تواترت
النصوص في إثبات الفضل العظيم لكلتا الشعيرتين، مع تميز الحج بثواب تكفير الذنوب
الجذرية وارتباطه بالجنة كجزاء حصري.
التطهير
الشامل للذنوب: عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَن حجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ
يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [البخاري (١٥٢١)].
قال
الحافظ ابن حجر العسقلاني: "ظاهره غفران الكبائر والصغائر والتبعات،،، قال
الطيبي: الفاء في قوله: فلم يرفث معطوف على الشرط، وجوابه رجع؛ أي صار، والجار
والمجرور خبر له، ويجوز أن يكون حالا؛ أي صار مشابها لنفسه في البراءة عن الذنوب
في يوم ولدته أمه " [فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر(٣ /٣٨٣)].
(رجع
كيوم ولدته أمه) أي: بغير ذنب، وظاهره غفرت الصغائر والكبائر حتَّى التبعات، وهو
مصرح به في حديث آخر، فيكون ذلك من خصائص الحج [السيوطي، التوشيح شرح الجامع
الصحيح (٣ /١٢١٨)].
استحقاق
الجنة: عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
قَالَ: «وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» [البخاري (١٧٧٣)، مسلم (١٣٤٩)].
وَأَمَّا قَوْلُهُ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ
فَهُوَ الْحَجُّ الْمُتَقَبَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [ابن عبد البر، الاستذكار(٤ /١٠٤)].
عَنِ النَّخَعِيِّ قَوْلُهُ - صلى
الله عليه وسلم - «وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا
الْجَنَّةَ» الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ أَنَّ الْمَبْرُورَ هُوَ الَّذِي يُخَالِطُهُ
إِثْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ وَقِيلَ هُوَ الْمَقْبُولُ
وَمِنْ عَلَامَةِ الْقَبُولِ أَنْ يَرْجِعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ وَلَا يُعَاوِدَ
الْمَعَاصِي وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا رِيَاءَ فِيهِ وَقِيلَ الَّذِي لَا
يُعْقِبُهُ مَعْصِيَةٌ وَهُمَا دَاخِلَانِ فِيمَا قَبْلَهُمَا وَمَعْنَى لَيْسَ
لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ لِصَاحِبِهِ مِنَ الْجَزَاءِ
عَلَى تَكْفِيرِ بَعْضِ ذُنُوبِهِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ [لنووي، المنهاج شرح
صحيح مسلم (٩ /١١٨)].
قَوْله:
(وَالْحج المبرور)، المبرور من: بره إِذا أحسن إِلَيْهِ ثمَّ قيل: بر الله عمله،
إِذا قبله كَأَنَّهُ أحسن إِلَى عمله بِأَن قبله وَلم يردهُ، وَاخْتلفُوا فِي
المُرَاد بِالْحَجِّ المبرور، فَقيل: هُوَ الَّذِي لَا يخالطه شَيْء من مأثم،
وَقيل: هُوَ المتقبل، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا رِيَاء فِيهِ وَلَا سمعة وَلَا رفث
وَلَا فسوق، وَقيل: الَّذِي لم يتعقبه مَعْصِيّة [بدر الدين العيني، عمدة القاري
شرح صحيح البخاري (١٠ /١٠٩)]
الكفارة
المستمرة: قال ﷺ: «الْعُمْرَةُ
إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» [البخاري (١٧٨٢)، مسلم، (١٣٤٩)، ابن ماجه (٢٨٨٨)]
قال
الإمام ابن بطال: "وقوله: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» يريد ما
اجتنبت الكبائر" [شرح صحيح البخاري، لابن بطال، (٤ /٤٣٥)].
قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا حَدِيثٌ
مُسْنَدٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ فِيهِ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ
لِمَا بَيْنَهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِ الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ
لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبْتِ الْكَبَائِرُ [ابن عبد البر، الاستذكار (٤ /١٠٤)].
وقوله: "
العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ": بيّن المعنى في تكفير السيئات
بفعلها، وقيل: يحتمل أن يكون بمعنى، وفيه حض على تكرارها، واستدل به بعضهم على
جواز العمرة في السنة مرارًا [القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤ /٤٦١)].
واستشكل
بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر فماذا تكفر العمرة؟ والجواب أن
تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد، فتغايرا من هذه
الحيثية [ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٣ /٥٩٨)].
عن ابن
عباس أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ
فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً» [مسلم (١٢٥٦)].
وفي موطأ
الامام مالك رضي الله عنه : «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله
عليه وسلم - فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ لِلْحَجِّ وَأَرَدْتُهُ،
فَاعْتَرَضَ لِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
«اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحَجَّةٍ» [موطأ مالك (٤٥٠)].
وفي صحيح
ابن خزيمة رحمه الله: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «أَرَادَ
رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْحَجَّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ
لِزَوْجِهَا حُجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: مَا
عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ،،،،، قَالَ: «أَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلَامَ
وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي عُمْرَةٌ فِي
رَمَضَانَ» [صحيح ابن
خزيمة (٣٠٧٧)].
عَنْ
جَابِرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:
«عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» [أحمد (١٤٨٨٢)].
قوله:
(فإن عمرة فيه كحجة) يدل أن الحج الذى ندبها إليه كان تطوعًا؛ لإجماع الأمة أن
العمرة لا تجزئ من حجة الفريضة، فأمرها بذلك على الندب لا على الإيجاب، وقوله:
(كحجة) يريد في الثواب، والفضائلُ لا تدرك بقياس، والله يؤتى فضله من يشاء [ابن
بطال، شرح صحيح البخاري (٤ /٤٣٨)].
قال ابن عبد البر: "وَأَمَّا
قَوْلُهُ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
فِي التَّطَوُّعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالثَّوَابُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ
سَوَاءٌ وَاللَّهُ يُوَفِّي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالْفَضَائِلُ مَا تُدْرَكُ
بِقِيَاسٍ وَإِنَّمَا فِيهَا مَا جَاءَ فِي النَّصِّ [ابن عبد البر، الاستذكار(٤ /١٠٦)].
ويقول
ابن الجوزي :"الْمَعْنى: تفي بهَا وَتقوم مقَامهَا، وَفِي لفظ: " تعدل
حجَّة " وَقد بَينا أَن ثَوَاب الْأَعْمَال يزِيد بِزِيَادَة شرف الْوَقْت،
أَو خلوص الْقَصْد، أَو حُضُور قلب الْعَامِل، وَقد ذكرنَا عَن الزُّهْرِيّ أَنه
قَالَ: تَسْبِيحَة فِي رَمَضَان خير من سبعين فِي غَيره" [أبو الفرج بن
الجوزي، كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢ /٣٥٢)].
"وإنما
عَظُمَ أجر العمرة في رمضان لحرمة الشهر، ولشدة النصَب، والمشقة اللاحقة من عمل
العُمرة في الصوم، وقد أشار إلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة -
وقد أمرها بالعُمرة -: «إنها
على قدر نَصَبك - أو قال -: نفقتك» ، والله تعالى أعلم" [أبو
العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣ /٣٧٠)].