن صدق محبته للنبي ﷺ تكون وسيلته
للتوبة والرحمة، والمحبة هنا تقدم على كمال الاتباع، وتنقذ صاحبها من غضب العباد
وسخطهم، بل وتجعله في مأمن من اليأس والقنوط.
فيا أيها المذنب المسرف على نفسه، يا أيها المقصر المفرط في جنب الله،
يا أيها الذي أثقلته الذنوب وأوهنته العيوب، انظر إلى رحمة الله، وتأمل في شفاعة
المحبة الصادقة، وأعلم أن حب النبي ﷺ هو الطريق، وأنه باب الأمل، وأنه سر القبول.