Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مناسك الحج منذ بناء الكعبة إلى حجة الوداع

الكاتب

هيئة التحرير

مناسك الحج منذ بناء الكعبة إلى حجة الوداع

كيف بدأت رحلة الحج منذ نداء إبراهيم عليه السلام؟ وكيف تحولت من شعيرة مُحرّفة إلى عبادة مكتملة في حجة الوداع؟

يعتبر الحج النداء الإلهي الخالد الذي صدح به سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، ليتشكل به الركن الأعظم، إن تتبع رحلة هذا النداء عبر العصور يكشف تاريخًا طويلًا من الصراع بين أصالة التوحيد وتحريفات الجاهلية، وكيف أعاد خاتم الأنبياء سيدنا محمد - ﷺ- صياغة المناسك لتُشرق الأرض بتمام الملة.

كيف تم بناء الكعبة المشرفة على يد إبراهيم عليه السلام؟

تبدأ قصة الحج بامتثال سيدنا إبراهيم عليه السلام لأمر ربه بالتوجه إلى وادٍ غير ذي زرع في مكة، وترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل هناك، وبعد سنوات، عاد إبراهيم ليؤدي المهمة العظمى: رفع قواعد البيت الحرام.

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ یَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِیمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَیۡتِ وَإِسۡمَٰعِیلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].

فقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ یَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِیمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَیۡتِ﴾، يعني: يبني إبراهيم القواعد، يعني: أساس البيت، أي: الكعبة، والقواعد جماعة، واحدها قاعدة، ﴿وَإِسْماعِيلَ﴾، يعني إِسماعيل يعينه، قال مقاتل: وفي الآية تقديم وتأخير، معناه وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، ويقال: إن إبراهيم كان يبني البيت وإسماعيل يعينه، والملائكة يناولون الحجر من إسماعيل، وكانوا ينقلون الحجر من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتاء، والجودي، ولبنان، وحراء، فلما فرغا من البناء، قالا: ﴿رَبَّنا ‌تَقَبَّلْ ‌مِنَّا﴾ يعني أعمالنا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، أي: السميع لدعائنا بنياتنا.

وفي الآية دليل: أن الإنسان إذا عمل خيرًا ينبغي أن يدعو الله بالقبول، ويقال: ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل،؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] [السمرقندي، بحر العلوم (١/٩٣)].

أورد الإمام ابن كثير في تفسيره لآية "رفع القواعد" تفصيلًا مهمًّا عن بناء البيت، حيث قال: "عن ابن عباس، قال: فقال: يا إسماعيل، إن ربك عز وجل أمرني أن أبني له بيتًا، فقال: أطع ربك عز وجل، قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل- أو كما قال- قال: فقام، فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾، قال: حتى ارتفع البناء، وضَعُف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾" [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (١/٣٠٦)].

ويقول جل وعلا مبينًا أمر تحديد مكان البيت: ﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا إِبۡرَٰهِیمُ مَكَانَ ٱلۡبَیۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِی شَیۡءࣰا وَطَهِّرۡ بَیۡتِیَ لِلطَّاۤئِفِینَ وَٱلۡقَاۤئِمِینَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].

هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله، وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته، وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله [ابن كثير، تفسير القران العظيم (٥/٣٦٣)].

كما ثبت في الصحيح، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رضي الله عنه، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ‌أَيُّ ‌مَسْجِدٍ ‌وُضِعَ ‌أَوَّلَُ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ: أَرْبَعُونَ، ثُمَّ قَالَ: حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ» [البخاري (٣٤٢٥)].

وفي الحديث الطويل الذي رواه ابن عباس، رضي الله عنهما، في قصة بناء الكعبة، قال رسول الله ﷺ: «ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ، تَحْتَ دَوْحَةٍ، قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾» [البخاري (٣٣٦٤)].

وهذا من جملة بركاتها، وأثر دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قوله: (والنبل) هو السهام العربية، ولفظ "ما" على حالها، متعلق بقوله: "أبني" وهو الحجر المشهور الذي بمقام إبراهيم صلوات الرحمن وسلامه عليه [الكرماني، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/٢٤)].

ما قصة الأذان في الناس بالحج؟

بعد أن أتم سيدنا إبراهيم وولده سيدنا إسماعيل عليهما السلام بناء الكعبة، أمره الله تعالى أن يدعو الناس من كل بقاع الأرض؛ لحج هذا البيت، كان الموقف مهيبًا؛ فكيف يبلغ صوت الخليل إبراهيم في وادٍ خالٍ أقاصي الأرض؟

يقول الله عزوجل: ﴿وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیقࣲ﴾ [الحج: ٢٧].

وعن السُّدِّىِّ، قال: "لمَّا فرَغ إبراهيمُ وإسماعيلُ مِن بنيانِ البيتِ أمَره اللهُ أن يُنادي، فقال: ﴿‌وَأَذِّنْ ‌فِي ‌النَّاسِ ‌بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، فنادَى بينَ أَخْشَبَيْ مكةَ: يا أيُّها الناسُ، إن اللهَ يأمرُكم أن تَحُجُّوا بيتَه، قال: فوقَرت في قلبِ كلِّ مؤمنٍ، فأجابه كلُّ شيءٍ سمِعه مِن جبلٍ أو شجرٍ أو دابَّةٍ: لبَّيْكَ لبَّيْك، فأجابوه بالتلبيةِ: لبَّيك اللهمَّ لبَّيْك" [الطبري، جامع البيان (٢/ ٥٦٧)].

وقال الإمام البغوي: "﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِأَيْ: أَعْلِمْ وَنَادِ فِي النَّاسِ، ﴿بِالْحَجِّ﴾ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ الْأَذَانُ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْمَقَامِ, فَارْتَفَعَ الْمَقَامُ حَتَّى صَارَ كَأَطْوَلِ الْجِبَالِ، فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا, وَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ بَنَى بَيْتًا، وَكَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ، فَأَجِيبُوا رَبَّكُمْ"، فَأَجَابَهُ كُلُّ مَنْ كَانَ يَحُجُّ مِنْ أَصْلَابِ الْآبَاءِ، وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ؛ فَهمْ أَكْثَرُ النَّاسِ حَجًّا.

وَرُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَعِدَ أَبَا قُبَيْسٍ وَنَادَى، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنِيَ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَهْلَ الْقِبْلَةِ، وَزَعَمَ الْحَسَنُ أَنَّ قَوْلَهُ: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ" كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهَذَا التَّأْذِينِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أُمِرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ" [البغوي، معالم التنزيل (٥/ ٣٧٨)].

وقال الإمام الرازي في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾: " فِيهِ مَسَائِلُ:

المسألة الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (وَآذِنْ) بِمَعْنَى أَعْلِمْ.

المسألة الثَّانِيَةُ: فِي الْمَأْمُورِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا): وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ هُوَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام، قَالُوا: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) ، قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ الْأَذَانُ، وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ؛ فَصَعِدَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام الصَّفَا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَبَا قُبَيْسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: عَلَى الْمَقَامِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ جِبْرِيلُ عليه السلام: قُلْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لَبَّى، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ صَعِدَ الصَّفَا، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَيْكُمْ حَجَّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَمَا بَقِيَ شَيْءٌ سَمِعَ صَوْتَهُ إِلَّا أَقْبَلَ يُلَبِّي، يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّ اللَّه يَدْعُوكُمْ إِلَى حَجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، لِيُثِيبَكُمْ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيُخْرِجَكُمْ مِنَ النَّارِ، فَأَجَابَهُ يَوْمَئِذٍ مَنْ كَانَ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، وَكُلُّ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ صَوْتُهُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ وَمَدَرٍ وَأَكَمَةٍ أَوْ تُرَابٍ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَا حَجَّ إِنْسَانٌ وَلَا يَحُجُّ أَحَدٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا وَقَدْ أَسْمَعَهُ ذَلِكَ النِّدَاءَ، فَمَنْ أَجَابَ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً، وَمَنْ أَجَابَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَالْحَجُّ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بِالْأَذَانِ تَوَاضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ، وَخَفَضَتْ وَارْتَفَعَتْ لَهُ الْقُرَى" [الرازي، مفاتيح الغيب (٢٣/ ٢٢٠)].

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَتِ التَّلْبِيَةُ؟ قُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَتْ؟ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، خَفَضَتْ لَهُ الْجِبَالُ رُؤوسَهَا، وَرُفِعَتْ لَهُ الْقُرَى، ‌فَأَذَّنَ ‌فِي ‌النَّاسِ ‌بِالْحَجِّ» [أحمد (٢٧٠٧)].

وعن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- في قَولِه: ﴿‌وَأَذِّنْ ‌فِي ‌النَّاسِ ‌بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، قال: «لما أمَرَ اللَّهُ عز وجل إبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بالحَجِّ قال: يا أَيُّها النّاسُ، إنَّ رَبَّكُمُ اتَخَذَ بَيتًا، وأمَرَكُم أن تَحُجّوه، فاستَجابَ له ما سَمِعَه مِن حَجَرٍ، أو شَجَرٍ، أو أكَمَةٍ، أو تُرابٍ، أو شيء، فقالوا: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ» [البيهقي، السنن الكبرى (٩٩٢٠)].

أذّن إبراهيم- عليه السلام- بالحج ونادى، وأسمع الله نداءه جميع الذرية في أصلاب آبائهم، فاستجاب مَن المعلوم مِن حاله أنه يحج، وقدّم الرَّجالة على الركبان؛ لأنّ الحمل على المركوب أكثر.

ولتلك الجِمال على الجمال خصوصية؛ لأنها مركب الأحباب، وفي قريب من معناه أنشدوا:

وإنّ جِمالًا قد علاها جَمَالكم * * * وإن قُطّعتْ أكبادنا- لحبائب

ويقال: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ هذا على وجه المدح وسبيل الشكر منهم.

وكم قدر مسافة الدنيا بجملتها!؟ ولكن لأجل قدر أفعالهم وتعظيم صنيعهم، يقول ذلك إظهارًا لفضله وكرمه [القشيري، لطائف الإشارات (٢/ ٥٣٩)].

وكان سيدنا إبراهيم -عليه السلام- أول من لبَّى، فقد أخرج عبد بن حميد، عَن مُجَاهِد، قَالَ: قيل لإِبْرَاهِيم: ﴿‌وَأذن ‌فِي ‌النَّاس ‌بِالْحَجِّ﴾ قَالَ: يَا رب، كَيفَ أَقُول؟ قَالَ: قل: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، فَكَانَ إِبْرَاهِيم أولَ من لبّى [السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦ /٣٤)].

كيف تحرفت مناسك الحج في الجاهلية؟

استمر العرب على دين إبراهيم (الحنيفية) يعظمون البيت ويحجونه، لكن مع مرور الزمن، دخل التحريف والشرك على يد "عمرو بن لُحيّ الخزاعي"، فقد اتفقت الاحاديث الصحيحة ونصوص العلماء على أن العرب من بعد سيدنا إبراهيم عليه السلام، كلهم على دينه، لم يكفر منهم أحد قط، ولم يعبد صنمًا إلى عهد ‌عمرو ‌بن ‌لحىّ ‌الخزاعي، فإنه أوّل من غير دين إبراهيم عليه السلام، وعبد الأصنام، وسيب السوائب [الدياربكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (١ /٢٣٦)].

  • جلب الأصنام من الشام إلي مكة:

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: "أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ- وَهُمْ وَلَدُ عِمْلَاقٍ، وَيُقَالُ: عِمْلِيقُ بْنُ لَاوِذْ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ- رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا، فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا، ونَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَفَلَا تُعْطُونَنِي مِنْهَا صَنَمًا، فَأَسِيرَ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، فَيَعْبُدُوهُ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا، يُقَالُ لَهُ: هُبَلُ، فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، فَنَصَبَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ" [ابن هشام، السيرة النبوية (١ /٧٧)].

وَكَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيّ حِينَ ‌غَلَبَتْ ‌خُزَاعَةُ ‌عَلَى ‌الْبَيْتِ، ‌وَنَفَتْ ‌جُرْهُم عَنْ مَكّةَ، قَدْ جَعَلَتْهُ الْعَرَبُ رَبّا لَا يَبْتَدِعُ لَهُمْ بِدْعَةً إلّا اتّخَذُوهَا شِرْعَةً؛ لِأَنّهُ كَانَ يُطْعِمُ النّاسَ، وَيَكْسُو فِي الْمَوْسِمِ، فَرُبّمَا نَحَرَ فِي الْمَوْسِمِ عَشَرَةَ آلَافِ بَدَنَةٍ، وَكَسَا عَشَرَةَ آلَافِ حُلّةٍ، حَتّى [قِيلَ]: إنّهُ اللّاتّ الّذِي يَلُتّ السّوِيقَ لِلْحَجِيجِ عَلَى صَخْرَةٍ مَعْرُوفَةٍ تُسَمّى: صَخْرَةَ اللّاتِ، وَيُقَالُ: إنّ الّذِي يَلُتُّ كَانَ مِنْ ثَقِيفٍ، فَلَمّا مَاتَ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إنّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ دَخَلَ فِي الصّخْرَةِ ثُمّ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهَا، وَأَنْ يَبْنُوا عَلَيْهَا بَيْتًا يُسَمّى: اللّات، وَيُقَالُ: دَامَ أَمْرُهُ وَأَمَر وَلَده عَلَى هَذَا بِمَكّةَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمّا هَلَكَ سُمّيَتْ تِلْكَ الصّخْرَةُ: اللّات مُخَفّفَةَ التّاءِ، وَاُتّخِذَ صَنَمًا يُعْبَدُ [السهيلي، الروض الأنف (١ /٢١١)].

وقال أَبو هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ ‌قُصْبَهُ ‌فِي ‌النَّارِ، ‌كَانَ ‌أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» [البخاري (٤٦٢٣)].

وعن أم المؤمنين عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ، وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» [البخاري (٤٦٢٤)].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ‌يَقُولُ ‌لِأَكْثَمَ ‌بْنِ ‌الْجَوْنِ: «إِنِّي رَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ‌‌ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَوَّلَ مَنْ حَمَى الْحِمَى، وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَنَصَبَ الْأَصْنَامَ، وَغَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، هَلْ يَضُرُّنِي ذَلِكَ شَيْء؟ قَالَ: «لَا، إِنَّكُ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ» [الأوائل لابن أبي عاصم (٨٣)].

وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي ‌لَأَعْرِفُ ‌أَوَّلَ ‌مَنْ ‌سَيَّبَ ‌السَّوَائِبَ، وَأَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ»، قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «عَمْرُو بْنُ لُحَيٍ، أَحَدُ بَنِي كَعْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ يُؤْذِي رِيحُهُ أَهْلَ النَّارِ، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ أَوَّلَ مَنْ بَحَرَ الْبَحَائِرَ» قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ، فَجَدَّعَ آذَانَهُمَا وَحَرَّمَ أَلْبَانَهُمَا، ثُمَّ شَرِبَ أَلْبَانَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ هو وَهُمَا فِي النَّارِ تعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا، وَتخبطِانِهِ بِأَخْفَافِهِمَا» [تفسير عبدالرزاق (٢/٣٢/٧٥١)].

حتى ابتعث الله سيدنا محمدًا ﷺ ليطهرها ويعيدها لسيرتها الأولى.

  • تحريفات الجاهلية لمناسك الحج:
  • تغيير التلبية وإدخال الشرك:

كانت تلبية سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام خالصة التوحيد لله عزوجل، فأدخلوا عليها الشرك، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «‌كَانَ ‌الْمُشْرِكُونَ ‌يَقُولُونَ: ‌لَبَّيْكَ ‌لَا ‌شَرِيكَ ‌لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ [مسلم،(١١٨٥)].

فَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: (قد قد)، قَالَ الْقَاضِي: رُوِيَ بِإِسْكَانِ الدَّالِ، وَكَسْرِهَا مَعَ التنوين، ومعناه: كفاكم هَذَا الْكَلَامُ، فَاقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَزِيدُوا، وَهُنَا انْتَهَى كَلَامُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ عَادَ الرَّاوِي إِلَى حِكَايَةِ كَلَامِ الْمُشْرِكِينَ، فقال: "إلا شريكًا هُوَ لَكَ" إِلَى آخِرِهِ، مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: اقْتَصِرُوا عَلَى قَوْلِكُمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم (٨ /٩٠)].

وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيّ فِي أَخْبَارِ مَكّةَ، أن عمرو بْنَ لُحَيّ فَقَأَ أَعْيُن عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَكَانُوا يَفْقَئُونَ عَيْنَ الْفَحْلِ إذَا بَلَغَتْ الْإِبِلُ أَلْفًا، فَإِذَا بَلَغَتْ أَلْفَيْنِ فَقَئُوا الْعَيْنَ الْأُخْرَى، قَالَ الرّاجِزُ:

وَكَانَ شُكْرُ الْقَوْمِ عِنْدَ الْمِنَنِ * * * كَيّ الصّحِيحَاتِ، وَفَقْأُ الْأَعْيُنِ

وَكَانَتْ التّلْبِيَةُ مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ: لَبّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَك لَبّيْكَ، حَتّى كان عَمْرُو بْنُ لُحَيّ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُلَبّي، تَمَثّلَ لَهُ الشّيْطَانُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ يُلَبّي مَعَهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَبّيْكَ لَا شَرِيك لَك، فَقَالَ الشّيْخُ: إلّا شَرِيكًا هُوَ لَك، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عمرو، وقال: وما هَذَا؟ فَقَالَ الشّيْخُ قُلْ: تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، فَإِنّهُ لَا بَأْسَ بِهَذَا، فَقَالَهَا عَمْرٌو، فَدَانَتْ بِهَا الْعَرَبُ [السهيلي، الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام (١ /٣٥٧ )].

فَثَبَتَ أَنَّ آبَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى زَمَانِ عمرو [الْمَذْكُورِ] كُلَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِيَقِينٍ [السيوطي، الحاوي للفتاوي (٢ /٢٦١)].

  • حديث ابتداع "الحُمْس" والطواف عراة:

كما ابتدعت قريش (وكانوا يسمون أنفسهم "الحُمْس" لشدتهم في دينهم) أحكامًا طبقية في الحج، فامتنعوا عن الوقوف بعرفة مع بقية الناس، وكانوا يقفون في المزدلفة (داخل الحرم)، كما فرضوا على العرب القادمين من خارج مكة ألا يطوفوا بالثياب التي أذنبوا فيها، فمن لم يجد ثيابًا من "الحمس" طاف عريانًا!.

يقول ابن هشام في سيرته مفصلًا الحُمس عند قريش: "قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ- لَا أَدْرِي أَقَبْلَ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ- ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْسِ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ، فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ، وَوُلَاةُ الْبَيْتِ، وَقُطَّانُ مَكَّةَ وَسَاكِنُهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقِّنَا، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا، فَلَا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنْ الْحِلِّ كَمَا تُعَظِّمُونَ الْحَرَمَ، فَإِنَّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفَّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ، وَقَالُوا: قَدْ عَظَّمُوا مِنْ الْحِلِّ مِثْلَ مَا عَظَّمُوا مِنْ الْحَرَمِ، فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ، وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجِّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ - صلى الله عليه وسلم -، وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهَا، وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا نُعَظِّم غَيْرَهَا كَمَا نُعَظِّمُهَا نَحْنُ الْحُمْسُ، وَالْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمَّ جَعَلُوا لِمِنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الَّذِي لَهُمْ، بِوِلَادَتِهِمْ إيَّاهُمْ، يَحِلُّ لَهُمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ" [ابن هشام، السيرة النبوية (١ /١٩٩)].

وهذا مَا ابْتَدَعَتْهُ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ، وَالتّحَمّسُ: التّشَدّدُ، وَكَانُوا قَدْ ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ التّزَهّدِ وَالتّأَلّهِ، فَكَانَتْ نِسَاؤُهُمْ لَا يَنْسِجْنَ الشّعْرَ، وَلَا الْوَبَرَ، وَكَانُوا لَا يَسْلَئُونَ السّمْنَ، وَسَلَأَ السّمْنَ أَنْ يُطْبَخَ الزّبْدُ حَتّى يَصِيرَ سَمْنًا [السهيلي، الروض الأنف (٢ /١٨٥)].

  • ما زادته العرب في الحُمس (الطواف عراة):

كذلك زادت العرب في تحريفها وشدة جهلها أن جعلوا الطواف بالبيت عراة،قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ، إذَا جَاءُوا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَلَا يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ إذَا قَدِمُوا أَوَّلَ طَوَافِهِمْ إلَّا فِي ثِيَابِ الْحُمْسِ، فَإِنَّ لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا شَيْئًا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ تَكَرَّمَ مِنْهُمْ مُتَكَرِّمٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ ثِيَابَ الْحُمْسِ، فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ، أَلْقَاهَا إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، وَلَمْ يَمَسَّهَا هُوَ، وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ أَبَدًا [ابن هشام: السيرة النبوية (١ /٢٠٢)].

أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعًا تطرحه عليها، ثم تطوف فيه، فقالت امرأة من العرب وهي كذلك تطوف:

‌اليوم ‌يبدو ‌بعضُه ‌أو ‌كلُه * * * وما بدا منه فلا أُحله

ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها، ألقاها، فلم ينتفع بها هو ولا غيره، فقال قائل من العرب يذكر شيئًا تركه لا يقربه وهو يحبه:

كفي حزنًا كري عليه كأنه * * * لقى بين أيدي الطائفين حريم

يقول: لا يمس: فكانوا كذلك حتى بعث الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - [ابن إسحاق، السير والمغازي (١٠٢)].

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: « كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا وَتَقُولُ:

‌الْيَوْمَ ‌يَبْدُو ‌بَعْضُهُ ‌أَوْ ‌كُلُّهُ * * * فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾» [مسلم (٣٠٢٨)].

فأنزل الله- حين أحكم له دينه وشرع له حجه: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٩] - يعني قريشًا، و"الناس" العرب- فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات، والوقوف عليها، والإفاضة منها، فوضع الله أمر الحُمس- وما كانت قريش ابتدعت منه- عن الناس بالإسلام حين بعث الله رسوله [الطبري، جامع البيان (٤ /١٨٩)].

كيف أعاد الإسلام تصحيح مناسك الحج؟

في السنة العاشرة للهجرة، أعلن حبيبنا النبي ﷺ عزمه على الحج، فخرج معه أكثر من مائة ألف من الصحابة في "حجة الوداع"، في هذه الحجة أبطل سيدنا النبي ﷺ كل عادات الجاهلية، وأرسى قواعد التوحيد الخالص لله رب العالمين، وقال مقولته الشهيرة: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» [مسلم (١٢٩٧)].

وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا كَانُوا حرَّموا عَلَى النَّاسِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبُوسِهِمْ عِنْدَ الْبَيْتِ، حَيْنَ طَافُوا عُراةً، وحرَّموا مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْحِلِّ مِنْ الطَّعَامِ: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ * قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِیَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا خَالِصَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡءَایَٰتِ لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١، ٣٢]، فَوَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الحُمْس، وَمَا كَانَتْ قريش ابتدعت منه، عن النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ، حَيْنَ بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رسولَه - صلى الله عليه وسلم -.

سيدنا رسول - صلى الله عليه وسلم - يخالف الحمْس قبل الرسالة:

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرو بْنِ حَزْم، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْر بْنِ مُطْعِم، عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبير بْنِ مُطْعم، قَالَ: لَقَدْ رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ مِنْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتَّى يدفعَ مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا مِنْ اللَّهِ لَهُ، - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا كثيرًا [ابن هشام، السيرة النبوية (١/ ١٨٨)].

  • تلبيات العرب قبل الإسلام:

نذكر بعض التلبيات الواردة في كتب السير عن بطون العرب قبل الإسلام، قال ابنُ عباسٍ: كانَتْ تلبيةُ أهلِ الجاهليةِ في حَجِّهم مُخْتَلِفَةً.

  • تَلْبِيَةُ قُرَيشٍ:

لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، لبيكَ لا شريكَ لكْ، إلَاّ شريكٌ هو لَكْ، تَمْلِكُهُ وما ملكْ، أبو بناتٍ في فَدَكْ.

  • وكانتْ تَلْبِيَةُ قَيْسٍ:

لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، أَنْتَ الرحمنْ، أَتَتْكَ قيسُ عيلانْ، رِجالُها والرُّكبانْ، بشَيْخِها والولدانْ، مُذْلِلَةٌ للدَّيَّانْ.

  • وكانتْ تلبيةُ ثَقِيف:

لَبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، هذي ثَقِيفٌ قد أَتَوكا وخَلَّفُوا أوثانَهُم وعظَّموكا، قد عَظَّموا المالَ وقد رجوكا، عُزَّاهُمُ واللاتُ في يديكا، دانَتْ لكَ الأصنامُ تعظيمًا إليك، قد أَذْعَنَتْ بسّلْمِها إليك، فاغفِرْ لها فطالما غَفَرْت.

  • تَلْبِيَةُ كنانة:

لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، اليوم يومَ التعريفِ يومُ الدعاء والوقوف، وذي صَباحِ الدماءِ مِنْ شجِّها والنَّزِيف.

  • وكانَتْ تلبيةُ تَميمٍ:

لَبَّيْكَ ما نهارُنا نَجُرُّه * * * إدلاجهُ وحرُّه وقرُّه

لا نتقي شيئًا ولا نضرُّه * * * حَجًّا إليكَ مستقيمًا برُّه

  • وكانَتْ تلبيةُ بني أَسَدٍ:

لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، رَبَّنا أَقْبَلَتْ بنو أسدْ.

أهلُ الوفاءِ والنوالِ والجَلَدْ * * * فينا النَّدَى الدّري والعَدَدْ

ذو المالُ والبنون فينا والوَلَدْ * * * الواحدُ القَهَّارُ والربُّ الصَمَدْ

لا نَعْبدُ الأَصنامَ حتى تجتهد لربِّها ونَعْتَبِدْ * * * لَحجّه لها الدِّماء وحَجّها حتى تَرِدْ

  • وكانتْ تلبيةُ هُذَيْلٍ

لبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لبَّيْكَ عن هُذَيْل، قد أَدْلَجَتْ بليل، تعدو بها ركائبُ إبلٍ وخَيْل، وخَلَّفَتْ أَوْثانَها في عرض الجُبَيْل، وخَلَّفوا مَنْ يحفظُ الأصنامَ والطَّفَيْل، في جَبَلٍ كأَنَّهُ في عارِضٍ مُخِيل، تهوى إلى رَبٍّ كريمٍ ماجِدٍ جَمِيل.

  • ثُمَّ تَلْبِيَةُ مَنْ لَبَّى من ربيعةَ:

لَبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ من ربيعة، سامعةً مُطِيعة، لرَبِّ ما يُعْبَدُ في كنيسةٍ وبيعة، ورَبّ كلِّ واصلٍ أو مُظْهرٍ قطيعة.

  • وكانتْ تلبيةُ بَكْر بن وائل، من ربيعة:

لَبَّيْكَ حَقًّا حَقّا، تعبُّدًا ورِقّا، أتيناكَ للمياحة، ولم نأتِ للرَّقاحة [المياحة: العَطِيَّةُ، والرَّقاحةُ: التجارة].

  • وكانَتْ تلبيةُ اليمن:

عَدُّ إليكَ عانِيةْ * * * عِبادُكَ اليمانِيةْ

كَيْما نحجُّ ثانِيَةْ * * * على قِلاصٍ ناجِيةْ

أَتَيْناكَ للنصاحةْ * * * ولم نأتِ للرقاحةْ

  • وكانَتْ تلبيةُ حِمْيَر:

لَبَّيْكَ اللهّمَّ لَبَّيْكَ، عن الملوكِ الأَقوال، ذوي النُّهِى والأحلامْ، والواصلين الأَرْحامْ، لا يقربون الأثامْ، تنزُّهًا وإسلامْ، ذلّوا لربِّ كرَّامْ [قطرب، الأزمنة وتلبية الجاهلية، ص٣٩ وما بعدها].

  • إبطال شرك التلبية:

كانوا قبل الإسلام كما ذكرنا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فلم تزل تلك تلبيتهم حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، ولبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبية إبراهيم عليه السلام الصحيحة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فلباها المسلمون [الأزرقي، أخبار مكة (١ /٢٨٧)].

فكَانَتْ كِنَانَةُ وَقُرَيْشٌ إذَا أَهَلُّوا قَالُوا: «لَبَّيْكَ اللَّهمّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»، فَيُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُونَ مَعَهُ أَصْنَامَهُمْ، وَيَجْعَلُونَ مِلْكَهَا بِيَدِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى لِمُحَمَّدِ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا یُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، أَيْ مَا يُوَحِّدُونَنِي لِمَعْرِفَةِ حَقِّي إلَّا جَعَلُوا مَعِي شَرِيكًا مِنْ خَلْقِي [ابن هشام، السيرة النبوية (١ /٧٨)].

وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قَالَتْ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ» [البخاري (١٥٥٠)].

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: ‌لَبَّيْكَ ‌اللَّهُمَّ ‌لَبَّيْكَ، ‌لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ» [البخاري (٥٩١٥)، مسلم (١١٨٤)].

وعن شراحيل بن القعقاع أَنه قال: علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التلبية: (‌لَبَّيكَ ‌اللهمَّ ‌لبيك، ‌لبيك لا شريك لك لبيك، إِنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، فقال عمرو: لقد رأَيتُنَا منذ قريب ونحن إِذا حججنا في الجاهلية نقول:

لَبَّيكَ تَعْظِيمًا إِليكَ عُذْرًا * * * هذِي زُبَيد قَد أَتَتْكَ قَسْرَا

تَعْدُو بِها مُضَمَّرات شَزْرَا * * * يَقْطَعْنَ خَبْتًا وجِبَالًا وُعْرَا

قد تركوا الأَوثان خِلوًا صفْرا

قال: فنحن والحمد لله، نقول كما علمنا رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - [ابن الأثير، أسد الغابة ( ٤ /٢٦٢)].

وعند ابن سعد في الطبقات: فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَوْرٍ، وَكَيْفَ عَلَّمَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: «‌لَبَّيْكَ ‌اللَّهُمَّ ‌لَبَّيْكَ، ‌لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» [ابن سعد، الطبقات الكبرى (٢ /٧٥٨)].

فجاء الاسلام فأبطل كل تلبية كانت في الجاهلية، وأعاد ما كانت عليه التلبية في عهد الخليل إبراهيم عليه السلام، وجرت التلبية إلى يومنا هذا.

  • إلغاء طبقية الوقوف:

أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم -(وهو من قريش) أن يقف بعرفة مع عموم الناس، ثم يفيض منها، مُبطلًا بدعة الحمس، ونزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩].

عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، قالت: كانت قريش ومن يدين دينها، وهم الحُمس، يقضون عشية عرفة بالمزدلفة يقولون: نحن قطن البيت، وكان بقية الناس والعرب يقفون بعرفات، فأنزل الله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ فتقدموا، فوقفوا مع الناس بعرفات [ابن إسحاق، السير والمغازي، ص٩٧].

الإسلام يبطل عادات الحُمس: فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ حَيْنَ أَحْكَمَ لَهُ دِينَهُ، وَشَرَعَ لَهُ سُنَنَ حَجِّهِ: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٩] يَعْنِي قُرَيْشًا، وَالنَّاسُ: الْعَرَبُ، فَرَفَعَهُمْ فِي سُنَّةِ الْحَجِّ إلَى عَرَفَاتٍ، وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا، وَالْإِفَاضَةِ مِنْهَا" [ابن هشام، السيرة النبوية (١ /١٨٨)].

وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ، رضي الله عنها: «كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾» [البخاري (٤٥٢٠)].

ونجد جمال الإسلام في إلغاء هذه الطبقية بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٩]، الإشارة فيه: ألا تعلم نفسك بما تمتاز عن أشكالك في الظاهر، لا بلبسة، ولا بخرقة، ولا بصفة، بل تكون كواحد من الناس، وإذا خطر ببالك أنك فعلت شيئًا، أو بك، أو لك، أو معك شيء، فاستغفر الله، وجدّد إيمانك، فإنه شرك خفي خامر قلبك [القشيري، لطائف الإشارات (١ /١٦٧)].

  • تحريم الطواف عراة وإزالة الأصنام:

تحريم الطواف عراة: كان حبيبنا ومصطفانا ﷺ قد أمر في العام التاسع للهجرة سيدنا أبا بكر الصديق وسيدنا عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهما، أن يناديا في الناس: "لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان"، فعن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه، بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَلَا، ‌لَا ‌يَحُجُّ ‌بَعْدَ ‌الْعَامِ ‌مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» [البخاري (١٦٢٢)].

وفي رواية أخرى عند الامام البخاري أيضًا، عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: «بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ، فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ ‌لَا ‌يَحُجَّ ‌بَعْدَ ‌الْعَامِ ‌مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ ‌لَا ‌يَحُجَّ ‌بَعْدَ ‌الْعَامِ ‌مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» [البخاري (٤٦٥٥)].

قال المهلب: أراد عليه السلام أن ينظف له البيت من المشركين والعراة، ويكون حجه بهم عليه السلام على نظافة البيت من هاتين الطائفتين [ابن بطال، شرح صحيح البخاري (٤ /٣٠٢)].

قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَأمرنِي عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن أَطُوف فِي الْمنَازل من منى بِبَرَاءَة، فَكنت أصيح حَتَّى صَحِلَ حلقي، فَقيل لَهُ: بِمَ كنت تنادي؟ قَالَ: بِأَرْبَع: أَن لَا يدْخل الْجنَّة إلَاّ مُؤمن، وَأَن ‌لَا ‌يحجّ ‌بعد ‌الْعَام ‌مُشْرك، وَأَن لَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان، وَمن كَانَ لَهُ عهد فَلهُ أجل أَرْبَعَة أشهر، ثمَّ لَا عهد لَهُ، وَكَانَ الْمُشْركُونَ إِذا سمعُوا النداء بِبَرَاءَة يَقُولُونَ لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: سَتَرَوْنَ بعد الْأَرْبَعَة أشهر بِأَنَّهُ لَا عهد بَيْننَا وَبَين ابْن عمك إلَاّ الطعْن وَالضَّرْب، ثمَّ إِن النَّاس فِي تِلْكَ الْمدَّة رَغِبُوا فِي الْإِسْلَام، حَتَّى دخلُوا فِيهِ طَوْعًا وَكرها [بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٩ /٢٦٥)].

أما عن إزالة الأصنام: طَافَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، آخِذٌ بِزِمَامِهَا مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةِ صَنَمٍ، وَسِتّونَ صَنَمًا مُرَصّصَةٌ بِالرّصَاصِ، وَكَانَ هُبَلُ أَعْظَمَهَا، وَهُوَ وُجاهَ الْكَعْبَةِ عَلَى بَابِهَا، وَإِسَافُ وَنَائِلَةُ حَيْثُ يَنْحَرُونَ وَيَذْبَحُونَ الذّبَائِحَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كُلّمَا مَرّ بِصَنَمِ مِنْهَا يُشِيرُ بِقَضِيبِ فِي يَدِهِ، وَيَقُولُ: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا، فَيَقَعُ الصّنَمُ لِوَجْهِهِ [الواقدي، المغازي (٢ /٨٣٢)].

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه، قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾ ﴿جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا یُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا یُعِیدُ﴾» [البخاري (٤٧٢٠)].

وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾، ﴿جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا یُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا یُعِیدُ﴾» زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: يَوْمَ الْفَتْحِ [مسلم (١٧٨١)].

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: أمر الله تبارك وتعالى نبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر المشركين أن الحقّ قد جاء، وهو كلّ ما كان لله فيه رضا وطاعة، وأن الباطل قد زهق، يقول: وذهب كلّ ما كان لا رضا لله فيه ولا طاعة، مما هو له معصية وللشيطان طاعة، وذلك أن الحقّ هو كلّ ما خالف طاعة إبليس، وأن الباطل هو كلّ ما وافق طاعته، ولم يخصص الله عز ذكره بالخبر عن بعض طاعاته، ولا ذهاب بعض معاصيه، بل عمّ الخبر عن مجيء جميع الحقّ، وذهاب جميع الباطل، وبذلك جاء القرآن والتنزيل، وعلى ذلك قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الشرك بالله، أعني: على إقامة جميع الحقّ، وإبطال جميع الباطل [الطبري، جامع البيان (١٧ /٥٣٨)].

وهكذا، اكتملت الدائرة التاريخية لشعيرة الحج، فعادت إلى أصلها الذي أرساه سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، طاهرة من دنس الشرك والجاهلية، ومحكومة بالوحي الرباني والتطبيق النبوي المحمدي، لتظل منارًا للتوحيد، ومؤتمرًا سنويًّا للمسلمين إلى يوم القيامة.

سؤال وجواب

س: ما أصل فريضة الحج؟

ج: نداء سيدنا إبراهيم عليه السلام بأمر الله للناس بالحج.

س: ما أهم أركان الحج؟

ج: الإحرام، الوقوف بعرفة، الطواف، والسعي.

س: لماذا يوم عرفة مهم؟

ج: لأنه أعظم أيام الحج وفيه يغفر الله الذنوب.

س: ما معنى حجة الوداع؟

ج: هي آخر حجة للنبي ﷺ وأكمل فيها مناسك الحج.

س: كيف كان الحج قبل الإسلام؟

ج: دخلته تحريفات جاهلية حتى صححه الإسلام.

الخلاصة

الحج رحلة توحيد ممتدة عبر الزمن، بدأت بنداء إبراهيم، ومرت بتحريفات، حتى جاء الإسلام فأعادها إلى صفائها وكمالها في حجة الوداع.

موضوعات ذات صلة

رحلة إيمانية متكاملة، خطوة بخطوة لأداء المناسك بثقة وطمأنينة

استطاعت ٤٥٠ كيلومترًا أن تجمع بين معجزات النبوة وتطور العمارة الإسلامية المعاصرة لخدمة ضيوف الرحمن

عالم طريق الحج القديم من درب زبيدة إلى القلاع والآبار التي خدمت الحجاج عبر القرون

لحظة تاريخية رسمت ملامح العدالة وصانت الكرامة الإنسانية للأبد

المدينة المنورة قلب الإسلام النابض ومأْرِز الإيمان، وقد شرفها الله بأسماء عديدة وفضائل جليلة