Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قبسات من يوم أُحد

الكاتب

هيئة التحرير

قبسات من يوم أُحد

إنَّ يوم أُحد لم يكن مجرد واقعة حربية في تاريخ الإسلام، بل كان مدرسةً ربانيةً لصياغة النفوس، حيث امتزجت فيه الجراحُ بالأنوار، لتُعلمنا أنَّ المحنَ هي محاضنُ المنح، وأنَّ الوفاء الصادق مع الله ورسوله يقلبُ الهزيمة نصرًا، ويجعلُ من ذرات الرمل والجماد قلوبًا تنبض بالمحبة والوفاء.

اصطفاء الشهداء

إن نيل الشهادة في عقيدة أهل الله ليس مجرد نهاية لِحياة، بل هو اصطفاءٌ لِمرتبةٍ هي من أعلى مراتب القرب، حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن يكرم صفوةً من عباده بأن تُراق دماءهم في سبيله، مبرهنين بفعالهم أن محبة الله ورضاه آثرُ عندهم من نفوسهم التي بين جنباتهم، ومن هؤلاء الأفذاذ:

  • سيدنا مصعب بن عمير:

فتى الإسلام المدلل الذي كفنه الرضا، والذي هاجر يبتغي وجه الله، فترك الترف ليرتدي "نمرة" لم تكن تواري جسده الشريف كاملًا يوم استشهاده، وحين بكى عبد الرحمن بن عوف حاله، إنما بكى مخافة أن تُعجل للمؤمنين طيباتهم، فكان حال مصعب درسًا في التجريد الكامل لله، فعن خباب بن الأرت قال "هاجَرنا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَحنُ نَبتَغي وجهَ اللهِ، فوجَبَ أجرُنا على اللهِ، فمِنَّا مَن مَضى أو ذَهَبَ لَم يَأكُلْ مِن أجرِه شيئًا، كان منهم مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ، قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ، فلَم يَترُكْ إلَّا نَمِرةً، كُنَّا إذا غَطَّينا بها رَأسَه خَرَجَت رِجلاه، وإذا غُطِّيَ بها رِجلاه خَرَجَ رَأسُه، فقال لَنا النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «غَطُّوا بها رَأسَه، واجعَلوا على رِجلَيه الإذخِرَ - أو قال: ألقُوا على رِجلَيه مِنَ الإذخِرِ» - ومِنَّا مَن أينَعَت له ثَمَرَتُه فهو يَهدِبُها" [البخاري: الصحيح، رقم(٤٠٤٧)].

وحين وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - على جسد مصعب، قرأ قوله تعالى ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ثم أصدر أمره النبوي بزيارتهم، مؤكداً أنهم أحياءٌ يردون السلام على من سلم عليهم إلى يوم القيامة، فقال «أشهد أنَّ هؤلاءِ شهداءُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، فأْتوهمْ وزوروهُم، والذي نفسي بيدهِ! لا يُسلِّمُ عليهِم أحدٌ إلى يومِ القيامةِ إلا ردّوا عليهِ» [الحاكم: المستدرك على الصحيحين، (٢٩٧٧)].

  • سعد بن الربيع: 

هذا الصحابي الذي استكتمه النبي - صلى الله عليه وسلم - السر، كان نموذجًا في الصدق، وحين تفقدوه وجدوه جريحًا يلفظ أنفاسه، فلم يشغل نفسه بألم الطعنات التي بلغت اثنتي عشرة طعنة نافذة، بل كان همه أن تصل ريح الجنة إلى أنوف أصحابه، وأن يصل عتاب الوفاء إلى قومه الأنصار: "لا عذر لكم إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف" [انظر: الحلبي: السيرة الحلبية، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٢٧هـ، ج٢، ص٥٣٢].

هذا النصح في سكرات الموت هو قمة الوفاء بالبيعة، وبرهان على أن الإيمان حين يتمكن من القلب، تتلاشى أمامه آلام القروح ورهبة الموت.

  • عمرو بن الجموح:

ننظر إلى همة الشيوخ؛ عمرو بن الجموح الذي عذره الله بعرجه، أبى إلا أن يشهد المشاهد، وحين أراد بنوه حبسه شفقةً عليه، تضرع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: "إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة"، فكان له ما أراد، وقُتل شهيدًا هو وابن أخيه ومولى له، فجُمعوا في قبر واحد، كرامةً لصدقه [أنظر: أحمد المسند (٢٢٥٥٣) - ابن المبارك: الجهاد، الدار التونسية – تونس،١٩٧٢م، ص٦٩ وما بعدها].

يدل هذا الخبر على أن الرخصة لا تمنع العزيمة، وأن من عذره الله في التخلف يجوز له الخروج طلبًا للفضل، وفي ذلك برهان على شجاعةٍ منقطعة النظير ورغبةٍ صادقة في نيل الكرامة الإلهية.

الإسلام يَهدم ما قبله

إنَّ المتأمل في شخوص أُحد يرى عجبًا؛ يرى كيف يخرجُ من صُلب المِحنة مَن سيكونون غدًا أوتادًا للمِنحة، إنها دعوةٌ لكل مصلح ألا يقطع الرجاء في القلوب، فخالقُ القلوب أعلمُ بمفاتيحها، والهدايةُ سرٌّ مكنون يظهرُ في وقته المعلوم، ومن هؤلاء الذين غشيتهم أنوار الهداية:

  • خالد بن الوليد: الذي أدار رحى الدائرة على المسلمين في (أُحد)، فشرح الله صدره للإسلام، وبعدها لم يقف الكرمُ المحمدي عند مَسحِ الماضي فحسب، بل أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يخلعَ على خالدٍ خِلعةً تليقُ بمقامه الجديد، فخلعَ عليه وسامًا من أعلى أوسمةِ السماء، ولقبًا من أزكى ألقابِ المجد، فناداه بـ «نعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليدِ؛ سيفٌ من سيوفِ اللهِ» [الترمذي، السنن (٣٨٤٦)].
  • أبو سفيان بن حرب: الذي وقف في (أُحد) ينادي بـ (اعلُ هُبل)، هو نفسه الذي وقف في الفتح منكسرًا مسبحًا بـ "لا إله إلا الله".
  • وحشي بن حرب: الذي فطر قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل سيد الشهداء حمزة، صار هو نفسه الذي نصر الإسلام بقتل مدعي النبوة مسيلمة الكذاب، قتلت يداه كما يقول: " فقد قتَلتُ خيرَ النَّاسِ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقتَلتُ شَرَّ النَّاسِ" [البخاري: الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب قتل حمزة رضي الله عنه، رقم (٤٠٧٢)].

أدب العتاب الإلهي ومعالجة الأخطاء

إنَّ القاعدة القرآنية الخالدة تُقرر أنَّ القوة ليست في العدد ولا في العُدد، بل في وحدة الكلمة، وفي أُحد، رأينا كيف تحول النصرُ هزيمةً حين دَبَّ النزاعُ في صفوف الرماة؛ فالتنازعُ هو الآكلةُ التي تأكلُ ريح النصر: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ رِیحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [الأنفال: ٤٦].

كما تجلى رفق القرآن في محاسبة المنكسر في أُحد حين قال: ﴿وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، بخلاف حزمه مع المنتصر في بدر، هذا المنهج يعلم المربين الاحتواء وقت الأزمات والضبط وقت النجاح.

وفاءُ الجماد لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم

لقد أراد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن يكسر حدة الأيام الصعبة، وأن يربط القلوب بمواطن العزة؛ فالتفت إلى أُحد الذي سالت عند سفوحه دماء الصفوة ليقول للدنيا: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه»، [مسلم: صحيح مسلم (١٣٩٢)] إنها تربيةٌ نبويةٌ تقضي على التشاؤم بالمكان، وتغرس في الوجدان أن الوفاء قد يكون حتى للجمادات التي شهدت الصمود والثبات.

ذهب المحققون من أهل العلم إلى أنَّ هذا الحب ليس مجازًا، بل هو حبٌ حقيقيٌ أودعه الله في كِيان هذا الجبل [انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، ١٣٧٩هـ، ج٧، ص٤٣٧].

حيث إن الجبال تسبح وتخشع، وأُحدٌ لم يكن استثناءً، بل زاد على ذلك بكونه قطعةً من نعيم الآخرة أُنزلت في الدنيا، ويظهر هذا حين اهتز الجبلُ تحت أقدام النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه، كان اهتزاز طربٍ وشوق، فخاطبه النبي - صلى الله عليه وسلم - مخاطبة العاقل الموقن: «اثبت أُحُدُ فإنَّما عليكَ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشَهيدانِ» [البخاري: الصحيح برقم (٣٦٧٥)].

وتلمّس الإمام السهيلي وجهًا بليغًا في محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الجبل، وهو فألُ الاسم (أُحد) مشتق من الأحدية، وفي حركات حروفه (الضم) إشارةٌ إلى الرفعة والعلو، فكأنَّ الجبل باسمه ورسمه ينطق بتوحيد الله ورفعة دينه، وهو ما يوافق هوى القلب المحمدي الشريف [السهيلي: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ١٤١٢هـ، ط١، ج٣، ص٢١٠].

وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُبين أن الهزيمة والنصر ليسا لصيقين بالمكان، وإنما هما بتقدير الله واختبارٍ للنفوس، فالمكان طاهرٌ محبوب، والزمان مبارك، وما أصاب المسلمين إنما هو من عند أنفسهم ليتمحصوا.

خوارق العادات

ظهر من الكرامات وخوارق العادات والتأييد في يوم أحد عدة أمور منها:

عسيب النخل تتحول لسيف: لم تكن أُحد معركة سيوف فحسب، بل كانت مشهدًا لظهور الآيات؛ من انقلاب عسيب النخل سيفًا في يد ابن جحش، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي: أخبرنا أشياخنا أن عبد الله بن جحش جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، يوم أحد، وقد ذهب سيفه فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عسيبًا من نخل، فرجع في يد عبد الله سيفًا" [أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم (٢٠٥٣٩)].

قال الزبير بن بكار في " الموفقيات ": يقال: إن قائمته منه، وكان يسمى العرجون، ولم يزل يتناقل حتى بيع من بغَا التركي بمائتي دينار [الزبير بن بكار: الأخبار الموفقيات، دار عالم الكتب، ١٩٩٦هـ، ص٢٩٣]

رد عين قتادة: إنّ ما جرى لسيدنا قتادة بن النعمان رضي الله عنه يوم أُحد هو برهانٌ ساطع على أن الجوارح إذا افتدت الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، تولى اللهُ جبر كسرها بيده الشريفة، فحين سقطت عينه على وجنته حتى سالت في سبيل الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يهرع إلى طبيبٍ يداويها، بل هرع إلى أصل الدواء ومعدن الشفاء - صلى الله عليه وسلم - فأمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - العين بيده المباركة وردها إلى موضعها، ثم دعا له، فكانت المعجزة الخالدة؛ أن عادت أحسن عينيه، وأحدّهما نظرًا، بل وأسلمهما من الأدواء؛ فكانت لا تَرمدُ أبداً إذا رمدت أختها، وظلت آيةً باقية تنطق ببركة تلك الكف الشريفة.

ولم ينسَ الزمان هذا الفضل، حتى جاء ولده عاصم بن قتادة ليدخل على الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فيعرف بنفسه بهذا المجد الأثيل، منشدًا بيتين صارا سيرًا في الآفاق:

أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * * * فردت بكف المصطفى أحسن الرد

فعادت كما كانت لأول أمرها * * * فيا حسنها عينًا ويا حسن ما خد

حين سمع عمر بن عبد العزيز - وهو الفقيه العارف - هذا النسب الشريف، لم يجد أبلغ من قول الشاعر الفرزدق ليعبر عن جلال هذا المكرمة، مؤكدًا أن المجد الحقيقي هو الاتصال بالأنوار النبوية، لا مجرد المفاخر الدنيوية الزائلة فقال: [القسطلاني: المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، المكتبة التوفيقية - القاهرة، ج٢، ص ١١١]

تِلكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ * * * شِيبا بِمَاءٍ فَعادا بَعْدُ أَبْوالا

هنا يظهر دقة استشهاد عمر بن عبد العزيز بهذا البيت في محضر ابن سيدنا قتادة؛ فالفرزدق كان يهجو به من يفتخر بأمور زائلة (كتقديم اللبن للضيوف وهو فعل كريم لكنه ينتهي) مقارنةً بالأمجاد الباقية.

وكأن عمر بن عبد العزيز يقول: "إنَّ مَفخرتكم يا آل قتادة بأنَّ عين أبيكم رُدَّت بكفِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هي المجدُ الباقي والكرامةُ الحقيقية التي لا تزول بمرور الأيام، وليست كمفاخر الدنيا التي تذهب كما يذهب اللبن الممزوج بالماء [أنظر: الخطيب التبريزي: شرح ديوان الفرزدق، دار الكتاب العربي - بيروت، ١٩٨٧هـ، ط١، ج٢، ص ١٤٢ - ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية، ١٩٩٠هـ، ط١، ج٣، ص١٠].

تنقية الصفوف من المتخاذلين

إن رجوع ابن أبيّ بثلث الجيش لم يكن خسارة عددية، بل كان تنقيةً نوعية، فالمجتمعات لا تبنى بالأرقام الجوفاء، بل بالقلوب المخلصة، والقرآن قد خلد هذا الدرس ليكون المسلمون على حذر من "الخشب المسندة" في كل زمان ومكان، حيث جاء من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه – قال: "لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم،  فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمۡ فِی ٱلۡمُنَٰفِقِینَ فِئَتَیۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوۤا۟﴾ [النساء: ٨٨]، وقال: «إنها طيْبَةٌ تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الفضة» [البخاري: الصحيح في المغازي باب غزوة أحد رقم: ٤٠٥٠].

الخلاصة

إنَّ غزوة أُحد تُعلمنا أنَّ العبرة بصدق الإقبال لا بثقل الماضي، فالعين التي فُقِئت عادت باليد المحمدية أجمل، والعدو الذي بالأمس صار اليوم سيفًا مسلولًا، ليبقى الدينُ منصورًا بالقلوب التي اصطفاها الله لا بالأرقام الجوفاء.

موضوعات ذات صلة

تشكل غزوة أحد محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة

غزوة أحد كانت معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، حيث واجه المسلمون تحديات كبيرة تحت قيادة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم-

خطبة منزلة الشهيد

يعد سيف الله المسلول خالد بن الوليد نموذجًا فذًا للقائد الذي جمع بين العبقرية العسكرية والإخلاص المطلق لله ولرسوله.

 في الحادي عشر من شوال من العام الثالث للهجرة، استشهد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه