Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فضل يوم عرفة

الكاتب

هيئة التحرير

فضل يوم عرفة

كيف اجتمع في يومٍ واحدٍ إكمال الدين، ومغفرة الذنوب، ومباهاة الله بعباده؟ ولماذا كان يوم عرفة تاج الأيام وفرصة لا تتكرر لنيل العتق والرحمة؟

حين تشرق شمس التاسع من ذي الحجة، تفتح السماء أبوابها لفيوضات لا تنقطع، ويقف الزمان إجلالًا لـ "تاج الأيام" وجوهرة الزمان، في هذا المقال، نكشف لك أسرار يوم عرفة، ميثاق الغفران الذي يجمع بين قلوب الحجاج في المشعر الحرام ودعوات المقيمين في ديارهم، لترسم لوحة إيمانية لا تضاهى.

إكمال الدين وإتمام النعمة

في هذا اليوم الخالد، تُوجت الرسالة واكتمل البنيان؛ ليكون عرفة شاهدًا على أعظم إعلان رباني بتمام النعمة وكمال الدين لأمة الإسلام.

يوم عرفة ليس مجرد يوم للعبادة، بل هو يوم تاريخي شهد نزول أعظم آيات القرآن إعلانًا بتمام الرسالة، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣]، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» [البخاري (٤٣٨٨)، مسلم (٣٠١٧) واللفظ له].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، وَأَجَابَ عُمَرُ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَلَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ عِيدًا؟ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُخْرَيَاتِ نَهَارِ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الْعِيدِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَوَّلِهِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْقَابِلَةِ، قَالَهُ هَكَذَا بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ اكْتَفَى فِيهَا بِالْإِشَارَةِ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ إِسْحَاقَ عَنْ قَبِيصَةَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا قَدْ نَصَّتْ عَلَى الْمُرَادِ وَلَفْظُهُ: نَزَلَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ" [ فتح الباري بشرح صحيح البخاري (١ /١٠٥)].

وفي هذا الحديث من الفقه التنبيه على ما أنعم الله سبحانه في هذه الآية على أمة سيدنا محمد ﷺ من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾، وفيه أيضًا أن قول الله تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ﴾ دليل على أن الدين أكمله الله في زمان محمد ﷺ، فهو غير محتاج إلى أن يتم أو يحدث فيه شيء لم يكن، أو يذكر فيه شيء لم يعرف؛ ﴿وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی﴾، وهذا يستدل به على أن إتمام النعمة إنما يَستتب بدخول الجنة إن شاء الله؛ لأنه لم يقل: اليوم أنعمت عليكم، فكان يكون توقع لتمام فيما بعد؛ ولكن إنما قال: (أتممت)، فدل بهذا القول على أنه قد كانت نعمة موجودة فأتمها التمام الذي لا يحتمل أن يزاد فوقه شيء آخر، وهذا لا يتم إلا بدخول الجنة، فإنها لبشرى عظيمة [ابن هبيرة، الإفصاح عن معني الايضاح (١ /١٤٦-١٤٧)].

مباهاة الله بأهل الموقف (للحجاج)

مشهد مهيب تتجلى فيه عظمة الخالق، حين يباهي الله ملائكة السماء بعباده الذين أتوه شعثًا غبرًا، معلنًا للعالمين فضل الافتقار بين يديه.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُباهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إلى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» [أحمد (٧٠٨٩)].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ - فَيَقُولُ لَهُمْ: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ» [السنن الكبرى للبيهقي(٩١٠٩)]، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا مُرَاهِقًا وَفُلَانًا»، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» [فضائل الأوقات للبيهقي (١٨١)]،هذا المشهد يجسد ذروة الخضوع البشري أمام العظمة الإلهية، حيث تتلاشى الفوارق بين الناس ولا يبقى إلا الإخلاص.

يقول الإمام المناوي في فيض القدير: "(إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بأَهْلِ عَرَفَةَ) أي: الواقفين بها ثم بين تلك المباهاة بقوله: (يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي) أي: تأملوا حالهم وهيأتهم (أَتَوْنِي) أي جاؤوا إلى بيتي إعظامًا لي وتقربًا لما يقربهم مني (شُعْثًا) أي: متغيري الأبدان والشعور والملابس؛ لقلة تعهدهم بِالادِّهانِ والإصلاح، والشعث: الوسخ في بدن أو شعر (غُبْرًا) أي: من غير استحداد ولا تنظف قد ركبهم غبار الطريق قال في المطامح: وذا يقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالحاج إلا وقد تطهر من كل ذنب؛ إذ لا تباهي الملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر فينتج أن الحج يكفر حق الحق وحق الخلق حتى الكبائر والتبعات ولا حجر على الله في فضله ولا حق بالحقيقة لغيره وفيه أفضلية عرفة" [المناوي، فيض القدير (٢ /٢٧٩)].

تكفير الذنوب (للحاج ولغير الحجاج)

بوابة واسعة لمحو عثرات الماضي وبناء مستقبل مشرق، حيث يغسل الله ذنوب عامين بصيام يوم واحد، ويمحو خطايا العمر بوقفة إخلاص.

  • أما تكفير الذنوب للحاج: فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ، ... فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ..» [صحيح ابن حبان التقاسيم والأنواع (٤٠٩٨)].
  • وأما غير الحاج: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» [مسلم (١١٦٢)]، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالَّتِي بَعْدَهُ» [الترمذي (٧٤٩)، ابن ماجه (١٧٣٠)].

وقوله في صيام يوم عرفة: (يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)؛ يعني السنة التي هو فيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها: يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة [أبو العباس القرطبي (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣ /١٨٨-١٨٩)].

وهي فرصة ذهبية لعوام المسلمين لمشاركة الحجاج روحانية اليوم، وتطهير سجلاتهم من الخطايا في يوم واحد يعادل فضله عمل عامين كاملين.

يوم العتق الأكبر من النار

إنه اليوم الذي تتسابق فيه القلوب نحو النجاة، وتشرئب فيه الأعناق لرحمات رب السماوات؛ فليس هناك يومٌ يَمنُّ الله فيه على العباد بالعتق من النيران أكثر من يوم عرفة، فهو اليوم التي ينتظره المؤمنون في كل عام .

وفي هذا المشهد المهيب، تتجلى أعظم صور الكرم الإلهي؛ فعن أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» [مسلم (١٣٤٨)].

قال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله: وقوله: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ»، رُوِّينا "أكثر" رفعًا ونصبًا، فرفعه على التميمية، ونصبه على الحجازية، وهو في الحالين خبر لا وصف، والمجروران بعده مبنيان، فمن يوم عرفة يبيِّن الأكثرية مما هي، ومن أن يعتق يبيِّن المميِّز، وتقدير الكلام: ما يوم أكثرُ من يوم عرفة عتيقًا من النار.

وقوله: «وَإِنَّهُ لَيَدْنُو»، هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، والدُّنو دنوُّ إفضال وإكرام لا دنوَّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه ويتقدَّس [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣ /٤٦٠)].

يقول العلامة الملا علي القاري رحمه الله: فَتَقْدِيرُهُ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ إِعْتَاقًا فِيهِ اللَّهُ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ(، وَإِنَّهُ) أَيْ: سُبْحَانَهُ (لَيَدْنُو) أَيْ: يَقْرُبُ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ) أَيْ: بِالْحُجَّاجِ (الْمَلَائِكَةَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ يُظْهِرُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَضْلَ الْحُجَّاجِ، وَشَرَفَهُمْ، أَوْ يُحِلُّهُمْ مِنْ قُرْبِهِ، وَكَرَامَتِهِ مَحَلَّ الشَّيْءِ الْمُبَاهَى بِهِ، وَالْمُبَاهَاةُ الْمُفَاخَرَةُ (فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ هَؤُلَاءِ حَيْثُ تَرَكُوا أَهْلَهُمْ، وَأَوْطَانَهُمْ، وَصَرَفُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَتْعَبُوا أَبْدَانَهُمْ، أَيْ: مَا أَرَادُوا إِلَّا الْمَغْفِرَةَ، وَالرِّضَا، وَالْقُرْبَ، وَاللِّقَاءَ، وَمَنْ جَاءَ هَذَا الْبَابَ لَا يَخْشَى الرَّدَّ، أَوِ التَّقْدِيرُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ فَهُوَ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَدَرَجَاتُهُمْ عَلَى قَدْرِ مُرَادَاتِهِمْ، وَنِيَّاتِهِمْ، أَوْ أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ هَؤُلَاءِ أَيْ: شَيْئًا سَهْلًا يَسِيرًا عِنْدَنَا؛ إِذ مَغْفِرَةُ كَفٍّ مِنَ التُّرَابِ لَا يَتَعَاظَمُ عِنْدَ رَبِّ الْأَرْبَابِ [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٥ /١٨٠٠)].

وفي هذا الحال من التجلي بالرحمة على العباد يباهي الله عز وجل ملائكته بهؤلاء الحجاج الذين هجروا الأهل والأوطان، وأتَوْه شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، تملأ أصواتهم الآفاق بالتلبية، وقد توافدوا من كل فجٍّ بعيد وطريق عميق، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ" فَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ، فِيهِمْ فُلَانٌ يَزْهُو وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: «قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» [صحيح ابن خزيمة (٢٨٤٠)].

قوله: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ»، فبعضُ أهلِ السنةِ لا يفسِّرُ هذا الكلامَ ويقول: لا نعلَمُ معناه، وبعضُهم يفسِّر: بأنه يُنْزِلُ رحمتَه، ويقرِّبُ فضلَه وغفرانَه إلى الحُجَّاج.

قوله: «أَتَوني شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّين من كلِّ فجٍّ عَمِيق»، (الشُّعْثُ): جمع أشعثَ، وهو متفرِّقُ شعر الرأس من عدمِ غسلِ الرأس، كما هو عادةُ المُحْرِمين.

(الغُبْرُ): جمع أغبر، وهو الذي التصقَ الغُبارُ بأعضائه، كما هو عادة المسافرين.

(الضَّاجِّين): جمع ضَاجٍّ، وهو اسم فاعل من ضَجَّ: إذا رفع الرجلُ صوتَه، والمراد ها هنا: رفعُ الصوتِ بالتلبية، (من كلِّ فجٍّ): أي: من كلِّ طريق (عميقٍ): أي: بعيد.

هذه الكلمات -أعني: شعثًا وما بعده- منصوباتٌ على الحال.

قوله: «فتقول الملائكة: يا ربِّ! فلانٌ كان يُرَهِّقُ، وفلانة»، (يُرَهِّقُ) - بضم الياء وفتح الراء المهملة وتشديد الهاء وفتحها -: ينسَبُ إلى فعل المعاصي، وَيَرْهَقُ - بفتح الياء وسكون الراء المهملة وفتح الهاء -: إذا فعل المعاصي أيضًا.

تقول الملائكة: يا ربِّ! فلان وفلانة يفعلان المعاصي، وليسا بأهلٍ أن تغفرَ لهما، فقال الله: قد غفرتُ لهما؛ فإن الحجَّ يهدِمُ ما كان قبلَه من الذنوب [مظهر الدين الزيداني، المفاتيح في شرح المصابيح (٣ /٣٠٣-٣٠٤)].

وفي رواية أبي يعلى، عَنْ جابر أيضًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا عَفِيرًا يُعَفِّرُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لَمْ يَرَوْا رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ أَرَ يَوْمًا أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» [مسند أبي يعلى (٢٠٩٠)].

خير الدعاء وأفضل الذكر

حين تلهج الألسن بالذكر وتضج القلوب بالرجاء، تُفتح أبواب السماء لتستقبل أصدق الكلمات في أزكى أوقات الاستجابة وأعظم محطات الضراعة.

ففي هذا اليوم، تفتح أبواب السماء وتستجاب الدعوات، لذا كان حبيبنا النبي ﷺ يوصي بالإكثار من الذكر والثناء على الله.

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [الترمذي(٣٥٨٥)]، وهنا يشترك الحاج في عرفاته والمؤمن في خلوته في ترديد هذه الكلمات العظيمة التي تلخص جوهر الإسلام.

فقوله: «خيْرُ الدُّعَاءِ، دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ»، قال الطيبي: "الإضافة فيه أن يكون بمعنى اللام أي: دعاء خصّ بذلك اليوم، وَقوله: «وَخَيْرُ مَا قُلْتَ» بمعنى خير مَا دعوت، بيَان له، فالدعاء له؛ قوله: «لا إلهَ إلا الله ... » إلى آخره، فإن قيل: هُوَ ذكرٌ ليس بدعاء، أجيب بوجهين: أحدهما: أنه على سَبيل التعريض تجنبًا من التصْريح مُراعاةً للأدب، وقد قيل لسُفيان هذا الثناء، فأين الدعاء؟ فأنشد قول أمية بن أبي الصلت:

إذا أثنى عليك المرء يومًا * * * كفاه من تعرضه الثناء

والثاني: الاشتغال بخدمة المولى، والإعراض عن الطلب اعتماد على كرمه؛ فإنه لا يضيع أجر المحسنين، والفرق بين الوجهَين أن الذاكر في الأولى وإن لم يصَرّح بالطلب فهو طالب بما هو أبلغ من التصْريح بخلاف الثاني انتهى [السيوطي، قوت المغتذي على جامع الترمذي (٢ /٩٦٨)].

قال ابن عبد البر: وفيه مِن الفِقهِ: أنَّ دُعاءَ يوم عرفةَ أفضلُ مِن غيره، وفي ذلك دليلٌ على فَضْلِ يوم عرفةَ على غيرِه، وفي فَضلِ يوم عرفةَ دليلٌ أنَّ للأيَّام بَعضِها فضْلًا على بعضٍ، إلَّا أنَّ ذلك لا يُدْرَكُ إلَّا بالتَّوقِيفِ.

وفي الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ دُعاءَ يوم عرفةَ مُجَابٌ كلُّه في الأغْلَب، وفيه أيضًا أنَّ أفضلَ الذِّكر: لا إلهَ إلَّا الله.

وقد اختَلفَ العُلماءُ في أفضَلِ الذِّكر؛ فقال منهم قومٌ: أفضَلُ الكلام لا إلهَ إلَّا الله، واحتَجُّوا بهذا الحديث، وأنَّها كلمةُ الإسلام وكلمةُ التقوَى.

وقال آخرون: أفضَلُ الذِّكْرِ: الحمدُ لله رَبِّ العالمِين؛ ففيه معنَى الشُّكْرِ والثَّناء، وفيه مِن الإخلاصِ ما في «لا إلهَ إلَّا الله»، وإنَّه افتَتَح الله به كَلامَه وختَم به، وهو آخِرُ دَعْوى أهلِ الجنَّة [ابن عبد البر، التمهيد (٤ /٤٠)].

سؤال وجواب

س: ما أعظم ما يميز يوم عرفة؟

ج: أنه يوم مغفرة وعتق من النار وإكمال للدين.

س: هل فضل يوم عرفة للحاج فقط؟

ج: لا، بل يشمل الحاج وغير الحاج بفضائل عظيمة.

س: ما فضل صيام يوم عرفة؟

ج: يكفّر ذنوب سنتين لغير الحاج.

س: ما أفضل ما يُفعل في يوم عرفة؟

ج: الدعاء والذكر والتضرع إلى الله.

س: لماذا يعد يوم عرفة فرصة عظيمة؟

ج: لأنه من أعظم مواسم الرحمة والمغفرة في الإسلام.

الخلاصة

يعد يوم عرفة ميلاد جديد لروح المؤمن؛ فبين تكفير سنة مضت وأخرى باقية، وعتقٍ محقق من النيران، يخرج المسلم بصحيفة بيضاء وقلبٍ ملأه التوحيد، اغتنم هذا الميثاق الرباني، واجعل من "خير الدعاء" جسرًا تعبر به نحو رحمة الله التي وسعت كل شيء، لتتحول العبادة من عادة إلى حياة.

موضوعات ذات صلة

ستكتشف أسرار هذا الموضع العظيم، وأهميته التاريخية والدينية، وأعظم الأحداث التي شهدها.

تتجلى عظمة الإسلام في رعاية أحوال العباد وفتح أبواب الرحمة عند أداء الركن الأعظم

 رحلة شيقة إلى تاريخ أجمل موكب في التاريخ الإسلامي.

 يعتبر الحج النداء الإلهي الخالد الذي صدح به سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام

ستتعرف على جميع مواقيت الإحرام، وأماكنها، وأحكامها بالتفصيل