Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (١٥)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (15)

إن الانتقال من "عزيمة الصوم" إلى "رخصة الفطر" للمسافر والمريض، ليس مجرد تخفيف فقهي، بل هو اختبار لصدق العبودية، فالعارف لا يعبد "العبادة"، بل يعبد "رب العبادة". السفر الحقيقي عند أرباب القلوب هو "الهجرة من سجن العادة إلى فضاء المشاهدة". فمن أفطر طاعةً لأمر مولاه، كان وصولة أتمّ ممن صام تمسكًا بهواه.

درس العصر: حقيقة الوصول في السفر إلى الله: من رخصة الفطر أنموذجًا صوفيًّا.

                                               بسم الله الرحمن الرحيم 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، سرِّ الوصول ومطلع القلوب، الذي قال فيه الحق سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وعلى آله وصحبه أهل الذكر والوصول.

يقول الله جلَّ جلاله في كتابه العزيز: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. 

ظاهر الآية رخصةٌ شرعيةٌ، وباطنها نداءٌ ربانيٌّ، وسرُّها طريقٌ سلوكيٌّ، وكنهها إشارةٌ إلى حقيقةٍ عرفانيةٍ عظيمة: أن الس  في مقام الوصول إلى الله ليس انقطاعًا عن العبادة، بل هو انتقالٌ من ظاهر الطاعة إلى باطن المراقبة، ومن شكل الركن إلى جوهر الحضور.

فالعارفون بـالله لا ينظرون إلى: "السفر"، على أنَّه مجرد قطع المسافات بين البلدان، بل يرونه هجرةَ النفس من دار الغفلة إلى دار اليقظة، وخروجًا من سجن العادة إلى فضاء المعرفة وتحقيق كمال العبادة، ولذلك كان السالك الحقيقي دائم السفر، وإن جلس في بيته؛ لأنه يسير بقلبه إلى مولاه، ويطوي منازل القرب بخطوات الإخلاص والمحبة. 

ومن هنا، فإن رخصة الفطر للمسافر ليست تخفيفًا من العبادة، بل رفعًا لها إلى درجةٍ أعلى: فالمريض والمسافر قد خرجا من دائرة التكليف الظاهري؛ ليدخلا في دائرة التجلِّي الباطني، فصيام الجسد قد تعطَّل، لكن صيام القلب لم يزل قائمًا؛ بل ربما ازداد، إذ لا يُلهيه طعامٌ ولا شرابٌ عن ذكر محبوبه. 

يقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: "السالك لا يُنظر إليه بفعله، بل بحاله مع الله". فالفعل قد ينقطع، لكن الحال لا ينقطع. والعبادة قد تُؤخَّر، لكن المراقبة لا تتأخر. فالمسافر  في الحقيقة  هو من سار عن نفسه، وسافر عن هواه، ووصل إلى ربه. أما من جلس في مكانه، وسكن إلى شهواته، فهو وإن لم يبرح بيته، فهو في أبعد أبعاد الغربة عن الله. 

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين وصف أولياءه بقوله: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. فهم "مسافرون" في كل حال، لأن قلوبهم لا تسكن إلا عند مولاها. 

ومن عجائب الحكمة الإلهية أن جعلت رخصة الفطر مرآةً للنية: فمن أفطر وهو مسافرٌ جسديًّا فقط، فقد أخذ برخصةٍ. ومن أفطر وهو مسافرٌ قلبيًّا أي: سائرٌ إلى الله — فقد أخذ بسرِّ الرخصة، وارتبط بمقصدها الأعمق والأسمى، فليس الصيام عند العارفين مجرد امتناعٍ عن الطعام، بل هو امتناعٌ عن غير الله. ومن كان قلبه مشغوفًا بالوصول، فلا وقت له لغير محبوبه، ولا شهوة له سوى لقائه. 

فما أخرجك من رخصةٍ إلى عزيمةٍ، إلا وأدخلك من عزيمةٍ إلى رخصةٍ. فربما يكون الأخذ بالرخصة  لمن سار إلى الله أقربَ إلى الإخلاص من التمسك بالعزيمة رياءً أو عادةً. 

فليُعلم أن الوصول إلى الله لا يُقاس بعدد الأيام التي صمتها، بل بصدقك حين أفطرت. فهل أفطرت وأنت ناسٍ؟ أم أفطرت وأنت ذاكر؟ هل أفطرت هروبًا من التكليف؟ أم أفطرت طاعةً لأمر المحبوب؟ 

إن السفر الحقيقي هو: أن ترحل عن نفسك، لا أن تركب الدابة. فمن سافر عن نفسه، فقد وصل. ومن وصل، فقد صام قلبه عن كل ما سواه. 

وخُتامًا، فإن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ليس وعدًا بالقضاء فحسب، بل هو إشارةٌ إلى أن أيام القرب لا تنتهي، وأن السالك لا يزال في سفره حتى يلقى ربه. فعدَّته ليست أيامًا تحصى، بل حالاتٍ تتجدد، ومقاماتٍ تترقى. 

وصل اللهم على سيد السائرين إلى الله، محمدٍ خير البرية، وعلى آله وصحبه سادة الواردين على باب رحمة الله، وسلم تسليمًا كثيرًا.

درس التراويح: ترويحة إيمانية ، مسرى الروح

نحيا ونعيش في هذه الليلة المباركة مع أنوار وأسرار آية كريمة من الجزء الخامس عشر وهي قول الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: ١]

فهيا بنا نسـري بأرواحنا طريق مسـرى نبينا،  وهي الرحلة التي لم تكن لنبي مرسل أو ملك مقرب ، وقد افتتحـت سورة الإسراء بتنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله، كما دل على ذلك من لفظ «سبحان»، وهي لحظة لطيفة لا يدركها الإنسان بحواسه؛ فهي معجزة زمانية ومكانية، ومنحة إلهية وتسـرية ربانية للحبيب المصطفى ﷺ، تجلّى فيها علم الغيب للرسول المجتبى، فأصبح علمَ شهادة، وذلك في انتقاله اللحظي من مكة إلى بيت المقدس.

والإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في لحظة خاطفة ؛ إنها القدرة الإلهية ، وليس ما يعتاده الإنسان من إدراكٍ بالحواس البشـرية الضعيفة  حتى يأخذ معيارًا للحكم على ما يجوز في ميزان القدرة الإلهية، وفي هذا المقام تجليات وفتوحات ربانية يمنحها اللطيف القدير لمن يصطفيه من رسله.

"يقال أسرى وسرى، بمعنى سار في الليل، والمراد بِعَبْدِهِ خاتم أنبيائه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والإضافة للتشريف والتكريم ، وأوثر التعبير بلفظ العبد، للدلالة على أن مقام العبودية لله- تعالى- هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها، إذ لو كان هناك وصف أعظم منه في هذا المقام لعبر به، وللإشارة- أيضا- إلى تقرير هذه العبودية لله- تعالى- وتأكيدها، حتى لا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية ،  ووصفه بالأقصى- أي الأبعد- بالنسبة إلى من بالحجاز ؛ ثم إن الرسول ﷺ  بقي في بيت أم هانئ لفترة من الليل، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد، فلما كان في الحجر أو في الحطيم بين النائم واليقظان، أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السموات العلا ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد" (التفسير الوسيط للإمام محمد سيد طنطاوي ٨/ ٢٨١).

ومن كشف الغيب لسيدنا رسول الله ﷺ أنه لما عاد وجادله المشركون في مكة غير مستوعبين لتلك المعجزة، وطلبوا منه وصف المسجد الأقصى، جلّى الله له المسجد رأيَ العينِ؛ فأخذ يصفه لهم ركنًا ركنًا.

ولهذا صدّق سيدنا أبو بكر رضي الله عنه هذه المعجزة لما سأله المشركون (هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) (المستدرك للحاكم).

ونحن في رمضان المبارك نستثمر الفرصة المباركة لنسري بأرواحنا إلى مرضاة ربنا جل وعلا وندرك من هذه اللحظة أن الروح عندما تتشبع بذكر الله تعالى،  فإنها تسير لطريق بالمُنى والهنا  والروح والريحان والأخلاق العلية الصمدانية.

وعلينا أن نجعل لنا خبيئة سرٍ بيننا وبين الذات العلية حتى يكون السير إليه قريبا والتشوف لحضرته سريعا والصدق في مرضاته طريقا ؛ حتى يرضينا بأعالي فراديس الجنان.

قال ابن عجيبة في البحر المديد ٣/١٨١ "من كملت عبوديته كان له نصيب من الإسراء. غير أن الإسراء بالجسد مخصوص به- عليه الصلاة والسلام-، وأما الإسراء بالروح فيقع للأولياء على قدر تصفية الروح، وغيبتها عن هذا العالم الحسي، فتعرج أفكارهم وأرواحهم إلى ما وراء العرش، وتخوض في بحار الجبروت، وأنوار الملكوت، كلٌّ على قدر تخليته وتحليته"

درس الملتقى

شكر النعم وأثره في الحفاظ عليها

إن رمضان يمثل دعوة إلهية للخروج من غفلة العادة إلى يقظة العبادة، حيث يبصر العبد بقلبه ما غاب عن بصره من عظيم منن الله وكريم عطاياه ،  وتتجلى عظمة هذا الشهر في كونه يضع الإنسان أمام حقيقة افتقاره الذاتي، فبينما يمتنع الصائم عن الطعام والشراب، يستيقظ في أعماقه شعور بقدسية هذه النعم التي طالما ألفها ونسي نسبتها إلى الوهاب، فالشكر هو حال يغلف الروح، ونور يبدد ظلام الجحود، وهو القيد الذي يحفظ الموجود، والمغناطيس الذي يجذب المفقود، ومن هنا، يغدو الشكر في رمضان معراجا تترقى به النفس من مرتبة المستهلك للنعمة إلى مرتبة الشاهد للمنعم، فيتحول الصيام إلى احتفالية كبرى بفضل الله ورحمته.

                     التأصيل الشرعي

  •        قال تعالى{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}  [النحل: الآية  ٥٣]
  •        قال تعالى {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}  [ سورة سبأ : الآية١٣}
  •        قال رسول الله ﷺ {إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها}   [رواه مسلم في صحيحه]
  •        قال رسول الله ﷺ {مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}  [رواه مسلم في صحيحه]

عناصر الموضوع

  •         تجلي الشكر القلبي .
  •        أنوار الشكر اللساني.
  •        بركة الشكر العملي.
  •        ثمرة شكر المنعم .

                                                                  المحتوى الدعوي

أولاً : تجلي الشكر القلبي

يبدأ الشكر حين يتيقن القلب يقينا جازما بأن كل ما يتقلب فيه المرء من عافية وستر وأمان ورزق هو محض فضل من الله وإحسان، فحينما يجلس الصائم قبيل الغروب يستشعر عظم نعمة الهداية للصيام، ونعمة الصحة التي أعانته على القيام، فيفيض قلبه بالحب لمولاه، فيستشعر هذا الشهود القلبي ليكون هو المحرك الذي يجعل العبادة حية نابضة، فالمصلي يشكر الله على أن أقامه في مقام المناجاة، والذاكر يرى في ذكره نعمة تستوجب شكرا آخر، وبذلك تتحول لحظات رمضان إلى سلسلة موصولة من الرضا والسكون في رحاب الله ، ليعيش الشاكر بقلبه في جنة معجلة، حيث يرى يد الله قد  تلطف به في كل تفاصيل يومه الرمضاني، مما يورثه طمأنينة تجعل الشدائد في عينه منحًا ربانية تستوجب الحمد والثناء.

ثانيًا : أنوار الشكر اللساني

يعد اللسان ترجمانا صادقا لما وقر في القلب من إجلال للمنعم، وشكره في رمضان يرتفع بالعبد إلى مراتب القبول العلية، حيث نرى أن الصائم الذي يلهج بكلمات الحمد والثناء في غدوه ورواحه، يضع على نعمه حارسا أمينا من الزوال ، فكلمة الحمد لله في مدرسة الصيام هي اعتراف بالفضل، وإقرار بالجميل، واستنزال لمزيد العطايا ، إن اللسان الذاكر الشاكر يتحول في هذا الشهر إلى روضة تفيض بالخير، فيبارك الله لصاحبه في قوله وفعله، ويجعل ثناءه مفتاحا لمغاليق القلوب وآفاق الفهم عن الله عز وجل ،  فتكرار الحمد عند الفطر وعند السحر يجدد العهد مع الله، ويجعل العبد في حالة اتصال دائم بمالك الملك، فتتحول أنفاس الصائم إلى تسبيح، وكلماته إلى نور يهتدي به في ظلمات الغفلة، ويكون جزاؤه أن يذكره الله فيمن عنده.

ثالثًا : بركة الشكر العملي

يتحقق كمال الشكر حين تنقاد الجوارح طائعة لمراد المنعم سبحانه، فتكون كل حركة وسكون لله رب العالمين، إن شكر نعمة البصـر يكون بتأمل آيات القرآن، وشكر نعمة السمع يكون بالإصغاء لدروس العلم، وشكر نعمة القوة يكون في التراويح والتهجد، يتدرب العبد في هذا الشهر الفضيل  على أن يكون بجوارحه عبدا شاكرا، فيحفظ عينه ولسانه ويده عن كل ما لا يرضي الله، فيعسش العبد حالة من الاستثمار الروحي للجوارح ثمرته تحصين النعم من سلب النقم، ويجعل الصحة والعمر والمال مباركا فيها، حيث وجهت إلى الغاية التي خلقت من أجلها، فاليد التي تمتد بالخير، والقدم التي تسعى إلى المساجد، كلها تعلن بلسان الحال شُكرًا عمليًّا يُثبتُ النِّعم ويَزيدُهَا، ويجعل من جسد الصائم هيكلا مقدسا يفوح بعبير الطاعة والامتنان.

رابعًا : ثمرة الشكر للمنعم سبحاته وتعالى

تسمو مرتبة الشكر حين يفيض نفعها من العبد إلى من حوله من خلق الله، فما استدرت النعم بمثل البذل والعطاء ، يتجلّى الشكر  في رحاب شهر رمضان  من خلال إطعام الطعام ومواساة الفقراء وجبر خواطر المنكسـرين، شُكرًا لله على نعمةِ الكفَايةِ والغنى ، لذلك مَدُّ يَدِ العون للمحتاج في هذا الشهر الكريم هو تعبير عملي عن الامتنان لله الذي بيده ملكوت كل شيء، وبذلك يصبح الشكر وسيلة لتحقيق التراحم الاجتماعي، وصمام أمان يحفظ النعمة في يد العبد بمباركة الله، وتتحول الصدقة إلى بريد شكر يصل إلى السماء فيرد بفيض من الزيادة والرضوان، فمن شُكرِ نعمة الستر أن يستر المحتاج، ومن شكر نعمة الرزق أن يطعم الجائع، وهكذا يدور العبد في فلك الجود الإلهي، فيعطي مما أعطاه الله، ليبقى في معية الله ورعايته الدائمة.

رسائل دعوية

  •     بلوغ رمضان نعمة كبرى، وشكرها يكون بالإقبال على الله بقلب سليم.
  •     صحة بدنك وقدرتك على الصيام رزقٌ يستوجب الحمد في كل سجدة.
  •     اجعل "الحمد لله" رفيقتك عند أول قطرة ماء وقت الإفطار لتستشعر قيمة الرّي.
  •     تذوق حلاوة العبادة في رمضان هو شكرٌ عملي لنعمة الهداية للإسلام.
  •     اجتماع العائلة على مائدة واحدة نعمةٌ يفتقدها الكثيرون، فاشكر الله على الألفة.
  •     الأمن والأمان في بلادنا نعمة تجعلنا نصوم ونفطر بسلام، فلا تغفل عن شكرها.
  •     شكر نعمة المال في رمضان يكون بصدقةٍ تروي ظمأ محتاج وتطهر بها مالك.
  •     القدرة على قراءة القرآن نعمة تفتح لك أبواب السماء، فأقبل عليه بامتنان.
  •     من شكر نعمة "الوقت" في رمضان استثماره في الذكر والعمل الصالح لا في اللهو.
  •     بقاء والديك معك في رمضان نعمة عظيمة، فبرّهما هو أعلى مراتب الشكر.
  •     كل لقمة طعام تتناولها هي فضلٌ من الله، فشكرها يزيل الجوع عن قلبك.
  •     الحمد الدائم في رمضان يمنح القلب طمأنينة تجعلك تستشعر معية الله.
  •     أثر الحفاظ على الشكر في رمضان هو دوام النعمة واستمرار البركة في أهلك ومالك.
  •     من اعتاد الشكر في رمضان، نال زيادة الفضل في سائر شهور العام.
  •     شكر الله على نعمة السحور يمنحك القوة البدنية والبركة النبوية.
  •     رؤية المساجد عامرة بالمصلين نعمة تدعو للتفاؤل، فاشكر الله على عودة الروح.
  •     الحفاظ على شكر النعم في رمضان يقي القلب من الكبر ويملؤه بالتواضع لله.
  •     شكر نعمة "المغفرة" في رمضان يكون بالعفو عن الناس والصفح عن زلاتهم.
  •     دوام الشكر يحول العادة إلى عبادة، ويجعل من رمضان محطة تغيير حقيقية.
  •     اختم يومك بالحمد على التوفيق للصيام، فالثبات على الطاعة هو أعظم النعم.

 إثراء دعوي ومعرفي.

أ‌-     من مشكاة الحكم العطائية

     لَا تَصْحَبْ مَنْ لَا يُنْهِضُكَ حَالُهُ، وَلَا يَدُلُّكَ عَلَى اللهِ مَقَالُهُ

يضع سيدي ابن عطاء الله السكندري في هذه الحكمة ميزان الصحبة الحقيقي، موضحاً أن الصاحب رفيقُ روحٍ وسارقُ طباعٍ يحدد وجهة القلب، فمدار النفع في الصداقة يرتكز على إسهامها في رفع الهمة وتنوير البصير، وتعد الصحبة التي تترك المرء في وحل الغفلة ولا ترشده بلسانها وحالها إلى الخالق صحبةً قاطعةً تعيق المسير، فهي تثقل الكاهل بتراب الدنايا ،  وتغرق الروح في التفاصيل الفانية، في حين تظل الصحبة الحق هي المعراج الذي يرفع العبد من ضيق العادات إلى سعة العبادات.

والحال في لغة القوم تلك القوة الخفية التي يشعر بها المرء عند رؤية الصالحين، إذ تذكر رؤيتهم بالله، ويبعث صمتهم في النفس هيبة الإجلال، فمن فاتك نفع لحظه (أي نظره وحاله) ندر أن ينفعك لفظه ، أما المقال فهو الكلام المرشد الذي يخرج من قلبٍ موصول ليستقر في القلب ، فيكشف عيوب النفس ويعرف بعظمة الرب، وعندما يجتمع في الصاحب نهوض الحال ودلالة المقال، يظفر السالك بكنزٍ يطوي المسافات ويذلل مشقات الطريق.

وفي ظلال شهر رمضان المبارك، تظهر هذه الحكمة ضرورةً قصوى، فرمضان شهر المسارعة، والهمة فيه أغلى مدخرات العبد، وكثيراً ما يدخل الصائم الشهر بعزيمة ناطحة للسحاب، ثم يصطدم بصاحبٍ مُقعد يثبطه عن القيام، أو يجره إلى مجالس اللغو وإضاعة الأوقات، فيبقى معه حتى تنطفئ شعلته ويضيع أوان فضله، وعلى النقيض، قد يدخل المقصر الشهر بقلبٍ وجل، فيقيض الله له صاحباً ينهضه حاله، فيرى اجتهاده في القرآن فيسري إليه حب التلاوة، ويشهد خشوعه في القيام فيستحي من غفلته، ويسمع منه كلمة تذكرةٍ تطير به إلى الله شوقاً.

والصائم الحق هو الذي يهاجر بقلبه من مجالس أهل الغفلة  حمايةً لروحه من العدوى، فالأدب مع الله يقتضي طلب الخليل الصالح  ليكون مرآةً للصدق، حيث ينتقل المؤمن في رمضان من ضجيج القيل والقال إلى رحاب القول الحق، مستحضرًا أن المرء على دين خليله، ومن أراد معرفة منزلته في هذا الشهر، فلينظر فيمن يصاحب ،  أهم ممن يشدونه إلى الأرض بفتورهم، أم ممن يحلقون به نحو الملكوت بصدقهم؟

إن شهر رمضان يربي النفس على أن البيئة هي المحضن الحقيقي للإيمان، ومن تحقق بجمال الصحبة في الله، وجد الصعاب سهلة والبعيد قريباً، فالصاحب المنهض مددٌ إلهي ساقه الله لتثبيت القدم، ومن جعل شعاره "يا رب " لا تسكن قلبي إلا لمن يدله علي"، فقد نال حظه من التوفيق، وخرج ببركة هذه الصحبة من سجن الأنانية إلى فضاء القدس، واجداً في رمضان معراجه الحقيقي نحو القبول والوصول.

ب- المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

الحلقة الخامسة عشرة: (خُلوف  بضم الخاء  - وأطيب  )

في قول نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) الخُلوف : بضم الخاء مصدر للفعل خَلَفَ فمُه يَخْلُفُ خُلُوفًا .

والمعنى : تغير رائحة فم الصائم أو فساد طعمه لخلو معدته.

  تشبيه الخلوف برائحة المسك في الأطيبية يمثل تعظيم أجر الصيام، حيث يعتبر أثر العبادة أفضل من أطيب الطيب في الدنيا ، وقد يظهر هذا الطيب في الدنيا كعلامة على الطاعة ، أو يوم القيامة كشعار للمؤمنين (الصائمين). 

  والحديث يدل على إثبات محبة الله لآثار طاعته، وأن ما يكرهه الناس من آثار العبادة (مثل ريح الخلوف أو دم الشهيد) هو محبوب عند الله جل جلاله .

أما الخَلوف بفتح الخاء فمعناه الذي يَعِدُ ثم يُخْلِف.

أطيب: اسم تفضيل على وزن (أَفْعَل) من الطيب، ويعني الأفضل، الأجمل، الأذكى رائحة، أو الأكثر رضاً وقبولاً عند الله.

وأطيب وصف للرائحة التي هي (خلوف) بأنها أطيب من ريح المسك في الجزاء والأجر.

الخلاصة:

الخلوف هو الموصوف (تغير الرائحة)، والأطيب هو الوصف أنه أفضل وأعظم عند الله ، حيث يجعل الله هذا التغير في الرائحة يوم القيامة أطيب من رائحة المسك ،

الخُلوف ليس مجرد رائحة ، بل هو أثر رمزي وفعلي لطاعة الصائم ، يثيب الله جل جلاله عليه ويحبه.

رمضان سؤال وجواب

السؤال: رجلٌ يستخدم لصقات النيكوتين التي توضع على الجِلد تحت إشراف الطبيب المعالج كمرحلة من مراحل الإقلاع عن التدخين، فهل تعدُّ تلك اللصقات من المفطرات إذا استخدمها في نهار رمضان؟

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن استخدام لصقات النيكوتين التي توضع على الجِلد لا يُعدُّ من المفطرات شرعاً ، وبناءً عليه يجوز للصائم المدخِّن استخدامها لمساعدته في الإقلاع عن التدخين في نهار رمضان ولا قضاء عليه ،  وذلك لأن مسام الجلد لا تُعدُّ منفذاً مفتوحاً انفتاحاً أصلياً إلى الجوف، ولأن جماهير الفقهاء اتفقوا على أنَّ ما تتشرَّبه المسامُ لا يفسد الصوم، وإليكِ تفصيل ذلك:

اتفق جماهير الفقهاء على أنَّ دخول الشيء إلى الجسم عن طريق مسام الجلد لا يبطل الصوم؛ لأنها ليست منافذ أصلية موصلة للجوف، وإليك نصوص المذاهب:

عند السادة الحنفية:

قال الإمام ابن نُجَيْم في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق " (٢/ ٤٧٦، ط. دار الكتب العلمية ) [(أو ادهن أو احتجم أو اكتحل أو قبل) أي لا يفطر لان الادّهان غير مناف للصوم لعدم وجود المفطر صورة ومعنى، والداخل من المسام لا من المسالك فلا ينافيه] انتهى.

عند السادة المالكية:.

وحكى الإمام القَرَافِي الإجماع في "الذخيرة" (٢/ ٥٠٥، ط. دار الغرب الإسلامي ) [ فالْجَسَدُ يَتَغَذَّى مِنْ خَارِجِهِ بِالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُفْطِرُ إجْمَاعًا] انتهى.

عند السادة الشافعية:

قال إمام الحرمين الجُوَيْنِي في "نهاية المطلب" (٤/ ٦٥، ط. دار المنهاج): [ وَمَا يُقَدَّرُ وُصُولُهُ بِالْمَسَامِّ، فَلَا يَتَعَلَّقُ الْإِفْطَارُ بِهِ، كَالْأَدْهَانِ إذَا تَطَلَّى الصَّائِمُ بِهَا] انتهى.

عند السادة الحنابلة:

قال الشيخ ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٤٢، ط. مجمع الملك فهد)  [ وَالدُّهْنُ يَشْرَبُهُ الْبَدَنُ وَيَدْخُلُ إلَى دَاخِلِهِ وَيَتَقَوَّى بِهِ الْإِنْسَانُ وَكَذَلِكَ يَتَقَوَّى بِالطِّيبِ قُوَّةً جَيِّدَةً فَلَمَّا لَمْ يَنْهَ الصَّائِمَ عَنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ تَطْيِيبِهِ وَتَبْخِيرِهِ وَادِّهَانِهِ وَكَذَلِكَ اكْتِحَالُه ] انتهى.

هداية وإرشاد

أيها الأخ الكريم: إن نيتك في الإقلاع عن التدخين هي خطوة مباركة في طريق حفظ الصحة والنفس، واستعانتك بهذه اللصقات في نهار رمضان لا يقدح في صحة صيامك ما دام الامتصاص يتم عبر الجلد ، فاستعن بالله وأتمم صومك، واجعل من رمضان فرصة للتخلص النهائي من هذه العادة ، كما يرجى الالتزام بالجرعات التي يحددها الطبيب المختص، ومراعاة عدم الإقدام على استخدامها إلا بوصفة طبية لضمان السلامة الصحية.

والله سبحانه وتعالى أعلم

دعاء وختام

اللهم يا شفيق يا رفيق أشفق بنا وبكل مبتلى ومريض، اللهم فرج عنا كل هم وغم وأخرجنا من كل حزن وكرب، يا فارج الهم ويا كاشف الغم فرج عنا ما قد ضاقت به صدورنا وقل معه صبرنا، وقلت فيه حيلتنا وضعفت له قوتنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

موضوعات ذات صلة

غزوة بدر ليست مجرد موقعة انتهت بانتصار فريق؛ بل هي فلسفة نصر مستمرة.

لماذا اختار السادات يوم العاشر من رمضان لبدء حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣؟

تمثل حرب السادس من أكتوبر ١٩٧٣م نقطة تحول تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي.

موضوعات مختارة