في السنة
العاشرة للهجرة، أعلن حبيبنا النبي ﷺ عزمه على الحج، فخرج معه أكثر من مائة ألف من
الصحابة في "حجة الوداع"، في هذه الحجة أبطل سيدنا النبي ﷺ كل عادات
الجاهلية، وأرسى قواعد التوحيد الخالص لله رب العالمين، وقال مقولته الشهيرة: «لِتَأْخُذُوا
مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي
هَذِهِ» [مسلم (١٢٩٧)].
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا كَانُوا حرَّموا عَلَى النَّاسِ
مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبُوسِهِمْ عِنْدَ الْبَيْتِ، حَيْنَ طَافُوا عُراةً،
وحرَّموا مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْحِلِّ مِنْ الطَّعَامِ: ﴿یَٰبَنِیۤ
ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا
تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ *
قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ
لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِیَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟
فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا خَالِصَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ
ٱلۡءَایَٰتِ لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١، ٣٢]، فَوَضَعَ اللَّهُ
تَعَالَى أَمْرَ الحُمْس، وَمَا كَانَتْ قريش ابتدعت منه، عن النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ،
حَيْنَ بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رسولَه - صلى الله عليه وسلم -.
سيدنا رسول - صلى الله عليه وسلم - يخالف الحمْس قبل الرسالة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرو بْنِ حَزْم، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ
بْنِ جُبَيْر بْنِ مُطْعِم، عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ
جُبير بْنِ مُطْعم، قَالَ: لَقَدْ رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم
- قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى
بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ مِنْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتَّى يدفعَ
مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا مِنْ اللَّهِ لَهُ، - صلى الله عليه وسلم -
تسليمًا كثيرًا [ابن هشام، السيرة النبوية (١/ ١٨٨)].
- تلبيات العرب قبل الإسلام:
نذكر بعض التلبيات الواردة في كتب السير عن بطون العرب قبل الإسلام، قال
ابنُ عباسٍ: كانَتْ تلبيةُ أهلِ الجاهليةِ في حَجِّهم مُخْتَلِفَةً.
لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، لبيكَ لا شريكَ لكْ، إلَاّ شريكٌ هو
لَكْ، تَمْلِكُهُ وما ملكْ، أبو بناتٍ في فَدَكْ.
- وكانتْ تَلْبِيَةُ قَيْسٍ:
لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، أَنْتَ الرحمنْ، أَتَتْكَ قيسُ عيلانْ،
رِجالُها والرُّكبانْ، بشَيْخِها والولدانْ، مُذْلِلَةٌ للدَّيَّانْ.
لَبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، هذي ثَقِيفٌ قد أَتَوكا وخَلَّفُوا
أوثانَهُم وعظَّموكا، قد عَظَّموا المالَ وقد رجوكا، عُزَّاهُمُ واللاتُ في يديكا،
دانَتْ لكَ الأصنامُ تعظيمًا إليك، قد أَذْعَنَتْ بسّلْمِها إليك، فاغفِرْ لها
فطالما غَفَرْت.
لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، اليوم يومَ التعريفِ يومُ الدعاء والوقوف،
وذي صَباحِ الدماءِ مِنْ شجِّها والنَّزِيف.
لَبَّيْكَ ما نهارُنا نَجُرُّه * * * إدلاجهُ
وحرُّه وقرُّه
لا نتقي شيئًا ولا نضرُّه * * * حَجًّا إليكَ
مستقيمًا برُّه
- وكانَتْ تلبيةُ بني أَسَدٍ:
لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، رَبَّنا أَقْبَلَتْ بنو أسدْ.
أهلُ الوفاءِ والنوالِ والجَلَدْ * * * فينا النَّدَى
الدّري والعَدَدْ
ذو المالُ والبنون فينا والوَلَدْ * * * الواحدُ
القَهَّارُ والربُّ الصَمَدْ
لا نَعْبدُ الأَصنامَ حتى تجتهد لربِّها
ونَعْتَبِدْ * * * لَحجّه لها الدِّماء وحَجّها حتى تَرِدْ
لبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لبَّيْكَ عن هُذَيْل، قد أَدْلَجَتْ
بليل، تعدو بها ركائبُ إبلٍ وخَيْل، وخَلَّفَتْ أَوْثانَها في عرض الجُبَيْل،
وخَلَّفوا مَنْ يحفظُ الأصنامَ والطَّفَيْل، في جَبَلٍ كأَنَّهُ في عارِضٍ مُخِيل،
تهوى إلى رَبٍّ كريمٍ ماجِدٍ جَمِيل.
- ثُمَّ تَلْبِيَةُ مَنْ لَبَّى من ربيعةَ:
لَبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ من ربيعة، سامعةً مُطِيعة،
لرَبِّ ما يُعْبَدُ في كنيسةٍ وبيعة، ورَبّ كلِّ واصلٍ أو مُظْهرٍ قطيعة.
- وكانتْ تلبيةُ بَكْر بن وائل، من ربيعة:
لَبَّيْكَ حَقًّا حَقّا، تعبُّدًا ورِقّا، أتيناكَ للمياحة، ولم نأتِ
للرَّقاحة [المياحة: العَطِيَّةُ، والرَّقاحةُ: التجارة].
عَدُّ إليكَ عانِيةْ * * * عِبادُكَ اليمانِيةْ
كَيْما نحجُّ ثانِيَةْ * * * على قِلاصٍ ناجِيةْ
أَتَيْناكَ للنصاحةْ * * * ولم نأتِ للرقاحةْ
لَبَّيْكَ اللهّمَّ لَبَّيْكَ، عن الملوكِ الأَقوال، ذوي النُّهِى
والأحلامْ، والواصلين الأَرْحامْ، لا يقربون الأثامْ، تنزُّهًا وإسلامْ، ذلّوا
لربِّ كرَّامْ [قطرب، الأزمنة وتلبية الجاهلية، ص٣٩ وما بعدها].
كانوا قبل الإسلام كما ذكرنا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك
لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فلم تزل تلك تلبيتهم حتى جاء الله عز وجل
بالإسلام، ولبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبية إبراهيم عليه
السلام الصحيحة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك
والملك، لا شريك لك، فلباها المسلمون [الأزرقي، أخبار مكة (١ /٢٨٧)].
فكَانَتْ كِنَانَةُ وَقُرَيْشٌ إذَا أَهَلُّوا قَالُوا: «لَبَّيْكَ
اللَّهمّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ،
تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»، فَيُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُونَ
مَعَهُ أَصْنَامَهُمْ، وَيَجْعَلُونَ مِلْكَهَا بِيَدِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تبارك
وتعالى لِمُحَمَّدِ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا
یُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، أَيْ مَا
يُوَحِّدُونَنِي لِمَعْرِفَةِ حَقِّي إلَّا جَعَلُوا مَعِي شَرِيكًا مِنْ خَلْقِي
[ابن هشام، السيرة النبوية (١ /٧٨)].
وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قَالَتْ: «إِنِّي
لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُلَبِّي: لَبَّيْكَ
اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ
وَالنِّعْمَةَ لَكَ» [البخاري (١٥٥٠)].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ
لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ
وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ
الْكَلِمَاتِ» [البخاري (٥٩١٥)، مسلم (١١٨٤)].
وعن شراحيل بن القعقاع أَنه قال: علمنا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - التلبية: (لَبَّيكَ اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إِنَّ
الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، فقال عمرو: لقد رأَيتُنَا منذ قريب ونحن
إِذا حججنا في الجاهلية نقول:
لَبَّيكَ تَعْظِيمًا إِليكَ عُذْرًا * * * هذِي
زُبَيد قَد أَتَتْكَ قَسْرَا
تَعْدُو بِها مُضَمَّرات شَزْرَا * * *
يَقْطَعْنَ خَبْتًا وجِبَالًا وُعْرَا
قد تركوا الأَوثان خِلوًا صفْرا
قال: فنحن والحمد لله، نقول كما علمنا رَسُول اللَّه - صلى الله
عليه وسلم - [ابن الأثير، أسد الغابة ( ٤ /٢٦٢)].
وعند ابن سعد في الطبقات: فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَوْرٍ، وَكَيْفَ
عَلَّمَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ
لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ
وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» [ابن سعد، الطبقات الكبرى
(٢ /٧٥٨)].
فجاء الاسلام فأبطل كل تلبية كانت في الجاهلية، وأعاد ما كانت عليه
التلبية في عهد الخليل إبراهيم عليه السلام، وجرت التلبية إلى يومنا هذا.
أمر الله
تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم -(وهو من قريش) أن يقف بعرفة مع عموم
الناس، ثم يفيض منها، مُبطلًا بدعة الحمس، ونزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩].
عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، قالت: كانت قريش ومن يدين
دينها، وهم الحُمس، يقضون عشية عرفة بالمزدلفة يقولون: نحن قطن البيت، وكان بقية
الناس والعرب يقفون بعرفات، فأنزل الله تعالى ﴿ثُمَّ
أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ فتقدموا، فوقفوا مع الناس بعرفات [ابن
إسحاق، السير والمغازي، ص٩٧].
الإسلام يبطل عادات الحُمس: فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ
اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ
حَيْنَ أَحْكَمَ لَهُ دِينَهُ، وَشَرَعَ لَهُ سُنَنَ حَجِّهِ: ﴿ثُمَّ
أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ
غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٩] يَعْنِي قُرَيْشًا، وَالنَّاسُ: الْعَرَبُ،
فَرَفَعَهُمْ فِي سُنَّةِ الْحَجِّ إلَى عَرَفَاتٍ، وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا،
وَالْإِفَاضَةِ مِنْهَا" [ابن هشام، السيرة النبوية (١ /١٨٨)].
وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ، رضي الله عنها: «كَانَتْ قُرَيْشٌ
وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ
الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ
الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَأْتِيَ
عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ
تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾» [البخاري (٤٥٢٠)].
ونجد جمال الإسلام في إلغاء هذه الطبقية بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ
غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة:
١٩٩]، الإشارة فيه: ألا تعلم نفسك بما تمتاز
عن أشكالك في الظاهر، لا بلبسة، ولا بخرقة، ولا بصفة، بل تكون كواحد من الناس، وإذا خطر
ببالك أنك فعلت شيئًا، أو بك، أو لك، أو معك شيء، فاستغفر الله، وجدّد إيمانك،
فإنه شرك خفي خامر قلبك [القشيري، لطائف الإشارات (١ /١٦٧)].
- تحريم
الطواف عراة وإزالة الأصنام:
تحريم
الطواف عراة: كان حبيبنا ومصطفانا
ﷺ قد أمر في العام التاسع للهجرة سيدنا أبا بكر الصديق وسيدنا عليّ بن أبي طالب،
رضي الله عنهما، أن يناديا في الناس: "لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف
بالبيت عريان"، فعن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
أَخْبَرَهُ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه، بَعَثَهُ فِي
الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ:
أَلَا، لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ
عُرْيَانٌ» [البخاري (١٦٢٢)].
وفي رواية أخرى عند الامام البخاري أيضًا، عن أبي
هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: «بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ
الْحَجَّةِ، فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى:
أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ
عُرْيَانٌ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ
- صلى الله عليه وسلم - بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ
بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ
فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ،
وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» [البخاري (٤٦٥٥)].
قال المهلب: أراد عليه السلام أن ينظف له البيت من المشركين والعراة،
ويكون حجه بهم عليه السلام على نظافة البيت من هاتين الطائفتين [ابن بطال، شرح
صحيح البخاري (٤ /٣٠٢)].
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَأمرنِي عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ،
أَن أَطُوف فِي الْمنَازل من منى بِبَرَاءَة، فَكنت أصيح حَتَّى صَحِلَ حلقي،
فَقيل لَهُ: بِمَ كنت تنادي؟ قَالَ: بِأَرْبَع: أَن لَا يدْخل الْجنَّة إلَاّ
مُؤمن، وَأَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك، وَأَن لَا يطوف بِالْبَيْتِ
عُرْيَان، وَمن كَانَ لَهُ عهد فَلهُ أجل أَرْبَعَة أشهر، ثمَّ لَا عهد لَهُ،
وَكَانَ الْمُشْركُونَ إِذا سمعُوا النداء بِبَرَاءَة يَقُولُونَ لعَلي، رَضِي
الله تَعَالَى عَنهُ: سَتَرَوْنَ بعد الْأَرْبَعَة أشهر بِأَنَّهُ لَا عهد
بَيْننَا وَبَين ابْن عمك إلَاّ الطعْن وَالضَّرْب، ثمَّ إِن النَّاس فِي تِلْكَ
الْمدَّة رَغِبُوا فِي الْإِسْلَام، حَتَّى دخلُوا فِيهِ طَوْعًا وَكرها [بدر
الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٩ /٢٦٥)].
أما عن إزالة الأصنام: طَافَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، آخِذٌ بِزِمَامِهَا مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ،
وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةِ صَنَمٍ، وَسِتّونَ صَنَمًا مُرَصّصَةٌ
بِالرّصَاصِ، وَكَانَ هُبَلُ أَعْظَمَهَا، وَهُوَ وُجاهَ الْكَعْبَةِ عَلَى
بَابِهَا، وَإِسَافُ وَنَائِلَةُ حَيْثُ يَنْحَرُونَ وَيَذْبَحُونَ الذّبَائِحَ،
فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كُلّمَا مَرّ بِصَنَمِ
مِنْهَا يُشِيرُ بِقَضِيبِ فِي يَدِهِ، وَيَقُولُ: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ
الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا، فَيَقَعُ الصّنَمُ لِوَجْهِهِ [الواقدي،
المغازي (٢ /٨٣٢)].
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه، قَالَ: «دَخَلَ
النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ
وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿وَقُلۡ
جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾ ﴿جَاۤءَ
ٱلۡحَقُّ وَمَا یُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا یُعِیدُ﴾» [البخاري (٤٧٢٠)].
وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه
وسلم - مَكَّةَ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا،
فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاۤءَ
ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾، ﴿جَاۤءَ
ٱلۡحَقُّ وَمَا یُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا یُعِیدُ﴾» زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: يَوْمَ
الْفَتْحِ [مسلم (١٧٨١)].
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: أمر الله تبارك وتعالى نبيّه
- صلى الله عليه وسلم - أن يخبر المشركين أن الحقّ قد جاء، وهو كلّ ما كان
لله فيه رضا وطاعة، وأن الباطل قد زهق، يقول: وذهب كلّ ما كان لا رضا لله فيه ولا
طاعة، مما هو له معصية وللشيطان طاعة، وذلك أن الحقّ هو كلّ ما خالف طاعة إبليس،
وأن الباطل هو كلّ ما وافق طاعته، ولم يخصص الله عز ذكره بالخبر عن بعض طاعاته، ولا
ذهاب بعض معاصيه، بل عمّ الخبر عن مجيء جميع الحقّ، وذهاب جميع الباطل، وبذلك جاء
القرآن والتنزيل، وعلى ذلك قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل
الشرك بالله، أعني: على إقامة جميع الحقّ، وإبطال جميع الباطل [الطبري، جامع
البيان (١٧ /٥٣٨)].
وهكذا،
اكتملت الدائرة التاريخية لشعيرة الحج، فعادت إلى أصلها الذي أرساه سيدنا إبراهيم الخليل
عليه السلام، طاهرة من دنس الشرك والجاهلية، ومحكومة بالوحي الرباني والتطبيق
النبوي المحمدي، لتظل منارًا للتوحيد، ومؤتمرًا سنويًّا للمسلمين إلى يوم القيامة.