لقد اتسعت أنظار الفقهاء في استنباط
الميقات الزماني لهذا الركن العظيم؛ تيسيرًا على العباد، ورفعًا للحرج عن الأمة؛
إذ إن اختلافهم في تحديد أول وقت الوقوف يعد مظهرًا من مظاهر السعة والرحمة التي
جبلت عليها الشريعة الإسلامية الغراء، وهو ما يتيح لولي الأمر وللحجيج اختيار
الأنسب والأرفق بمصالح الناس وأمنهم، وتتجلى هذه السعة في المذاهب الآتية:
ذهب جمهور
الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن بداية وقت الوقوف هي زوال شمس يوم
عرفة (أي وقت الظهر) [الكَاسَانِي:
بدائع الصنائع (٢ / ١٢٥)، الدُّسُوقِي: حاشيته على الشرح الكبير، (٢ / ٣٧)،
النَّوَوِي: روضة الطالبين (٣ / ٩٧)].
أما الحنابلة
في معتمد المذهب: يَرون أن وقت الوقوف يبدأ من طلوع فجر يوم عرفة (يوم التاسع من
ذي الحجة) [المَرْدَاوِي:
الإنصاف (٤ / ٢٩)].
وبناء على ذلك: يجوز للحاج
أن يقف بعرفة في أي جزء من نهار يوم التاسع ولو قبل الزوال، ويصح وقوفه ويجزئه عن
الفرض كما هو مذهب الحنابلة؛ تيسيرًا على الحجيج وتفاديًا لمخاطر التكدس والزحام [البُهُوتِي: كشاف القناع (٢ / ٤٩٤)].
- حكم الوقوف
ليلًا ومنتهى وقت الوقوف
أجمع الفقهاء
على أن وقت الوقوف بعرفة ينتهي بطلوع الفجر الصادق من يوم النحر (يوم العاشر من ذي
الحجة)، فمن أدرك عرفة قبل هذا الوقت فقد أدرك الحج [ابن قدامة: المغني، ٣ / ٣٧٢،
وابن المنذر: الإجماع، ص ٥٧].
وبناءً عليه،
فإن من وقف بعرفة جزءًا من الليل قبل فجر يوم النحر ولم يقف شيئًا من نهار يوم
عرفة فحجه صحيح بإجماع المسلمين؛ لأن الوقوف ليلًا يجزئ عن الوقوف بالنهار، ولا
شيء عليه عند جمهور الفقهاء كالحنابلة؛ لقول حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه
وآله وسلم: «من أدركَ عرفةَ قبلَ أن يَطلعَ الفجرُ فقد أدركَ الحجَّ» [الترمذي: السنن، (٢٩٧٥)] [ابن
عبد البر: التمهيد، ٩ / ٢٧٥، وابن قدامة: المغني، ٣ / ٤٣٢].
بينما يرى
المالكية في قولٍ وجوب دمٍ على من وقف ليلًا فقط إذا لم يكن له عذر أو لم يكن
مراهقًا (وهو من ضاق وقته حتى خشي فوات الوقوف)، فمن وقف ليلًا بلا عذر فهو مسيء
عندهم، ومع ذلك فإن خوف الزحام وما فيه من خطر على النفس والبدن يعد عذرًا شرعيًا
صحيحًا يسقط الإثم والدم [ابن عبد البر: التمهيد، ٩ / ٢٧٥].
في عصرنا الحاضر، أزيل اللبس بوضع
علامات وشواخص ظاهرة تحيط بأرض عرفة قاطبة، تحدد بدايتها ونهايتها، وهو ما يوجب
على الحاج مزيدًا من الانتباه؛ لئلا يقع وقوفه في بقعة لم يشملها التحديد الشرعي
فيبطل حجه.
وجدير بالذكر أن جبل الرحمة يقع
في قلب عرفات لا في نهايتها، فلا يظن الظانُّ أن الوقوف لا يصح إلا عنده أو أن
الحدود تنتهي لديه، بل عرفة كلها موقف كما قرر الشارع الحكيم [راجع: النووي: المجموع، ٨ /
١١٠-١١١]
- وادي عُرَنَة (موضع النهي والالتباس)
يُعد وادي عرنة من أدق المواضع
التي يجب على الحاج الإلمام بها ومعرفتها معرفة تامة؛ نظرًا لتماسه المباشر مع أرض
عرفة واشتباه حدوده بها، فمن الناحية الجغرافية، يُعرف عرنة بضم العين وفتح الراء،
وهو وادٍ يقع بحذاء عرفات من جهة المزدلفة ومنى، ويحتل موقعًا دقيقًا بين العلمين
المحددين لعرفة والعلمين المحددين للحرم، مما يجعله بقعة وسيطة ليست من عرفة في
شيء، كما أنها ليست من الحرم عند جمهور الفقهاء [ياقوت الحموي: معجم البلدان، ٤ /
١١١، وحاشية الدسوقي: ٢ / ٣٨].
أما من الناحية الفقهية، فقد ذهبت جماهير الفقهاء إلى أن بطن
عرنة ليس جزءًا من عرفة، وبالتالي فإن الوقوف فيه لا يجزئ الحاج عن الركن؛ استنادًا
لنهي النبي صلى الله عليه وسلم الصريح في قوله: «كلُّ عرفةَ موقِفٌ،
وارتفعوا عن بطنِ عرنة» [مسلم: الصحيح، (١٢١٨)، والنووي: المجموع ٨ / ١٠٦]، وقد حكى الإمام ابن عبد البر
إجماع العلماء على بطلان وقوف من اتخذه موقفًا [ابن عبد البر: التمهيد، ١٠ / ٢٠]؛ إذ إن الحكم بالإجزاء فرع عن دخول
البقعة في المسمى الشرعي لعرفة، فمتى ثبت خروجها عنه انتفى الإجزاء بالتبعية [عثمان بن علي الزيلعي الحنفي: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق،
٢ / ٢٩]؛ لذا، يتحتم على ضيوف الرحمن التأكد من
تجاوز هذا الوادي والدخول إلى الحدود الفعلية لعرفة لضمان صحة الركن الأعظم.
يمثل مسجد نمرة حالة خاصة تتطلب من
الحاج وعيًا فقهيًا دقيقًا بحدود البناء مقارنة بحدود المشعر؛ فليس كُلُّه داخل
حدود عرفة، فمُقدَّم المسجد - وهو الموضع الذي خطب فيه النبي صلى الله عليه
وسلم يقع في - وادي عرنة، بينما يقع القسم المؤخر منه فقط داخل حدود عرفات.
وتأسيسًا على هذا التمييز المكاني تظهر
ثمرة الخلاف الفقهي؛ فإن من وقف في مقدم المسجد لم يصح وقوفه عند جمهور الفقهاء
لخروجه عن حدود المشعر، أما من وقف في القسم المؤخر منه فقد أدرك الحج بإجماع
المسلمين [النووي:
المجموع ٨ / ١٠٨].
ورفعًا لما قد يقع في وهم البعض من
أنَّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وخطبته في هذا الموضع تقتضي كونه من
عرفة؛ وجب التنبيه على أنَّ السُّنة النبوية قد فرَّقت بدقة بين محل الخطبة
والصلاة وبين محل الوقوف الركني؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم خطب وصلى ببطن
وادي عُرنة - وهو خارج عرفة - ثم انتقل بعدها بناقته لداخل حدود المشعر عند
الصخرات ليمكث فيها داعيًا ذاكرًا حتى الغروب، وبناءً عليه، صار مسجد نمرة الحالي
جامعًا بين الموضعين: مُقدَّمه الذي شهد الصلاة والخطبة وهو ليس من المشعر، ومؤخره
الذي شملته التوسعات ودخل في أرض عرفة، مما يستوجب على الحاج التحقق من موقع وقوفه
حمايةً لعبادته من الفوات.
وفي إطار الإرشاد المعاصر، قامت الجهات
المسئولة مشكورة بوضع لوحات إرشادية وعلامات فارقة وواضحة داخل أروقة المسجد، تبين
للحجيج الجزء الذي يقع ضمن عرفات والجزء الذي يقع خارجها؛ حمايةً لعبادة المسلمين
من الخلل، وضمانًا لصحة وقوفهم في هذا الركن الأعظم.
وبناء عليه: لا
يجوز توسيع رقعة عرفة خارج حدودها المجمع عليها؛ فمن وقف خارجها بطل حجه [ابن عبد البر: التمهيد (١٠ / ٢٠)].