إنه اليوم الذي تتسابق فيه القلوب نحو النجاة، وتشرئب فيه الأعناق لرحمات رب السماوات؛ فليس هناك يومٌ يَمنُّ الله فيه على العباد بالعتق من النيران أكثر من يوم عرفة، فهو اليوم
التي ينتظره المؤمنون في كل عام
.
وفي هذا المشهد المهيب، تتجلى أعظم صور الكرم الإلهي؛ فعن
أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا
مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ
مِنْ أَنْ يُعْتِقَ
اللهُ فِيهِ عَبْدًا
مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ
عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ
الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» [مسلم (١٣٤٨)].
قال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله: وقوله: «مَا
مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ
يَوْمِ عَرَفَةَ»، رُوِّينا "أكثر" رفعًا ونصبًا، فرفعه على التميمية، ونصبه على
الحجازية، وهو في الحالين خبر لا وصف، والمجروران بعده
مبنيان، فمن يوم عرفة يبيِّن الأكثرية مما هي، ومن أن يعتق
يبيِّن المميِّز، وتقدير الكلام: ما يوم
أكثرُ من يوم
عرفة عتيقًا من النار.
وقوله: «وَإِنَّهُ لَيَدْنُو»، هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، والدُّنو دنوُّ إفضال وإكرام
لا دنوَّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه ويتقدَّس [المفهم
لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣ /٤٦٠)].
يقول العلامة الملا علي القاري رحمه الله: فَتَقْدِيرُهُ: مَا مِنْ
يَوْمٍ أَكْثَرَ إِعْتَاقًا فِيهِ اللَّهُ عَبْدًا
مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ
عَرَفَةَ(، وَإِنَّهُ)
أَيْ: سُبْحَانَهُ (لَيَدْنُو) أَيْ: يَقْرُبُ
مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ) أَيْ: بِالْحُجَّاجِ
(الْمَلَائِكَةَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ يُظْهِرُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَضْلَ
الْحُجَّاجِ، وَشَرَفَهُمْ، أَوْ يُحِلُّهُمْ مِنْ قُرْبِهِ، وَكَرَامَتِهِ
مَحَلَّ الشَّيْءِ الْمُبَاهَى بِهِ، وَالْمُبَاهَاةُ الْمُفَاخَرَةُ (فَيَقُولُ: مَا
أَرَادَ هَؤُلَاءِ) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ هَؤُلَاءِ حَيْثُ تَرَكُوا
أَهْلَهُمْ، وَأَوْطَانَهُمْ، وَصَرَفُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَتْعَبُوا
أَبْدَانَهُمْ، أَيْ: مَا أَرَادُوا إِلَّا الْمَغْفِرَةَ، وَالرِّضَا،
وَالْقُرْبَ، وَاللِّقَاءَ، وَمَنْ جَاءَ هَذَا الْبَابَ لَا يَخْشَى الرَّدَّ،
أَوِ التَّقْدِيرُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ فَهُوَ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَدَرَجَاتُهُمْ
عَلَى قَدْرِ مُرَادَاتِهِمْ، وَنِيَّاتِهِمْ، أَوْ أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ
هَؤُلَاءِ أَيْ: شَيْئًا سَهْلًا يَسِيرًا عِنْدَنَا؛ إِذ مَغْفِرَةُ كَفٍّ مِنَ
التُّرَابِ لَا يَتَعَاظَمُ عِنْدَ رَبِّ الْأَرْبَابِ [مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٥ /١٨٠٠)].
وفي هذا الحال من التجلي بالرحمة على العباد يباهي الله عز وجل ملائكته بهؤلاء الحجاج الذين هجروا الأهل والأوطان، وأتَوْه شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، تملأ أصواتهم الآفاق بالتلبية، وقد توافدوا من كل فجٍّ بعيد وطريق عميق، فعَنْ
جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِنَّ
اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَاهِي بِهِمُ
الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى
عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ
مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ"
فَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ، فِيهِمْ فُلَانٌ يَزْهُو وَفُلَانٌ
وَفُلَانٌ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: «قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ: «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» [صحيح
ابن خزيمة (٢٨٤٠)].
قوله:
«إِنَّ
اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ»، فبعضُ أهلِ السنةِ لا يفسِّرُ هذا الكلامَ
ويقول: لا نعلَمُ معناه، وبعضُهم يفسِّر: بأنه يُنْزِلُ رحمتَه، ويقرِّبُ فضلَه
وغفرانَه إلى الحُجَّاج.
قوله: «أَتَوني شُعْثًا غُبْرًا
ضَاجِّين من كلِّ فجٍّ عَمِيق»،
(الشُّعْثُ): جمع أشعثَ، وهو متفرِّقُ
شعر الرأس من عدمِ غسلِ الرأس، كما هو عادةُ المُحْرِمين.
(الغُبْرُ): جمع
أغبر، وهو الذي التصقَ الغُبارُ بأعضائه، كما هو عادة المسافرين.
(الضَّاجِّين): جمع
ضَاجٍّ، وهو اسم فاعل من ضَجَّ: إذا رفع الرجلُ صوتَه، والمراد ها هنا: رفعُ
الصوتِ بالتلبية، (من كلِّ فجٍّ): أي: من كلِّ طريق (عميقٍ): أي: بعيد.
هذه الكلمات -أعني: شعثًا وما بعده-
منصوباتٌ على الحال.
قوله: «فتقول الملائكة: يا ربِّ!
فلانٌ كان يُرَهِّقُ، وفلانة»، (يُرَهِّقُ) - بضم الياء وفتح الراء المهملة
وتشديد الهاء وفتحها -: ينسَبُ إلى فعل المعاصي، وَيَرْهَقُ - بفتح الياء وسكون
الراء المهملة وفتح الهاء -: إذا فعل المعاصي أيضًا.
تقول الملائكة: يا ربِّ! فلان وفلانة
يفعلان المعاصي، وليسا بأهلٍ أن تغفرَ لهما، فقال الله: قد غفرتُ لهما؛ فإن الحجَّ
يهدِمُ ما كان قبلَه من الذنوب [مظهر الدين الزيداني، المفاتيح في شرح المصابيح (٣
/٣٠٣-٣٠٤)].
وفي
رواية أبي يعلى، عَنْ جابر أيضًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ
أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ» قَالَ: فَقَالَ
رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ، إِلَّا عَفِيرًا يُعَفِّرُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، وَمَا مِنْ يَوْمٍ
أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ
أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى
عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا
مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لَمْ يَرَوْا رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي،
فَلَمْ أَرَ يَوْمًا أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» [مسند أبي يعلى (٢٠٩٠)].