Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

غزوة الخندق (الأحزاب) شوال ٥هـ

الكاتب

هيئة التحرير

غزوة الخندق (الأحزاب) شوال 5هـ

تُعد غزوة الخندق (الأحزاب) التي وقعت في شوال من العام الخامس للهجرة، حَدَثًا هامًّا في تاريخ السيرة النبوية المطهرة؛ إذ لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت اختبارًا حقيقيًّا لصلابة الإيمان في قلوب المسلمين، وتمحيصًا للصف الداخلي من المنافقين؛ حيث اجتمعت في هذه الغزوة قوى الشرك من قريش وغطفان بتحريض من يهود بني النضير، بهدف استئصال جذور الإسلام كليًّا.

تحزيب الأحزاب وبناء الخندق

كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس، وكان من حديث الخندق أن نَفَرًا من اليهود، منهم: سَلَّامُ بن أبي الحقيق النَّضْرِيُّ، وحُيَيُّ بن أخطب النَّضْرِيُّ، وكِنَانَةُ بن أبي الحقيق النَّضْرِيُّ، وهَوْذَةُ بن قيس الوَائِلِيُّ، وأبو عَمَّارٍ الوَائِلِيُّ، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حَزَّبُوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: "إنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ".

فقالت لهم قريش: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟" قالوا: "بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ"، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ نَصِیبࣰا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ...﴾ [النساء: ٥١]، -والجبت والطاغوت: كل ما يعبد من دون الله- ﴿...وَیَقُولُونَ لِلَّذِینَ كَفَرُوا۟ هَٰۤؤُلَاۤءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ سَبِیلًا * أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن یَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِیرًا * أَمۡ لَهُمۡ نَصِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذࣰا لَّا یُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِیرًا * أَمۡ یَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَاۤ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ فَقَدۡ ءَاتَیۡنَاۤ ءَالَ إِبۡرَٰهِیمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَیۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِیمࣰا﴾ [النساء: ٥١-٥٥].

تحريض اليهود لغطفان وخروج الأحزاب

فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.

فخرجت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، وخرجت غطفان بقيادة عُيَيْنَةُ بن حِصْنِ بن حُذَيْفَةَ بن بدر في بني فَزَارَةَ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المُرِّيُّ في بني مُرَّةَ، ومِسْعَرُ بن رُخَيْلَةَ بن نُوَيْرَةَ بن طَرِيفِ بن سُحْمَةَ بن عبد الله بن هلال بن خَلَاوَةَ بن أشجع بن رَيْثِ بن غطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع.

حفر الخندق: تضحيات المؤمنين وتخاذل المنافقين

فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وما أجمعوا له من الأمر، جمع النّاسَ وأخبرهم خبَر عدوّهم وشاورهم في أمرهم، فأشار عليه ‌سلمان الفارسي ‌بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وضرب رسول الله الخندق على المدينة، وعمل فيه ﷺ ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه فدأب فيه ودأبوا.

وأبطأ عن رسول الله ﷺ وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يُوَرُّونَ -أي يستترون- بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير واحتسابًا له.

فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰۤ أَمۡرࣲ جَامِعࣲ لَّمۡ یَذۡهَبُوا۟ حَتَّىٰ یَسۡتَءۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَسۡتَءۡذِنُونَكَ أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَءۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [النور: ٦٢]، فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله ﷺ.

ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي ﷺ: ﴿لَّا تَجۡعَلُوا۟ دُعَاۤءَ ٱلرَّسُولِ بَیۡنَكُمۡ كَدُعَاۤءِ بَعۡضِكُم بَعۡضࣰاۚ قَدۡ یَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ یَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذࣰاۚ فَلۡیَحۡذَرِ ٱلَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦۤ أَن تُصِیبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ یُصِیبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمٌ﴾ [النور: ٦٣]، واللِّوَاذُ: الاستتار بالشيء عند الهرب، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في أشعار يوم أحد: وَقُرَيْشٌ تَفِرُّ مِنَّا لِوَاذًا … أَنْ يُقِيمُوا وَخَفَّ مِنْهَا الْحُلُومُ وقال تعالى: ﴿أَلَاۤ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ یَعۡلَمُ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ﴾ [النور: ٦٤] من صدق أو كذب، ﴿وَیَوۡمَ یُرۡجَعُونَ إِلَیۡهِ فَیُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمُۢ﴾ [النور: ٦٤].

ارتجاز المسلمين في الحفر لتخفيف العناء والتعب

وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه بِرَجُلٍ من المسلمين يقال له جُعَيْلٌ، سماه رسول الله ﷺ: «عَمْرًا»، فقالوا:

سَمَّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرًا … وَكَانَ لِلْبَائِسِ يَوْمًا ظَهْرًا

والظَّهْرُ: القوة والمعونة، فإذا مروا «بِعَمْرٍو» قال رسول الله ﷺ: «عَمْرًا»، وإذا مروا «بِظَهْرٍ» قال رسول الله ﷺ: «ظَهْرًا».

معجزات نبوية وبشائر في قلب المعاناة

وكان في حفر الخندق أحاديث فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله ﷺ وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون، فقد كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه يحدث: أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كُدْيَةٌ، فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: "فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَانْهَالَتْ -أي تفتتت- حَتَّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لَا تَرُدُّ فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً".

وقالت أخت للنعمان بن بشير رضي الله عنه: "دعتني أمي عَمْرَةُ بنت رَوَاحَةَ، فأعطتني حَفْنَةً من تمر في ثوبي، ثم قالت: أَيْ بُنَيَّةُ، اذْهَبِي إِلَى أَبِيكِ وَخَالِكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِغَدَائِهِمَا".

قالت: فأخذتها فانطلقت بها، فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال: «تَعَالَيْ يَا بُنَيَّةُ، مَا هَذَا مَعَكِ؟» قالت: فقلت: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا تَمْرٌ، بَعَثَتْنِي بِهِ أُمِّي إِلَى أَبِي بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، وَخَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ يَتَغَدَّيَانِهِ". قال: «هَاتِيهِ». قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دَحَا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: «اصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ: أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ»، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: عملنا مع رسول الله ﷺ في الخندق، فكانت عندي شُوَيْهَةٌ غير جِدٍّ سمينة -أي غير كاملة السمن-، فقلت: "وَاللَّهِ لَوْ صَنَعْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ"، فأمرت امرأتي فطحنت لنا شَيْئًا من شعير فصنعت لنا منه خُبْزًا، وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله ﷺ، فلما أمسينا وأراد رسول الله ﷺ الانصراف عن الخندق -وكنا نعمل فيه نهارنا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا- قلت: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكَ شُوَيْهَةً كَانَتْ عِنْدَنَا، وَصَنَعْنَا مَعَهَا شَيْئًا مِنْ خُبْزِ هَذَا الشَّعِيرِ، فَأُحِبُّ أَنْ تَنْصَرَفَ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي"، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله ﷺ وحده، فلما أن قلت له ذلك قال: «نَعَمْ»، ثم أمر صَارِخًا فصرخ: «أَنِ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ». قلت: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]! فأقبل رسول الله ﷺ وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى الله، ثم أكل وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها.

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليَّ صخرة، ورسول الله ﷺ قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول بُرْقَةٌ، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت تحته برقة أخرى. قلت: "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ لَمَعَ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ؟" قال: «أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟» قلت: "نَعَمْ". قال: «أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ»، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: "افْتَتِحُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، مَا افْتَتَحْتُمْ مِنْ مَدِينَةٍ وَلَا تَفْتَتِحُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا ﷺ مَفَاتِيحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ".

وفي رواية عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ ... وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنَ الخَنْدَقِ، لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، فَقَالَ: «بِاسْمِ اللهِ»، فَضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ»، وَضَرَبَ أُخْرَى، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ»، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا».

إحكام الحصار ونقض بني قريظة للعهد

إحكام الحصار ونزول الأحزاب حول المدينة

ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رُومَةَ (موضع يقع غرب جبل أحد بالمدينة المنورة)، بين الجُرُفِ وزَغَابَةَ في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بِذَنَبِ نَقْمَى إلى جانب أُحُدٍ، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْعٍ -وهو جبل بالمدينة- في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب عسكره، والخندق بينه وبين القوم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطَامِ (أي الحصون).

مؤامرة حيي بن أخطب ونقض بني قريظة للعهد

وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: "وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افْتَحْ لِي"، قال: "وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ مَشْئُومٌ، وَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا، فَلَسْتُ بِنَاقِضٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إِلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا".

قال: "وَيْحَكَ افْتَحْ لِي أُكَلِّمْكَ". قال: "مَا أَنَا بِفَاعِلٍ". قال: "وَاللَّهِ إِنْ أَغْلَقْتَ دُونِي إِلَّا عَنْ جَشِيشَتِكَ أَنْ آكُلَ مَعَكَ مِنْهَا" (الجشيشة: طَعَام يصنع من الْبر يطحن غليظا).

فأحفظ الرجل ففتح له، فقال: "وَيْحَكَ يَا كَعْبُ، جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامٍّ (أي مُرْتَفع)، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِذَنَبِ نَقْمَى إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ، قَدْ عَاهَدُونِي وَعَاقَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ".

فقال له كعب: "جِئْتَنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ، وَبِجَهَامٍ (السَّحَاب الرَّقِيق الّذي لَا مَاء فِيهِ) قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ، فَهُوَ يَرْعَدُ وَيَبْرُقُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً".

فلم يزل حيي بكعب يَفْتِلُهُ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ، حتى سمح له، على أن أعطاه عهدًا وميثاقًا: "لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ"، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ.

تثبت الرسول ﷺ من خيانة قريظة

فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن النعمان، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة، أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بني عمرو بن عوف.

فقال: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا، أَحَقٌّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ".

فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، فيما نالوا من رسول الله ﷺ، وقالوا: "مَنْ رَسُولُ اللَّهِ؟ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَلَا عَقْدَ"، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رَجُلًا فيه حِدَّةٌ، فقال له سعد بن عبادة: "دَعْ عَنْكَ مُشَاتَمَتَهُمْ، فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنَ الْمُشَاتَمَةِ".

ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله ﷺ، فسلموا عليه، ثم قالوا: "عَضَلٌ وَالْقَارَّةُ"، أي كغدر عَضَلٍ والقارة بأصحاب الرَّجِيعِ، خُبَيْبٍ وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ".

اشتداد البلاء وظهور خبايا المنافقين

وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال مُعَتِّبُ بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف: "كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ"، وقد قيل: إن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين، واحتُجَّ بأنه كان من أهل بدر.

وحتى قال أوس بن قَيْظِيٍّ، أحد بني حارثة بن الحارث: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ"، وذلك عن ملأ من رجال قومه، "فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنَرْجِعَ إِلَى دَارِنَا، فَإِنَّهَا خَارِجٌ مِنَ الْمَدِينَةِ".

فأقام رسول الله ﷺ وأقام عليه المشركون بضعًا وعشرين ليلة، قريبًا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا الرِّمِّيَّا -أي المراماة- بالنبل والحصار.

الثبات في المواجهة وبطولات المسلمين

مشاورة الأنصار في مصالحة غطفان

فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله ﷺ إلى عُيَيْنَةَ بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك.

فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرًا نُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟" قال: «بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ -أي اشتدوا عليكم- مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إِلَى أَمْرٍ مَا».

فقال له سعد بن معاذ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إِلَّا قِرًى -أي ضيافة- أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ".

قال رسول الله ﷺ: «فَأَنْتَ وَذَاكَ»، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: "لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا".

عبور نفر من المشركين الخندق

فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس، أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب الشاعر بن مرداس، أخو بني محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: "تَهَيَّئُوا يَا بَنِي كِنَانَةَ لِلْحَرْبِ، فَسَتَعْلَمُونَ مَنِ الْفُرْسَانُ الْيَوْمَ".

ثم أقبلوا تُعْنِقُ -أي تسرع- بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: "وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا"، ويُقال إن سلمان الفارسي أشار به على رسول الله ﷺ، وقال المهاجرون يوم الخندق: "سَلْمَانُ مِنَّا"، وقالت الأنصار: "سَلْمَانُ مِنَّا"، فقال رسول الله ﷺ: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ».

مبارزة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعمرو بن عبد ود

ثم تيمم المشركون مكانًا ضيقًا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة (الأرض التي تعلوها الملوحة) بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم.

وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلِمًا -أي جعل لنفسه علامة- ليري مكانه، فلما وقف هو وخيله. قال: "مَنْ يُبَارِزُ؟" فبرز له علي بن أبي طالب فقال له: "يَا عَمْرُو، إِنَّكَ قَدْ كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خَلَّتَيْنِ إِلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ". قال له: "أَجَلْ".

قال له سيدنا عليّ رضي الله عنه: "فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَى الْإِسْلَامِ".

قال: "لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ".

قال: "فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النِّزَالِ".

فقال له: "لِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ".

قال له علي: "لَكِنِّي وَاللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ".

فحَمِيَ عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ رضي الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة.

وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك أبياتًا:

نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ … وَنَصَرْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابِي

فَصَدَدْتُ حِينَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدِّلًا … كَالْجِذْعِ بَيْنَ دَكَادِكٍ وَرَوَابِي

وَعَفَفْتُ عَنْ أَثْوَابِهِ وَلَوْ أَنَّنِي … كُنْتُ الْمُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثْوَابِي

لَا تَحْسَبُنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينِهِ … وَنَبِيِّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ

فرار عكرمة وشعر حسان

وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال حسان بن ثابت في ذلك أبياتًا، منها:

فَرَّ وَأَلْقَى لَنَا رُمْحَهُ … لَعَلَّكَ عِكْرِمَ لَمْ تَفْعَلِ

وَوَلَّيْتَ تَعْدُو كَعَدْوِ الظَّلِيمِ … مَا إِنْ تَجُورُ عَنِ الْمَعْدِلِ

وَلَمْ تَلْقَ ظَهْرَكَ مُسْتَأْنِسًا … كَأَنَّ قَفَاكَ قَفَا فُرْعُلِ

والظَّلِيمُ: ذكر النعام، والْفُرْعُلُ: صغير الضباع.

شعار المسلمين يوم الخندق

وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم الخندق وبني قريظة: «حم، لَا يُنْصَرُونَ».

إصابة سعد بن معاذ ودعاؤه المستجاب

وكانت عائشة أم المؤمنين في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، فقالت عائشة -وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب-: فمر سعد وعليه درع له مُقَلَّصَةٌ -أي قصيرة قد ارتفعت- قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يَرْقُدُ بها -أي يسرع- ويقول:

لَبِّثْ قَلِيلًا يَشْهَدِ الْهَيْجَا جَمَلْ … لَا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ

فقالت له أمه: "الْحَقْ أَيْ بُنَيَّ، فَقَدْ وَاللَّهِ أَخَّرْتَ".

قالت عائشة: فقلت لها: "يَا أُمَّ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ دِرْعَ سَعْدٍ كَانَتْ أَسْبَغَ مِمَّا هِيَ".

قالت: "‌وَخِفْتِ ‌عَلَيْهِ ‌حَيْثُ ‌أَصَابَ السَّهْمُ مِنْهُ".

فرُمي سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الْأَكْحَلَ -وهو عرق في الذراع-، رماه حِبَّانُ بن قيس بن العَرِقَةِ، أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: "خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ"، فقال له سعد: "عَرَّقَ اللَّهُ وَجْهَكَ فِي النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ وَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ".

وقد قيل: إن الذي رمى سعدًا هو أبو أسامة الجشمي، حليف بني مخزوم، وقيل: إن الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان.

بطولة السيدة صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها في حماية النساء

وكانت السيدة صفية بنت عبد المطلب في فَارِعٍ، حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت معهم فيه، مع النساء والصبيان، فمر بهم رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ، وليس بينهم أحد يدفع عنهم، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إليهم إن أتاهم آت.

قالت السيدة صفية: فقلت: "يَا حَسَّانُ، إِنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ كَمَا تَرَى يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَتِنَا مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ، وَقَدْ شُغِلَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَانْزِلْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ".

قال حسان: "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ يَا ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتِ مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا".

قالت: "‌فَلَمَّا ‌قَالَ ‌لِي ‌ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ عِنْدَهُ شَيْئًا، احْتَجَزْتُ ثُمَّ أَخَذْتُ عَمُودًا، ثُمَّ نَزَلْتُ مِنْ الْحِصْنِ إلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالْعَمُودِ حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهُ، رَجَعْتُ إلَى الْحِصْنِ"، فقلت: "يَا حَسَّانُ، انْزِلْ إِلَيْهِ فَاسْلُبْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ سَلَبِهِ إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ". قال: "مَا لِي بِسَلَبِهِ مِنْ حَاجَةٍ يَا بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ".

التخطيط النبوي والتأييد الإلهي بنصر المؤمنين

إسلام نعيم بن مسعود ودوره في تفريق الأحزاب

وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه، فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.

ثم إن نُعَيْمَ بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفد بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله ﷺ، فقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ"، فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ».

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية، فقال: "يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إِيَّاكُمْ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ". قالوا: "صَدَقْتَ، لَسْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ"، فقال لهم: "إِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَحَوَّلُوا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قَدْ جَاءُوا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ بِبَلَدِكُمْ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إِنْ خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُنَاجِزُوهُ"، فقالوا له: "لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ".

ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: "قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْتُ عَلَيَّ حَقًّا أَنْ أُبْلِغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ، فَاكْتُمُوا عَنِّي".

فقالوا: "نَفْعَلُ".

قال: "تَعْلَمُوا أَنَّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ: إِنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَنُعْطِيكَهُمْ، فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ثُمَّ نَكُونُ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: أَنْ نَعَمْ، فإِنْ بَعَثَتْ إِلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا".

ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: "يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إِنَّكُمْ أَصْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتَّهِمُونِي".

قالوا: "صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ".

قال: "فَاكْتُمُوا عَنِّي".

قالوا: "نَفْعَلُ، فَمَا أَمْرُكَ؟" ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.

دبيب الفرقة وتخاذل قبائل الشرك

فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: "إِنَّا لَسْنَا بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفُّ وَالْحَافِرُ، فَاغْدُوا لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، وَنَفْرُغَ مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ".

فأرسلوا إليهم: "إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَهُوَ يَوْمٌ لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِالَّذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّا نَخْشَى إِنْ ضَرَّسَتْكُمُ الْحَرْبُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَنْ تَنْشَمِرُوا إِلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا، وَالرَّجُلَ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ".

فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة. قالت قريش وغطفان: "وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي حَدَّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ"، فأرسلوا بني قريظة: "إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَدْفَعُ إِلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا".

فقالت بنو قريظة، حين انتهت الرسل إليهم بهذا: "إِنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا، فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ"، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: "إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا"، فأبوا عليهم، وخَذَّل الله بينهم.

وبعث الله عليهم الريح في ليالٍ شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ -أي تميلها وتقلبها- وتطرح أبنيتهم.

مهمة حذيفة بن اليمان في ليلة الريح

فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلًا.

قال رجل من أهل الكوفة لـ حذيفة بن اليمان: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَرَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبْتُمُوهُ؟".

قال: "نَعَمْ، يَا ابْنَ أَخِي".

قال: "فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟"

قال: "وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ"

فقال: "وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَلَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا".

فقال حذيفة: "يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوِيًّا -أي قطعة- مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ -يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجْعَةَ- أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ، وَشِدَّةِ الْبَرْدِ".

فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله ﷺ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: «يَا حُذَيْفَةُ، اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا».

قال حذيفة: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سفيان، فقال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لِيَنْظُرِ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ؟" قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: "مَنْ أَنْتَ؟" قال: "فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ".

هزيمة الأحزاب وإعلان أبي سفيان للرحيل

ثم قال أبو سفيان: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ -أي الخيل- وَالْخُفُّ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمُ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ".

ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولو لا عهد رسول الله ﷺ إلي: «أَنْ لَا تُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي»، ثم شئت، لقتلته بسهم.

رجوع حذيفة إلى الرسول بتخاذل المشركين وانصرافهم

قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مِرْطٍ -أي كساء- لبعض نسائه، مَرَاجِلُ -وهو ضرب من وشي اليمن-، فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح عليّ طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.

انصراف الرسول عن الخندق

ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح.

مراجع للاستزادة

مغازي الواقدي

السيرة النبوية لابن هشام

تاريخ الطبري

البداية والنهاية لابن كثير

دلائل النبوة للبيهقي

الخلاصة

وفي الختام، نخلص إلى أن غزوة الخندق لم تنتهِ بانتصار عسكري تقليدي وحسب، بل كانت نصرًا استراتيجيًّا وعقائديًّا رسخ قواعد الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ولقد أثبتت هذه الأزمة الخانقة أن معية الله تعالى تدرك عباده المخلصين في أشد اللحظات حلكة، وأن الريح والملائكة جند من جنود الله يسلطهم على من يشاء من أعدائه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِغَیۡظِهِمۡ لَمۡ یَنَالُوا۟ خَیۡرࣰاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِیًّا عَزِیزࣰا﴾  [الأحزاب: ٢٥]. 

كما قدمت الغزوة درسًا بليغًا في أهمية الأخذ بالأسباب، وتفعيل مبدأ الشورى، وتماسك الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات والمحن، وبانقشاع غبار هذه المعركة، تحول المسلمون من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم، وبدأت مرحلة جديدة من العزة والتمكين لدين الله تعالى. 

نسأل الله العلي القدير أن ينفعنا بسيرة نبيه المصطفى، والحمد لله رب العالمين.

موضوعات ذات صلة

وقعت غزوة بدر الكبرى في ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة.

يعد سيف الله المسلول خالد بن الوليد نموذجًا فذًا للقائد الذي جمع بين العبقرية العسكرية والإخلاص المطلق لله ولرسوله.

السرايا حملات عسكرية أرسلها النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- دون مشاركته الشخصية

السيرة النبوية هي السجل الدقيق الكامل لحياة النبي الكريم سيدنا محمد ﷺ، منذ مولده إلى وفاته.