Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

معجزة الإسراء والمعراج مشاهد الحقائق العلوية وأنوار الملكوت الربانية

الكاتب

هيئة التحرير

معجزة الإسراء والمعراج مشاهد الحقائق العلوية وأنوار الملكوت الربانية

الإسراء والمعراج رحلة كونية إلهية كشفت للنبي - صلى الله عليه وسلم - حقائق الملكوت وصور الجزاء، لترسم دستورًا أخلاقيًّا يربط الأرض بالسماء، في سردية كبرى تجمع بين عظمة المشاهد وعمق اللطائف، لترسيخ قيم الثبات واليقين في وعي الأمة الإسلامية.

الإسراء والمِعراج رحلة التكريم الإلهي للجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم

إنَّ الناظرَ في معجزة الإسراءِ والمِعراجِ بعينِ البصيرةِ، يدركُ أنَّنا لسنا أمامَ سَرْدٍ تاريخيٍّ مجردٍ، بل نحنُ أمامَ رحلة كونية إلهيةٍ رُسِمَتْ مَعالـمُها لِحضرةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ليكونَ خبيرَ العوالـمِ قاطبةً؛ وهي جغرافيا إلهيةٌ تُذكِّرُ بما سَعى إليه حكماءُ الإسلامِ من تمثيلٍ هندسيٍّ للملكوتِ في مؤلفاتِ عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، حيث يَصيرُ الغيبُ مرئيًا عبرَ رموزٍ وكَوامنَ دلاليةٍ حَمَلَتْ في طياتِها دلالاتٍ رُوحيةً وعلميةً عميقةً، لقد جاءت هذه المرائي لِتَكْشِفَ عَنِ الغَيْبِ المستورِ، وتُحَوِّلَ الإيمانَ الغيبيَّ إلى مشاهدةِ عينيةٍ لِسيدِ الوجودِ  - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت هذه المشاهدُ بمثابةِ الدستورِ الأخلاقيِّ المصورِ الذي حَمَلَهُ  - صلى الله عليه وسلم -  منَ السماءِ إلى أهلِ الأرضِ.

أسرارُ رحلةِ الإسراء الأرضيةِ وفقهُ الرموزِ الغيبية

بينما كانَ الجَنابُ النبويُّ الشريفُ يَخرقُ حُجُبَ المكانِ والزمان على ظَهْرِ البُراقِ، كانتِ الآياتُ تتوالى لتكشفَ عن سِرِّ الصراعِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وتُبرزَ مَعالـمَ الطريقِ إلى اللهِ:

١. مشهدُ رِيحِ الجنةِ وفَضلِ الثباتِ: تستوقفنا تلكَ النفحةُ العِطريةُ التي استقبلتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهي رِيحُ ماشطةِ ابنةِ فرعونَ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  - صلى الله عليه وسلم - : «لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا» [مسند الإمام أحمد: ٢٨٢١]، إنَّ هذا المشهدَ الذي رواه الإمامُ أحمدُ في مُسندهِ وابنُ حبانَ بسندٍ صحيحٍ، يُؤسسُ لِقيمةِ الكرامةِ الإيمانيةِ، وهنا يَتجلى الفرقُ بينَ عِلْمِ اليقينِ وحَقِّ اليقينِ كما ميَّزهُ الإمام الغزاليُّ [انظر: المنقذ من الضلال، ص١١١]؛ فالنبيُّ  - صلى الله عليه وسلم -  انتقلَ من سَمْعِ الغيبِ إلى مشاهدةِ حقيقةِ الثباتِ الـمُجسَّدةِ في عَبير ملكوتيٍّ، ليكونَ ذلك تأييدًا لِقلبهِ قبل أن يكون تأييدًا لعقلهِ، فاللهُ تعالى أَرادَ أنْ يُرِيَ نبيَّهُ أنَّ رِيحَ الثباتِ لا يَنْقَطِعُ عبرَ القرونِ، وأنَّ تلكَ المرأةَ الضعيفةَ في ميزانِ القوةِ الماديةِ، هي جبلٌ أَشمُّ في ميزانِ الملكوتِ، وكما تغَنَّى الصوفيةُ لِمعراجِ الروحِ، قال ابنُ عربيٍّ في فتوحاته:

 وعرجتُ بروحي لا بجسدي... إلى أن حططتُ بفناء الأبد

إلا أنَّ مِعراجَ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كان بالروحِ والجسدِ معًا، جَمْعًا بين حقيقتَي الخلقِ والتشريفِ.

٢. مشهدُ سيدنا موسى -عليه السلام - وفلسفة الجوار: وفي ذاتِ السياقِ الملكوتيِّ، يَمُرُّ الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم - بِموسى عليهِ السلامُ وهو يُصلي في قبرهِ عِندَ الكثيبِ الأحمرِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مالك إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ. وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». [صحيح مسلم، ٢٣٧٥]. إنَّ هذه المرآةَ تَنقلنا من مَنطقِ الموتِ الفنائيِّ إلى مَنطقِ الحياةِ البرزخيةِ الشريفةِ؛ فالأنبياءُ لا تَموتُ أرواحُهم ولا تَبلى أجسادُهم، وصلاتُه – عليه السلام - هناك صلاةُ حُبٍّ لا صلاةُ واجبٍ، وهي إشارةٌ لِحضرةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ المسيرةَ النبويةَ مُتصلةٌ، وأنَّ الأنبياءَ في بَرازيخهم ينتظرونَ مَقدمَهُ الشريفَ.

٣. مشهدُ الدُّنيا واعتزالِ الفِتَنِ: تمثَّلتِ الدنيا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صورةِ امرأةٍ حَسناءَ مُتبرجةٍ تُنادي، وفي صُورةِ عجوزٍ قد بَلغَ منها الكِبَرُ مَبْلغًا فلما سئل عنها أخبره جبريل عليه السلام بقوله : «...ثم قال له جبرائيل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر تلك العجوز... » [ابن جرير ج٦ ص١٥، دلائل النبوة للبيهقي، ج٢، ص٣٩١]، إنَّ دَمجَ الصورتينِ يُعلمنا أنَّ الدنيا عَروسٌ لِمن يَنظرُ إليها بعينِ الشهوةِ، ولكنها عجوزٌ هَرِمَةٌ في حقيقةِ مآلها، وأنَّ عُمرَ الباقي منها قليلٌ كبقايا عُمرِ تلك العجوزِ، وكما ذكرَ الإمامُ البيهقيُّ في دلائلِ النبوةِ، فإنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَلتفتْ إليها، وهو إرشادٌ نبويٌّ لِعمارةِ الأرضِ بالحقِّ لا بالانغماسِ في بَهْرجِها الفاني الذي يَخْطَفُ الأبصارَ ويَحجبُ القلوبَ عن الحقِّ.

٤. مشهدُ الأنبياءِ وحقيقةِ الوراثةِ: في بيتِ المقدسِ، كان المشهد الأعظمُ وهو جَمْعُ الأنبياءِ قاطبةً وإمامتُه - صلى الله عليه وسلم – لهم،فعنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال «....حَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنً الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فالتفت إليه فبدأني بالسلام» [صحيح مسلم :١٧٢] ، وهذا المشهدُ الذي صدَّرَهُ الإمامُ مسلمٌ في صحيحهِ، يَنطقُ بمركزيةِ المنهجِ المحمديِّ؛ فكلُّ الأديانِ السابقةِ كانت لَبِناتٍ في بناءٍ واحدٍ تَمامُه وكمالُه في حضرتهِ - صلى الله عليه وسلم -.

المعراج إلى بواباتُ السماءِ ومَرائِي الجزاءِ و العِقابِ

حينَ عُرِجَ به - صلى الله عليه وسلم -، انفتحتْ أَمامَهُ أبوابُ الغيبِ لِيَرى نماذجَ بشريةً تَحكي مآلاتِ الأفعالِ، وهنا نلمسُ الدقةَ في التشبيهِ النبويِّ لِقُبحِ المعصيةِ، إنَّ الانزياحَ الدلاليَّ في تشبيهِ البطونِ بالبيوتِ المائلةِ، أو الألسنةِ بالمقاريضِ الناريةِ، ليس مجردَ تفنُّنٍ بلاغيٍّ، بل هو أسلوبٌ كونيٌّ في كسرِ التلقي المألوفِ، لِتنطبِعَ صورةُ القُبحِ الأخلاقيِّ في الذاكرةِ الجمعيةِ انطباعًا لا يُمحى:

١. جنايةُ اللسانِ (خُطباءُ الفتنةِ والمغتابونَ): رأى النبيُّ  - صلى الله عليه وسلم -  قومًا تُقرضُ لِحاهم وألسنتُهم بمقاريض من نار، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ  - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقَطَّعُ أَلْسِنَتُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ» [المعجم الأوسط للطبراني:٤١١]

٢. وفي روايةِ أبي داودَ: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْدُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» [سنن أبي داود: ٤٨٧٨]، إنَّ استخدامَ النحاسِ هنا إشارةٌ لِصلابةِ الذنبِ وبقائهِ، وهو تنبيهٌ بليغ لِخُطورةِ الكلمةِ التي قد تَهدمُ مُجتمعاتٍ بأكملها، ثم يَعرضُ مَشهدَ الثورِ العظيمِ الذي يَخرجُ من ثَقْبٍ ضيقٍ ثم يَعجزُ عن العودةِ إليهِ «... ثم أتى على جحرٍ صغيرٍ يخرجُ منه ثورٌ عظيمٌ، فجعل الثورُ يريدُ أن يرجعَ من حيثُ خرجَ، فلا يستطيعُ، فقال : ما هذا يا جبريلُ ؟ فقال : هذا الرجلُ يتكلّمُ بالكلمةِ العظيمةِ، ثم يندمُ عليها فلا يستطيعُ أن يردها» [أخرجه البزار (٩٥١٨)، البداية والنهاية، ج٥، ص٣١]، في لَطيفةٍ إشارية تُصورُ حالَ مَن يَخرجُ من فِيهِ الكلمةُ الطائشةُ بالفتنةِ، فتَسيرُ بينَ الناسِ سَيْرَ النارِ في الهشيمِ ولا يَملكُ لَـمَّ شتاتها.

٣. التَّعدي على مالِ الضعفاءِ (الربا واليُتْمُ): في مشهدِ آكلةِ أموالِ اليتامى الذين تُقذفُ في أفواههم الحجارةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَمَّا دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا. . . رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإِبِلِ، فِي أَيْدِيهِمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالأَفْهَارِ  يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجُ مِنْ أدْبَارِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟»،قَالَ: هَؤُلَاءِ، أَكَلَةُ أمْوَالِ اليَتَامَى ظُلْمًا...» [انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٢) ]، لا يكتفي النصُّ بالإشارةِ إلى العقابِ، بل يكشفُ عن تصوير بشاعة الجُرْمِ؛ فالجمرةُ الداخلةُ من الفمِ والخارجةُ من الدُّبرِ ترمزُ إلى تحوُّلِ الحرامِ الـمُستطابِ في الدنيا إلى نارٍ مُهلكةٍ تخرجُ من مخرجِ الخزيِ والاستخفافِ، فكأنما الجسدُ نفسُه يُخرجُ سِرَّ الجُرْمِ ويُعلنهُ.

٤. أما آكلةُ الربا فقد صُوِّروا ببطونٍ كالبُيوتِ الـمائلةِ فيها الحياتُ تُرى من خارجها ،خرج أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَأَيْتُ  لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَنَظَرْتُ فَوْقَ - قَالَ عَفَّانُ: فَوْقِي - فَإِذَا أَنَا بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ وَصَوَاعِقَ»، قَالَ: «فَأَتَيْتُ عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا» [مسند أحمد،٨٦٤٠]، بِمثابةِ تحذيرات نبويةٍ ضِدَّ الظلمِ الاجتماعيِّ؛ فالحرامُ لا يَمكثُ في الجوفِ إلا ليُحرقَهُ.

٥.  التحللُ الأخلاقيُّ (مشهدُ الزُّناةِ): رأى الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم - أقوامًا يُتركُ بينهم اللحمُ النضيجُ السمينُ، ويَأكلونَ منَ اللحمِ الغَثِّ الـمُنتنِ الضارِّ، «... قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ سَمِينٌ طَيِّبٌ إلى جنبه لحم غث منتن، يَأْكُلُونَ مِنَ الْغَثِّ الْمُنْتِنِ وَيَتْرُكُونَ السَّمِينَ الطَّيِّبَ»، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عليهم منهن» [عيون الأثر، ج١، ص١٧١]. وهذا المشهدُ يُعطينا درسًا في الفطرةِ، فالعاقلُ لا يتركُ الحلالَ الطاهرَ لِيَقعَ في الحرامِ النجسِ إلا إذا فَسَدَتْ فطرتهُ، وهو تجسيدٌ لانتكاسِ الميولِ البشريةِ حين تبتعدُ عن هديِ السماءِ.

٦. تاركو الصلاةِ وأماناتُ الخَلْقِ: رأى - صلى الله عليه وسلم - قومًا تُرضخُ (تدق وتكسر) رُؤوسُهم بالصخرِ، فسألَ عَنْهُمْ، فإذا هُمُ الذينَ تَتثاقلُ (كسلوا وقصروا ) رؤوسُهم عن الصلاةِ الـمكتوبةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ  - صلى الله عليه وسلم - : «...أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُرْضَخُ  رُؤُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كما كَانَتْ، وَلا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، قالَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤلاءِ؟ قالَ: هؤلاءِ الَّذِينَ تَثَاقَلَتْ  رُؤُوسُهُمْ عَنِ الصَّلاَةِ» [الترغيب والترهيب - المنذري ، ٤/‏٤٥٤]. ولَطيفةُ التشبيهِ هنا أنَّ الرأسَ الذي لم يَسجدْ لِعظمةِ اللهِ، جُوزيَ بـ الرَّضخِ لِيَذوقَ مَرارةَ التكبرِ عنِ العبادةِ.

٧. وفي جِوارِ ذلكَ، يَمثُلُ أمامَ النبيِّ  - صلى الله عليه وسلم -  رُجلٌ قد جمعَ حُزمةً عظيمةً من الحطبِ لا يستطيعُ حَمْلها وهو يزيدُ عليها، «... وَمَرَّ بِرَجُلٍ جَمَعَ حُزْمَةَ حَطَبٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا ثُمَّ هُوَ يَضُمُّ إِلَيْهَا غَيْرَهَا، قَالَ: هَذَا الَّذِي عِنْدَهُ الْأَمَانَةُ لَا يُؤَدِّيهَا وَهُوَ يَطْلُبُ أُخْرَى». [فتح الباري،٧/٢٠٠]؛ في مَشهدٍ يَنطقُ بحالِ الإنسانِ اللاهثِ خلفَ الوجاهةِ والمناصبِ، يَحملُ أماناتِ الخلقِ وهو عاجزٌ عن أداءِ أمانةِ نفسهِ، ومع ذلك يَطلبُ المزيدَ.

مَرائِي الجمالِ والجلالِ في رحاب الملأ الأعلى

بعدَ عبورِ مَشاهدِ الوعظِ التي تَهزُّ القلوبَ قبل الأسماعِ، وتُصوِّرُ المصائرَ قبل المآلِ، انتقلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَرائِي الأنوارِ، حيثُ لا عَيْنٌ رأتْ ولا أذنٌ سَمِعتْ، وفي تضاعيفِ السَّماواتِ، بَدَتْ لِلنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَشاهدُ تَخرقُ العادةَ، وتُبينُ عظمةَ الـمُبدعِ سُبحانَه، ومنها مَشاهدُ لم تُذْكَرْ في السردِ الأولِ:

١. مشهدُ نيلِ الجنةِ وفراتِها: رأى - صلى الله عليه وسلم - أربعةَ أنهارٍ تَنبعُ من أصلِ سِدرةِ المُنتهى: نهرانِ ظاهرانِ ونهرانِ باطنانِ، فأما الظاهرانِ فهما النيلُ والفراتُ، يقول صاحب الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم - «... فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ ...» [صحيح البخاري ،٣٢٠٧] واللطيفةُ العلميةُ التي يُؤصلها الإمامُ القسطلانيُّ هي أنَّ بركةَ هذه الأنهارِ في الأرضِ مَوصولةٌ بـ أصلٍ ملكوتيٍّ، وأنَّ مِياهَ الحياةِ الروحيةِ (الوحي) ومِياهَ الحياةِ الماديةِ (الأنهار) تَنبعُ من مِشكاةٍ واحدةٍ.

٢. البيتُ المعمورُ وفَيْضُ الملائكةِ: رأى - صلى الله عليه وسلم - حقيقةَ العبادةِ الكونيةِ، حيثُ مِحراُب السَّماءِ الذي لا يَنقطعُ عنه التسبيحُ، وفي الصحيحينِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: «فَرُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ» [صحيح البخاري ،٣٢٠٧]،  وهذا المشهدُ يُربي فينا التواضعَ، فاللهُ غنيٌّ عن عِبادتنا، والكونُ يسبحُ للهِ بآلافِ اللغاتِ.

٣. سِدرةُ المُنتهى ونورُ التَّجلي الرباني: وَصلَ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَقامِ الجمالِ الـمُطلقِ، حيثُ الشجرةُ التي لا يستطيعُ بشرٌ وَصْفَ جَمالِها. وصفها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقولهِ: «ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ المنتهى. وإن وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ. وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ. قَالَ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ. فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا» [صحيح مسلم، ١٦٢]، إنَّ غَشيانَ النورِ للسدرةِ هو إشارةٌ إلى الحقيقةِ الإلهيةِ التي تَبهَرُ العقولَ وتُسكِنُ الأرواحَ، كما قالَ تعالى: {عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ * إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ} [النجم: ١٤-١٨]  .

٤. نهرُ الكوثرِ وجزاءُ الوفاء ومنازل الصحابة: رأى - صلى الله عليه وسلم - مَنبعَ الخيرِ الذي أَعطاهُ اللهُ لَهُ ولِأُمتهِ، نهرٌ حافتاهُ لؤلؤٌ، ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ  - صلى الله عليه وسلم -  إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: «أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ» [صحيح البخاري،٤٩٦٤]. لِيُطمئنَ قلوبَ أتباعهِ بأنَّ الصبرَ في الدنيا نهايتهُ رِيٌّ لا ظمأَ بعدَهُ أبدًا. وفي تلك الجنانِ، سَمِعَ خَشْفَةَ نَعْلَيِّ بلالٍ [صحيح مسلم، ج٤، ص١٩١٠]؛ في أسمى مَراتبِ جَبْرِ الخواطرِ؛ فعبدٌ كان يُعذبُ في الرَّمضاءِ، يَسبقُ نَعلاهُ إلى الجنةِ لِيُعلنَ الإسلامُ أنَّ السَّبْقَ بـ التقوى لا بـ العِرقِ

ورأى قَصرًا لِعمرَ بنِ الخطابِ، ورأى الرُّبَيصاءَ (أم سليم)، فكانتِ الجنةُ مَسكنًا لِلأرواحِ التي بَذلتْ لِلحقِّ كلَّ غالٍ.

مشاهد الإسراء والمعراج ومراتب النفس الإنسانُية

تُمثِّلُ هذه المرائي أولَ سرديةٍ كبرى في تاريخِ الأدبِ الإسلاميِّ تجمعُ بينَ الوعظِ والفنِّ والتصويرِ النفسيِّ، حيثُ نَجدُ تلازمًا بينَ الفضاءاتِ ومراتبِ النفسِ البشريةِ:

  • ففي فضاءِ الأرضِ، كانتِ النفسُ الأمَّارةُ تَتجسدُ في رُموزِ الدنيا والفتنةِ والعجوزِ الشَّمطاءِ.
  • وفي طَبقاتِ السَّماءِ، تَمثلتِ النفسُ اللوامةُ عِبرَ مَشاهدِ العقابِ (المقاريض، الرضخ، الجمر) التي تَدفعُ المؤمنَ لِمراجعةِ ذاتهِ.
  • وعندَ السِّدرةِ، تَجلتِ النفسُ الـمُطمئنةُ في أعلى مَقاماتِ القُربِ والكمالِ، حيث السكينةُ التي تَغشى السدرةَ. 

لقد رَسَمتِ الـمَرائِي نَموذجَ الإنسانِ الكاملِ في مَشاهدِ الأنبياءِ، مقابلَ نَموذجِ الإنسانِ المُنحطِّ في مَشاهدِ الظلمِ الاجتماعيِّ والتحللِ الأخلاقيِّ، لِيختارَ القارئُ لنفسهِ مَقامًا بينَ هذه المراتبِ.

تأملات في مَرائِي السماواتِ ولطائف اللقاءات

بينما كان النبيُّ  - صلى الله عليه وسلم -  يَرتقي في السَّمواتِ العُلى، كان في كلِّ سماءٍ يَفتحُ لَهُ مَلَكوتٌ جديدٌ، ففي السماءِ الثانيةِ، التقى بيحيى وعيسى عليهما السلامُ، وهما ابنا الخالةِ، واللطيفةُ في جَمعهما معًا هي إشارةٌ لِمقامِ الزُّهدِ واللُّطفِ، يقول صلى الله عليه وسلم: «... ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ. مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ فَفُتِحَ لَنَا. فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا. فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ» [صحيح مسلم، ١٦٢].

 وفي السماءِ الثالثةِ، رأى يوسفَ عليهِ السلامُ، وقد أُعطيَ شَطْرَ الحُسنِ، يقول صلى الله عليه وسلم: «.... ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ. قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ. وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا. فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ  - صلى الله عليه وسلم - . إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ. فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ...» [صحيح مسلم، ١٦٢]، وهنا يَقِفُ العلماءُ عندَ لَطيفةٍ رصينةٍ: أنَّ رُؤيةَ يوسفَ كانت تمهيدًا لِرؤيةِ الجمالِ المطلقِ عندَ سِدرةِ المُنتهى.

ثم ارتقى - صلى الله عليه وسلم - إلى السماءِ السادسةِ، حيثُ لَقِيَ كليمَ اللهِ موسى، وفي ذلك اللقاءِ لَطيفةُ الشفقةِ على الأمةِ؛ فموسى – عليه السلام -هو الذي أشارَ على النبيُّ  - صلى الله عليه وسلم -  بمراجعةِ ربهِ في الصلاةِ، يقول صلى الله عليه وسلم «....  ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السلام. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بموسى  - صلى الله عليه وسلم - . فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ......فنزلت إلى موسى  - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ. فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ. فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ...» [صحيح مسلم، ١٦٢].

ورأى  - صلى الله عليه وسلم -  في مِعراجهِ صُورًا لِـ مَلائكةِ العذابِ ومَلائكةِ الرحمةِ، ورأى مالكًا خازنَ النارِ الذي لم يَضحكْ قط، لِيُدركَ العبدُ أنَّ مَقامَ العدلِ الإلهيِّ مَقامٌ مَهيبٌ يَستوجبُ الحذرَ.

الخلاصة

إنَّ هذه المَرائِي، ليست خَيالاتٍ بصريةً، بل هي حقائقُ علويةٌ كُشفتْ لِعينِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بتمكينِ اللهِ لها. وقد أَبدعَ الإمامُ السيوطيُّ في كتابهِ الآية الكبرى في شرح قصة الإسراء في حَشدِ هذه الرواياتِ وتَمحيصِها، كما نَقَّحَها الحافظُ ابنُ حجرٍ في فتح الباري.

وهكذا، تبقى مَرائِي الإسراءِ والمِعراجِ خريطةً نورانيةً مُعلَّقةً في فضاءِ الوعيِ الإسلاميِّ، كلما غَبشتِ الدروبُ وتشعبتِ المسالكُ، أضاءت مَعالـمَ الطريقِ: طريقَ القلبِ إلى ربهِ، وطريقَ الأمةِ إلى صراطِها المستقيمِ. 

فالمشهدُ عِظةٌ، واللطيفةُ عِبرةٌ، والرمزُ إشارةٌ إلى حكمةٍ بالغةٍ، تَربطُ الأرضَ بالسماءِ، والعبدَ بالخالقِ، والقلبَ باليقينِ.

موضوعات ذات صلة

الإسراء والمعراج معجزة عظيمة للنبى ﷺ وقعت قبل الهجرة.

يرفض المشككون معجزة الإسراء والمعراج؛ لأنها تخالف القوانين الطبيعية.

تتجلى مكانة النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلة الإسراء والمعراج من خلال إمامته للأنبياء في المسجد الأقصى.