Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دروس وعبر من غزوة الأحزاب

الكاتب

هيئة التحرير

دروس وعبر من غزوة الأحزاب

غزوة الأحزاب لم تكن مجرد واقعةٍ حربية انقضت بتصاريفِ الزمان، بل هي مدرسةٌ ربانية، تجلت فيها أنوارُ الحكمة النبوية، وصِيغَت فيها معادنُ النفوسِ المؤمنة تحت وطأةِ الابتلاء.

تجليات النبوة في غزوة الأحزاب

حينما تكتملُ حلقاتُ الحصارِ وتضيقُ الأرضُ بما رحبت، يشرقُ في الأفقِ نورُ اليقينِ المحمدي ليعلمَ البشريةَ كيف تتحولُ المحنُ إلى منحٍ، وكيف يغدو الانكسارُ لله بابًا لفتحٍ مبينٍ لا تدركه الأبصارُ القاصرة، إنها غزوة الأحزاب، حيثُ التقت بركةُ القائدِ بعزيمةِ الجند، فصاغت تاريخًا لا يُمحى.

إنَّ أولَ ما يطالعنا في مشهدِ "الخندق" هو ذلكَ الانفتاحُ العقليُّ الذي جسّدهُ سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، فقد كانت هذه الغزوةُ هي المرة الأولى في التاريخِ العربي التي يُستخدمُ فيها "الخندقُ" كوسيلةٍ دفاعية، وهو أسلوبٌ أعجمي، وهنا نلمحُ عظمةَ المنهجِ النبوي، فحينَ قدّمَ الصحابيُّ الجليل سلمانُ الفارسيُّ اقتراحهُ قبِلَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُعجِبَ بهِ، ليرسّخَ قاعدةً ذهبية، والتي جاءت في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» [أخرجه الترمذي (٢٦٨٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، فإنَّ الشريعةَ الإسلامية بمقدارِ ما تنهى عن التبعيةِ العمياء تحبُّ للمسلمِ أن يجمعَ أطرافَ الخيرِ كله أينما لاحَ له ذلك.

تجليات التواضع النبوي وبركة المساواة

في وهجِ العملِ الشاق نرى مشهدًا مهيبًا يخطُّ معالمَ "العدالةِ الاجتماعية"، فلم يكنْ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يراقبُ الجندَ من قصرٍ منيف، بل انخرطَ في حفرِ التربةِ كأحدهم، حتى غطى الغبارُ جسدَه الشريف صلى الله عليه وسلم فما تفرقه عن أي عامل آخر، وكان يرتجزُ معهم، ويتعبُ ويتعبون، ويجوعُ فيكون أولهم جوعًا، هذه هي "المساواةُ الواقعية" التي تنبعُ من العبوديةِ لله تعالى، والتي تذيبُ كل الامتيازات والحصانات الزائفة، لتضعَ الناسَ جميعًا في صفٍّ واحدٍ من المكانةِ والاعتبار.

من المعجزات النبوية في غزوة الأحزاب

تجلت في غزوةِ الأحزابِ معالمُ النبوةِ في أسمى صوَرها، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربطُ الحجرَ على بطنهِ الشريفِ من شدةِ الجوع، وهو القائدُ والزعيم، مما يقطعُ الطريقَ على كل من يتوهمُ أنه صلى الله عليه وسلم طلبَ جاهًا أو مُلكًا، بل هي مسئوليةُ الرسالةِ وأمانةُ البلاغ.

ثم نرى بركتهُ صلى الله عليه وآله وسلم التي لا تُحد، حينما دعا الصحابيَّ جابر بن عبد الله رضي الله عنه وصنع له طعامًا يسيرًا، فأبى القلبُ النبوي الشفيقُ أن يستأثرَ بالنعمةِ دونَ جنده، فنادى في أهل الخندق أجمعين، فبارك اللهُ في الطعامِ حتى شبعَ المئاتُ وبقيت منه بقية، فيحدثنا رضي الله عنه فيقول: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا، فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ»، فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا» وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُو [متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٠٢) ومسلم (٢٠٣٩)]، فلقد كانت هذه المعجزة تقديرًا إلهيًّا لمدى محبته صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وتوكله على الله.

فقه الشورى والواقعية الرشيدة

برزت حكمةُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما استشارَ أصحابه في مصالحةِ "غطفان" لكسرِ شوكةِ الأحزاب [انظر: المعجم الكبير للطبراني ٦/‏٢٨]، والهدفُ لم يكنِ الضعف، بل كان استطلاعًا لمدى القوة المعنوية في نفوسهم، ومن الناحية التشريعية، نؤكدُ أنَّ الشورى تكونُ فيما لا نصَّ فيه، وما جرى كان مراوضةً تربوية لا تُلزمُ المسلمين بدفعِ جزية أو تنازلاتٍ لعدوهم في حال الاختيار والتمكين.

أسرار النصر بالالتجاء والاضطرار

بأيِّ وسيلةٍ انتصرَ المسلمون؟ لقد سلكوا كلَّ الأسبابِ الماديةِ، لكنهم لم يعتمدوا إلا على التضرعِ والاستغاثةِ بالخالق، وحينَ صدقَ الالتجاءُ جاءَ المددُ: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ جَاۤءَتۡكُمۡ جُنُودࣱ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِیحࣰا وَجُنُودࣰا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرًا﴾ [الأحزاب:٩]، وإنَّ النصرَ الحقيقيَّ لا يتحققُ إلا حين تذوبُ الأسبابُ الماديةُ في بحارِ التوكلِ على الله، فتنقلبُ الريحُ العاصفةُ رعبًا في قلوبِ المشركين وسكينةً في قلوبِ المؤمنين.

قضاء الصلاة الفائتة

علمتنا الغزوةُ أنَّ العبادةَ لا تسقطُ بحال؛ فحين فاتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلاةُ العصرِ لشدة الانشغال، فقضاها بعد غروب الشمس، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ" [متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١)]، وهذا يؤصلُ لمشروعية قضاء الفوائت سواء كانت لنوم أو نسيان أو حتى شغلٍ قاهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» [متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه]؛ فالعبرةُ بالمبادرةِ تداركًا لما فات.

الخلاصة

إنَّ غزوة الأحزاب هي التجلي الأسمى لبركةِ الذاتِ المحمدية التي حولت حصارَ الأرضِ إلى انفتاحِ السماء، وبرهنت على أنَّ الأمةَ المحمديةَ متى تمسكت بأسبابِ العلمِ واتصلت بمددِ اليقينِ، فلا غالبَ لها.

موضوعات ذات صلة

غزوة الخندق من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي؛ حيث تجلت فيها عبقرية التخطيط النبوي، وصمود المسلمين في وجه تحالف واسع من الأعداء

تشكل غزوة أحد، التي وقعت في السابع من شوال للعام الثالث من الهجرة، محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة

في شهر جمادى الأولى سنة ٨ هـ، وقعت غزوة مؤتة وكانت بمثابة أول ملحمة نورٍ في وجه إمبراطورية الظلام

تُعد غزوة تبوك من أعظم المحطات في السيرة النبوية، إذ واجه فيها المسلمون أصعب الظروف وأقوى التحديات دون قتال

تقع بدر بين مكة والمدينة، وهي موقع غزوة بدر الكبرى، والتي وقعت في ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة