ونلخص هنا آراء العلماء التي ذكروها في
المراد بالبركة في هذا الحديث:
- النمو والزيادة.
- الثبات واللزوم.
- يحتمل أن تكون بركة دينية، وهي ما يتعلق
بهذه المقادير من حقوق الله -تعالى- في الزكاة والكفارات.
- ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل
والقدر بهذه الأكيال، حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره.
- تكون البركة في التصرف في التجارة
وأرباحها، وكثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها.
- أن البركة زيادة في الكيل نفسه بعد أن فتح
عليهم البلاد وملكها أباهم فزاد مُدّهم وصار هاشميًا، مثل مد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين أو مرة ونصفًا.
وقال النووي -رحمه الله: "والظاهر من هذا كله أن البركة في
نفس المكيل في المدينة؛ بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها" [شرح
مسلم للنووي: ٩ /١٤٢].
وقد وردت الأحاديث الآتية في فضل المدينة
وفي تأكيد حرمتها وتفصيل تحريمها: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا
لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» [مسلم: ١٣٦٢].
والمراد باللابتين: الحرتان، والمفرد: لابلا، وهي الأرض الملينة
حجارة سوداء، وللمدينة لابتان شرقية وغربية، وهي بينها والتحريم للمدينة وللّابتين.
ومعنى العضاة: كل شجر فيه شوك.
وفي حديث آخر عند مسلم أيضًا: «إِنِّي
أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ
يُقْتَلَ صَيْدُهَا»، وقال: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ
لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا
أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى
لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ» [مسلم: ١٣٦٣].
وفي هذا الحديث مزيد لبيان فضل المدينة؛
حيث يبدلها الله خيرًا ممن يتركها، وحيث يجزي الله - تعالى - من يصبر على لأوائها؛
أي: على الشدة والجوع، وعلى جهدها أي المشقة، بأن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - شفيعًا أو شهيدًا له يوم القيامة.
واختصاص أهل المدينة بهذه الشفاعة خصوصية
لهم في شفاعة أخرى، غير الشفاعة العامة التي تكون لإخراج الناس من النار، وأما هذه
فتكون لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو بتوقيف الحساب أو بما شاء الله من ذلك كما
سيأتي تفصيل ذلك في الحديث الأول أن شاء الله -تعالى.
وفي حديث آخر عند مسلم بزيادة «وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ
الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ،
أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ»
[مسلم: ١٣٦٣]، وهذه عقوبة من أراد أهلها بسوء أن يذيبه الله في النار في الآخرة.
وقد يكون في اللفظ تأخير وتقديم أي: أذابه
الله ذوب الرصاص في النار، ويكون ذلك لمن أرادها بسوء في الحياة الدنيا، وأن الله -
تعالى - لا يمهله ويذهبه سريعًا كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل: مسلم
بن عقبة فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر
ذلك وغيرهما ممن فعل مثلهما.
وفي حديث آخر عند مسلم أيضًا: «الْمَدِينَةُ
حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ
لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ» [مسلم: ١٣٧١].
وفي حديث آخر: «فَمَنْ أَخْفَرَ
مُسْلِمًا» [البخاري:
١٨٧٠]؛ ومعنى أَخْفَرَ: نقض الأمان، والصرف: القرض، والعدل: النافلة، وقيل: الصرف: التوبة، والعدل: القربة.
وقال
الخطابي: قوله لا يقبل منه عدل ولا صرف؛ فإنه يقال في تفسير العدل أنه الفريضة
والصرف النافلة، ومعنى العدل هو الواجب الذي لا بد منه ومعنى الصرف الربح والزيادة
ومنه صرف الدراهم والدنانير والنوافل زيادات على الأصول فلذلك سميت صرفًا [معالم
السنن: ٢/٢٢٤ - المطبعة العلمية].
وحديث آخر :«مَا مِنَ الْمَدِينَةِ
شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا
إِلَيْهَا»؛ [مسلم: ١٣٧٤] والشعب: الفرجة النافذة بين جبلين، وقيل:
الطريق في الجبل.
والنقب مثل: الشعب، وقيل: هو الطريق في
الجبل، وقال
الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها [إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم: ٤ /٤٩٤ - دار الوفاء للطباعة]، وفي
هذا كله بيان لفضل المدينة وكرامة لسيدنا رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -.