كان قد لفت نظري أن رب العالمين جل جلاله قد ذكرنا في آيات الحج بذكر
الله خمس مرات، حتى كأن الله تعالى قد جعل الحج كله ذكرًا، إذ يقول
سبحانه: ﴿لَیۡسَ
عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُوا۟ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم
مِّنۡ عَرَفَٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ﴾ [البقرة:
١٩٨]، ثم رجع سبحانه ليكرر الأمر تأكيدًا
وترغيبًا فيقول: ﴿وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن
قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ثم: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ
حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ
رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٩]، فأمر بالذكر للمرة الثالثة.
الرابعة: ﴿فَإِذَا قَضَیۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ
فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَاۤءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرࣰاۗ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
الخامسة: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ فَمَن
تَعَجَّلَ فِی یَوۡمَیۡنِ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَاۤ إِثۡمَ
عَلَیۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
أي شأن عجيب هذا؟ أن يربط الله تعالى الحج بالذكر ربطًا مؤكدًا؟
قال العلماء: لقد جعل الله تعالى الشعائر والعبادات على ثلاثة أقسام: فمن
العبادات ما قيده الله تعالى في الزمان وفي المكان كالحج، فهو في ميقات
زماني معين لا يصح في بقية الأوقات، وفي ميقات مكاني معين فلا يصح في غيرها من
الأماكن، مع المشقة والكلفة والسفر والمزاحمة.
فلما أن قيد الله تعالى تلك العبادة زمانًا ومكانًا؛ جعلها
مرة في العمر، وجعلها لمن استطاع واقتدر.
ثم إن هناك نوعًا ثانيًا من العبادات قيده الله تعالى في الزمان فقط،
كالصوم في شهر رمضان، وكالصلاة في مواقيتها المحددة.
ثم بقي نوع ثالث من العبادات ما قيده الله تعالى زمانًا، ولم
يقيده مكانًا، بل أطلقه وعممه وأشاعه وأمر به في كل وقت، ألا وهو ذكر
الله جل جلاله: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟
ٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكۡرࣰا كَثِیرࣰا﴾ [الأحزاب:
٤١]، ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ
قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ [آل
عمران: ١٩١]، وكان صلى الله عليه وسلم يذكر الله
على كل أحيانه.
فلما أن قيد الله تعالى الحج زمانًا ومكانًا، قرنه سبحانه
بالذكر المطلق الخفيف الشائع على الألسنة، إيذانًا وإشارة من الله إلى أن من أعظم مقاصد
الحج أن يورث العباد تعظيم الذكر، كما أن الله تعالى جعل من مقاصد الصلاة أن
تعلمنا تعظيم الذكر فقال: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ﴾ [طه: ١٤].
فيا عباد الله، أشيعوا في كل من تلقونه أننا على عتبات أيام مباركات، وأيام
معمورة بالنور واللطف والتجلي والفرج، وأنه لا بد للقلوب من أن تقبل على الله
بمعاملة خاصة في هذه الأيام، وأنه لا بد من إحياء أوقاتنا بكثرة الذكر والتمجيد
والتسبيح والتهليل، فإن الله تعالى إذا رأى اجتماعات المسلمين وقد لهجت بذكره، وقد
لهجت بتسبيحه وتمجيده، فإن الله تعالى يرفع عنهم الكرب والحرج، ويعجل لهم باللطف
والفرج.