اتفق الفقهاء على أن أشهر الحج تبدأ من
غُرَّةِ شوال، لكنهم اختلفوا في تحديد نهايته على التفصيل التالي:
القول الأول لجمهور الفقهاء:
ذهب الأئمة الثلاثة؛ أبو حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله وأصحابهم إلى أن وقت الإحرام
بالحج شهر شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين
ومن بعدهم. [الهداية ٢ / ٢٢٠، رد المحتار ٢ /
٢٠٦، ٢٠٧، نهاية المحتاج ٢ / ٣٨٧، المغني والشرح الكبير ٣ / ٢٩٥، مطالب أولي
النهى ٢ / ٣٠١].
القول الثاني للسادة لمالكية:
ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن وقت الحج شهر شوال وذي القعدة وشهر
ذي الحجة إلى آخره [مواهب الجليل في شرح مختصر
خليل (٣/ ١٦)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢/ ٢١)].
توجيه الخلاف:
ليس المراد عند المالكية أن جميع هذا الزمن يجوز فيه ابتداء الإحرام؛ بل المراد أن الميقات الزماني ينقسم إلى قسمين:
أ) قسم لـ "جواز ابتداء الإحرام" وهو من شوال إلى طلوع فجر يوم النحر،
ب) وقسم لـ "جواز التحلل" وهو من فجر يوم النحر إلى آخر شهر ذي الحجة.
الأدلة ومناقشتها:
الأصل للفريقين قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ
أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا
فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ولكنهم اختلفوا في وجه الدلالة:
أدلة الجمهور:
فسروا الآية بأن المراد شهران وبعض الثالث، لأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة، ومستبعد أن يُوضع لأداء ركن عبادة وقتٌ ليس وقتها ولا هو منه [فتح القدير ٢ / ٣٢١]. وبعض الشهر يتنزل منزلة كله [تفسير القرطبي ٢ / ٤٠٥]. وقد روي ذلك عن العبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير رضي الله عنهم. كما يدل لهم أن أركان الحج تؤدى خلال تلك الفترة.
أدلة المالكية:
استدلوا بظاهر الآية، لأنها عبرت بالجمع "أشهر"، وأقل الجمع في اللغة ثلاثة، فلا بد من دخول شهر ذي الحجة بكماله.
وتظهر ثمرة الخلاف في أن من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة فلا دم
عليه عندهم، يقول الحطاب عن الإمام مالك: "فيمن أخر الإفاضة وطاف بعد أن ذهبت
أيام منى إن قرب فلا شيء عليه، وإن تطاول فعليه الدم، وقد اختلف قوله: في معنى قول
الله: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ﴾ فقال مرة: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وقال مرة: ذو
الحجة كله، فعلى هذا لا يكون عليه هدي إلا أن يؤخر الحلاق والإفاضة حتى يخرج ذو
الحجة". [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٣/ ١٦)].