وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
كَثُرَتْ آياتُ القرآن التي تذمُّ الدنيا إن كانت هي المقصدَ ومنتهى الآمال، قال تعالى: ﴿وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
إلَّا أن الله لا يذمُّ ثواب الدنيا مطلقًا، بل أرشد عباده إلى طلب ثواب الدنيا والآخرة منه، فقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
فالمؤمن إن منعه الله الدنيا، فيعلم أنه لم يمنع عنه إلا ما ذمَّه في كتابه، ولو كان منع زينة الدنيا منقصةً ما منعها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ» [رواه البخاري].
وعن عمر بن الخطاب قال: "لَمَّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوَ الصَّاعِ، وَمِثْلُهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَالِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ! فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟» قُلْتُ: بَلَى" [رواه البيهقي في الشعب، وأصله في صحيح مسلم].
وعن ابن عباس قال: "نام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على حَصِيرٍ، فقامَ وقد أثَّر في جَنْبِهِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخَذْنا لك وِطاءً؟ فقال: «مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» [رواه الترمذي].
فالدنيا ليست منتهى آمال المسلم، ولا مبلغ علمه، وإذا فتحت عليه يشكر ربَّه، ويبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، كما نصح القوم الصالحون قارون، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِى الأَرْضِ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].
إنَّ الدنيا في عينِ المحبِّ غيمةٌ عابرة، استظلَّ بفيئِها سيدنا رسول الله ﷺ ثمَّ راحَ وتركها، فلم يجعلها لقلبه مَسكنًا ولا لآماله مَوطنًا، فالسعيدُ مَن أبصرَ بعينِ بصيرتِه فناءَ المتاعِ فابتغى بجميلِ عطاءِ اللهِ دارَ البقاء، ليكونَ في خَلْوتِه مع اللهِ غنيًّا، وفي جَلْوتِه مع الخلقِ زاهدًا نافعًا، طاوِيًا بساطَ الدنيا تحتَ أقدامِ همَّتِه نحو الآخرة.
لم يعرف التاريخ زهدًا أصفى، ولا أعمق من زهد المصطفى ﷺ.
الزهد مقام شريف من مقامات اليقين، وأول خطوة للساعين إلى الله.
شهر رمضان مدرسة إيمانية متكاملة، يخرج منها المسلم وقد تهذبت نفسه.
يربي الإسلام في أبنائه نفسية أبية تترفع عن الشهوات، وتكتفي من الدنيا بما يعينها على المسير.
علمنا رمضان أن الاستقامة على الطاعة هي جوهر العبودية، وأن نور الحق لا ينطفئ برحيل الهلال.