وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تقع المزدلفة بين مشعري منى وعرفات، وتُحدَّد حدودها الشرعية والجغرافية بوضوح ما بين المأزمين [المأزم: الطريق الضيق بين الجبلين، والمأزمان: مضيق بين جمع وعرفة، وآخر بين مكة ومنى، بحسب "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص: ١٠٧٥)، و"المصباح المنير" للفيومي (١/ ١٣)] ووادي محسر، وليس الحدان منها ["الشرح الكبير" لشمس الدين ابن قدامة (٣/ ٤٤١)]، وقال الإمام النووي رحمه الله: "حد المزدلفة ما بين وادي محسر ومأزمي عرفة، وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب القوابل والظواهر والجبال الداخلة في الحد المذكور" [المجموع (٨ /١٢٨)]، ويحصل المبيت بالمزدلفة بالحضور في أية بقعة كانت منها [المجموع للنووي (٨ /١٣٦)]، فعن جابر، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «نَحَرْتُ هاهنا، ومِنًى كلُّها مَنْحَرٌ، فانْحَروا في رِحالِكم، ووقَفْتُ ها هنا، وعَرَفةُ كُلُّها موقِفٌ، ووقفْتُ ها هنا، وجَمْعٌ كلُّها موقِفٌ» [مسلم (١٢١٨)].
١- سبب التسمية بمزدلفة: يقال: زلف إليه، وازدلف، وتزلف؛ أي: دنا منه، وأزلف الشيء: قربه، ومزدلفة، والمزدلفة: موضع بمكة [ابن منظور، لسان العرب (٩/١٢٨)].
أ- لأنهم يقربون فيها من مِنى، والازدلاف التقريب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِینَ﴾ [الشعراء: ٩٠] أي: قربت [الماوردي، الحاوي الكبير (٤/٤٣٢)].
ب- لأن الناس يجتمعون بها، والاجتماع الازدلاف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡءَاخَرِینَ﴾ [الشعراء: ٦٤] [البغوي، شرح السنة، (٧/١٦٥)].
٢- المشعر الحرام:
سمى الله المزدلفة بالمشعر الحرام؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ [البقرة: ١٩٨]
والمشعر الحرام المذكور في القرآن: هو جميع المزدلفة، وبه قال جمهور المفسرين وأصحاب الحديث والسير [النووي، المجموع (٨/١٥٢)].
٣- جَمْعٌ:
أطلق الرسول ﷺ على مزدلفة (جمع) فقال: «ووقَفْتُ ها هنا وجَمْعٌ كُلُّها موقِفٌ». [مسلم (١٢١٨)].
سبب التسمية بـ (جمع):
سميت جَمعًا؛ لأنها يُجمع فيها بين الصلاتين، وقِيل: وصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يَجتمعون بها، ويزدلفون إلى الله؛ أي: يتقربون إليه بالوقوف فيها [ابن حجر، فتح الباري (٣/٥٢٣)].
اختلف الفقهاء في حكم المبيت بمزدلفة على التفصيل التالي:
أولا: الشافعية والحنابلة (القول بالوجوب): الأصح عندهم أن المبيت واجب، ويُجبر تركه بدم (فدية)، ويتحقق المبيت بمجرد الحضور أو المرور بمزدلفة لحظةً بعد النصف الثاني من ليلة النحر.
وهذا الوجوب خاص بمن ترك المبيت بلا عذر، أما أصحاب الأعذار فلا شيء عليهم. قال الإمام النووي مفصلاً هذه الأعذار: ومِن المعذورين: مَن له مالٌ يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو كان به مرضٌ يشق معه المبيت، أو له مريضٌ يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقًا، أو يشتغل بأمرٍ آخر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان؛ الصحيح المنصوص يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء عليهم بسببه، ولهم النَّفْر بعد الغروب" [المجموع (٨/ ٢٤٨، ط. دار الفكر)].
ثانيا: القول بالاستحباب والسنية (أقوال أخرى للشافعية والحنابلة): للإمام الشافعي قولان في وجوب الدم على غير المعذور (الوجوب والاستحباب).
قال الإمام الماوردي: "فإذا ترك المبيت بها أو خرج منها قبل نصف الليل فعليه دمٌ، وفيه قولان؛ أحدهما: واجبٌ، وهو قوله في القديم والجديد. والقول الثاني: استحبابٌ، وهو قوله في الأم والإملاء، والحكم في هذا كالحكم في دم الدفع مِن عرفة قبل غروب الشمس؛ لأن أربعة دماءٍ اختَلَف قولُه فيها؛ مِنها هذان، والثالث: دم المبيت ليالِيَ مِنًى، والرابع: دم طواف الوداع" [الحاوي (٤/ ١٧٨، ط. دار الكتب العلمية)].
وبناءً على قول الاستحباب، رَجّح جماعة من الشافعية والإمام أحمد أن المبيت سُنة.
قال إمام الحرمين: "وإذا اختلف القول في أن المبيت هل يُجبَرُ بالدم، فيترتب عليه لا محالةَ اختلافُ القول في أنه هل يجب في نفسه، وهل يجب على الناسك تحصيله؛ حتى يُقضَى بأنه يَعصِي بتركه؟" [نهاية المطلب في دراية المذهب (٤/ ٣٣٤، ط. دار المنهاج)]، وقال العلامة ابن حجر الهيتمي: "وقيل: سُنَّةٌ، ورجحه الرافعي" [تحفة المحتاج (٤/ ١١٣، ط. دار إحياء التراث العربي)]. كما قال العلامة المرداوي الحنبلي عن الإمام أحمد: "وعنه (أي عن الإمام أحمد): لا يجب؛ كرُعاةٍ وسُقاةٍ، قاله في المستوعب وغيره" [الإنصاف (٤/ ٢٥، ط. دار إحياء التراث العربي)].
ثالثا: المالكية والحنفية:
المفتى به:
المبيت بالمزدلفة سُنَّةٌ، مع وجوب المرور بها، ويكفي لمن أراد تحصيل المبيت أن يمكث فيها بقدر ما يحط الحاجُّ متاعه ويصلي المغرب والعشاء. [دار الإفتاء المصرية، حكم المبيت بالمزدلفة، تاريخ الفتوى: ٠٤ سبتمبر ٢٠١٣م، رقم الفتوى: ٢٥١٧، من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام، التصنيف: الحج والعمرة]
الإفاضة المباشرة إلى مكة
ذهب بعض الشافعية إلى جواز توجه الحاج من عرفات إلى مكة مباشرة لأداء طواف الإفاضة دون المرور بمزدلفة، ويُعد ذلك عذراً مسقطاً للدم. قال الإمام النووي: "أما مَن انتهى إلى عرفات ليلةَ النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة: فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب، ومِمَّن نَقَلَ الاتفاقَ عليه إمامُ الحرمين، ولو أفاض مِن عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف: قال صاحبُ التقريب والقفَّالُ: لا شيء عليه؛ لأنه اشتغل بركنٍ، فأشبهَ المشتغِلَ بالوقوف" [المجموع (٨/ ١٣٦، ط. دار الفكر)]. وقال الشيخ الخطيب الشربيني: "ومحل القولين -أي في وجوب الدم واستحبابه-حيث لا عذر، أما المعذور... فلا دم عليه جزمًا، ومِن المعذورين مَن جاء عرفة ليلًا فاشتغل بالوقوف عنه، ومَن أفاض مِن عرفة إلى مكة وطاف الركن وَفَاتَهُ" [مغني المحتاج (١/ ٥٠٠، ط. دار الفكر)].
الزحام كعذر مسقط للوجوب والفدية
تتفق المذاهب الموجبة للمبيت أو المكث بمزدلفة على أن هذا الواجب يسقط بوجود الأعذار.
وبما أن النبي ﷺ رخّص للرعاة والسقاة بترك المبيت لرعاية أعمالهم (وهي أمور حاجية)، فإن الزحام الشديد في زماننا -والذي يهدد الأرواح ويؤدي للإصابات- يُعد عذراً من باب أَوْلى؛ لأن حفظ النفس من المقاصد الضرورية.
وقد نص الحنفية صراحة على أن الزحام عذرٌ يسقط الوجوب: قال العلامة الحصكفي: "لكن لو تركه بعذرٍ كزحمةٍ بمزدلفة لا شيء عليه" [الدر المختار (٣/ ٥٢٩، ط. دار عالم الكتب)]. وأوضح العلامة ابن عابدين ذلك بقوله: "قوله (كزحمة) عبارة اللباب: إلَّا إذا كان لعلةٍ أو ضعف أو يكون امرأة تخاف الزحام فلا شيء عليه" [حاشية ابن عابدين على الدر المختار]. ونقل عن صاحب كتاب "البحر" أنه قال: "ولم يقيد في المحيط خوف الزحام بالمرأة بل أطلقه فشمل الرجل اهـ. قلت: وهو شاملٌ لخوف الزحمة عند الرمي؛ فمقتضاه أنه لو دفع ليلًا ليرمي قبل دفع الناس وزحمتهم لا شيء عليه" [البحر].
(أ) الجمْعُ بين صلاتَيِ المغْرِبِ والعشاءِ في المُزْدَلِفةِ
يسن للحاج أن يجمع في مزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير [ابن حزم "مراتب الإجماع" (ص٤٥)]، وهذا مذهب الجمهور: المالكية في المشهور[ "الشرح الكبير" للدردير (٢/٤٤)، "حاشية الدسوقي" (٢/٤٤)، وينظر: "التمهيد" لابن عبد البر (٢٢/٢٠٢)] ، والشافعية ["المجموع" للنووي (٨/١٣٣)، وينظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (٤/١٧٦)]، والحنابلة ["شرح منتهي الإرادات" للبهوتي (١/ ٢٩٨)، وينظر: "المغني" لابن قدامة (٣/ ٣٧٤)، "الشرح الكبير" لشمس الدين ابن قدامة (٣/٤٣٧)]، وبه قال أبو يوسف من الحنفية ["بدائع الصنائع" للكاساني (٢/١٥٥)] ، وهو قول طائفة من السلف.
قال شمس الدين، عبد الرحمن بن قدامة: "وإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأه" وبه قال عطاء، وعروة، والقاسم، وسعيد بن جبير، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، وابن المنذر" ["الشرح الكبير" (٣/٤٣٩)] ، وحكي الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن السنة أن يجمع الحاج بين المغرب والعشاء" [الإجماع (ص ٥٧)]، وقال ابن عبد البر: "وأجمع العلماء أن رسول الله ﷺ دفع من عرفة بالناس بعدما غربت الشمس يوم عرفة، فأفاض إلى المزدلفة، وأنه عليه السلام أخر حينئذ صلاة المغرب، فلم يصلها حتى أتى المزدلفة، فصلى بها بالناس بالمغرب والعشاء جميعًا، بعدما غاب الشفق، ودخل وقت العشاء الآخرة، وأجمعوا أن ذلك سنة الحاج في ذلك الموضع" [التمهيد (٩/٢٦٩)].
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «جمَعَ النبيُّ ﷺ بين المغرِبِ والعِشاءِ بجَمْعٍ كلَّ واحدةٍ منهما بإقامةٍ، ولم يُسَبِّحْ بينهما، ولا على إِثْرِ كلِّ واحدةٍ منهما» [البخاري (١٦٧٣) واللفظ له، ومسلم (٧٠٣)].
وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه: «أنَّ رَسولَ الله ﷺ جمَعَ في حجَّةِ الوداعِ المغربَ والعِشاءَ بالمُزْدَلِفة» [البخاري (١٦٧٤) واللفظ له، ومسلم (١٢٨٧)].
وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: «دفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ من عَرَفة، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ، ثمَّ توضَّأَ، ولم يُسْبِغِ الوضوءَ، فقلتُ له: الصَّلاةَ؟ فقال: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» [البخاري (١٦٧٢) واللفظ له، ومسلم (١٢٨٠)].
(ب) الجمعُ بين المغرِبِ والعشاءِ بأذانٍ واحدٍ وإقامَتينِ.
يجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، وهذا مذهب الشافعية ["المجموع" للنووي (٨/١٣٤)، "مغني المحتاج" للشربيني(١/١٣٥)]، والحنابلة ["كشاف القناع" للبهوتي (٢/٤٩١)، وينظر: "المغني" لابن قدامة (٣/٣٧٤)]، وبه قال زفر ["الهداية شرح البداية" للمرغيناني (١/١٤٥)، "تبيين الحقائق" للزيلعي (٢/٢٧)]، والطحاوي من الحنفية["شرح معاني الآثار" (٢/٢١٤)، "حاشية رد المحتار" لابن عابدين (١/٣٩١)]، وعبد الملك بن الماجشون من المالكية ["كفاية الطالب الرباني" لأبي الحسن المالكي (١/٤٢٤)، "التمهيد" لابن عبد البر (٩/٢٦٦)]، واختاره ابن المنذر[ينظر: "الإشراف" (٣/٣١٦)] ، وابن حزم[ "المحلى" لابن حزم (٧/١٢٩)].
فعن جابر - رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ ﷺ أتى المُزْدَلِفةَ، فصلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا، ثم اضطجَعَ حتى طلَعَ الفجرُ، وصلَّى الفجْرَ» [مسلم (١٢١٨)].
وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: «دفَعَ رسولُ الله ﷺ مِنْ عَرَفةَ حتى إذا كان بالشِّعْبِ نزل فبال، ثم توضَّأَ ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصَّلاةَ يا رسولَ اللهِ، فقال: الصَّلاةُ أمامك. فرَكِبَ، فلما جاء المُزْدَلِفةَ نزل، فتوضَّأَ فأسبَغَ الوضوءَ، ثم أقيمَتِ العشاء فصلَّى المغرِبَ، ثم أناخ كلُّ إنسانٍ بعيرَه في مَنْزِلِه، ثم أقيمَتِ الصَّلاةُ فصَلَّى، ولم يُصَلِّ بينهما» [البخاري (١٣٩) واللفظ له، ومسلم (١٢٨٠)].
فجاء الاعتبار بالجمع بعرفة ["شرح معاني الآثار" للطحاوي (٢/٢١٤)، "الهداية شرح البداية" للمرغيناني (١/١٤٥)].
(ج) صلاةُ الفَجرِ في مُزدَلِفةَ والدُّعاءُ عِندَ المَشعَرِ الحرامِ
يستحب للحاج بعد بياته بمزدلفة أن يصلي بها صلاة الفجر في أول وقتها، ويأتي المشعر الحرام (جبل قزح)، ويقف عنده فيدعو الله سبحانه وتعالى إلى الإسفار، ثم يدفع منها، فقد فعل حبيبنا النبي ﷺ، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «حتَّى أتى المُزدَلِفةَ، فصَلَّى بها المَغرِبَ والعِشاءَ بأذانٍ واحِدٍ وإقامتَينِ، ولم يُسَبِّحْ بينَهُما شيئًا، ثُمَّ اضطَجَع رَسولُ اللهِ ﷺ حتَّى طَلَعَ الفَجرُ، وصلَّى الفَجرَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصواءَ حتَّى أتى المَشعَرَ الحَرامَ، فاستقبَلَ القِبلةَ، فدَعاه وكَبَّره وهَلَّله وَوحَّده، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أسفَرَ جِدًّا، فدَفَعَ قَبلَ أن تَطلُعَ الشَّمسُ»[ أخرجه مسلم (١٢١٨).].
وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: «ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صلاةً إلَّا لميقاتِها إلَّا صلاتَينِ: صلاةَ المَغرِبِ والعِشاءِ بجَمعٍ، وصَلَّى الفَجرِ يومَئذٍ قَبلَ ميقاتِها» [البخاري (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩) واللفظ له].
ونقل الإجماع على أن النبي ﷺ فعل ذلك، وأنه هو الأولى والأفضل، قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن النبي عليه السلام وقف بالمشعر الحرام بعد ما صلى الفجر، ثم دفع قبل طلوع الشمس" [الاستذكار (٤/٢٩٢)]، وقال: "الفضل عند الجميع المبيت بها حتى يصلي الصبح، ثم يدفع قبل طلوع الشمس، لا يختلفون في ذلك، ولا في أن رسول الله ﷺ فعل كذلك" [الاستذكار ٤/٢٩٠] ، وقال ابن رشد: "وأجمعوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر، وجمع فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام، ووقف بعد صلاة الصبح إلى الإسفار بعد الوقوف بعرفة- أن حجه تام، وأن ذلك الصفة التي فعل رسول الله ﷺ" [بداية المجتهد( ٢/١١٥)]، وقال أبو العباس القرطبي: "ولا خلاف في أن الأولى والأفضل المكث بالمزدلفة إلى أن يصلي الفجر بها، ثم يقف بالمشعر الحرام، ثم يدفع منها بعد ذلك، كما فعله النبي ﷺ" [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم(٣/٣٩٦)].
كما أنه يستحب الدعاء بعدها، فاستحب تقديمها؛ ليكثر الدعاء ["المجموع" للنووي (٨/١٢٥)].
كما أنه ليتسع الوقت لوظائف هذا اليوم من المناسك؛ فإنها كثيرة في هذا اليوم، فليس في أيام الحج أكثر عملًا منه. ["المجموع" للنووي (٨/١٤١)].
ختامًا، يمثل المبيت بمزدلفة نسكًا عظيمًا تكتمل به مناسك الحج، وتتجلى فيه سُنة النبي ﷺ بجمع صلاتي المغرب والعشاء وتأخير الدفع حتى الإسفار، ومع تأكيد المذاهب الفقهية على أهمية هذا النسك، يبرز يسر الشريعة الإسلامية ومراعاتها لمقاصد حفظ النفس، وذلك من خلال الترخيص لأصحاب الأعذار وتخفيف الأحكام عند اشتداد الزحام لضمان سلامة الحجيج.
الميقات يطلق على الوقت المضروب للشيء، كما يقال للمكان الذي يجعل منه وقت الشيء كميقات الحج.
قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.
يأخذ بيدك في رحلة إيمانية متكاملة
يعتبر الحج النداء الإلهي الخالد الذي صدح به سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام