وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
من الدروس العظيمة التي نتعلمها من هجرة المصطفى ﷺ نزول السكينة على المؤمن الحق فيصير في معية الله تعالى يحوطه بعنايته ورعايته، فقد أنزل الله السكينة على رسوله ﷺ وصاحبه أبي بكر أثناء مواجهتهما للمكاره والصعاب أثناء الهجرة وآمنهم من كل خوف، وهي نعمة كبرى من نعم الله عز وجل يختص بها أنبياءه وأولياءه، فيجعل قلوبهم في سكون واستقرار وأمان نفسي، فلقد طارد كفار قريش النبي ﷺ وتقفوا أثره، ورصدوا المكافآت، ورصدوا الجوائز لمن يقبض عليه أو يدلهم على موضعه!!
وحلَّ الحبيب المصطفى ﷺ مع الصديق -رضي الله عنه- بغار ثور، وإذا بالمشركين يرابطون حول الغار، وهنا تتدخل العناية الإلهية لتشمل المصطفى ﷺ بالعناية والرعاية والتأييد، وبكى أبو بكر - رضي الله عنه - وقال للنبي ﷺ "يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ"، وهنا يشعر المصطفى ﷺ بالطمأنينة والسعادة تغمر فؤاده، فيخاطب صاحبه بلسان اليقين ومنطق الحق المبين قائلًا له: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا» [أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (١١) واللفظ له، وأصله في صحيح البخاري: (٤٦٦٣)].
حقًّا، إنه عبق الإيمان ونور اليقين يخرج من فم وقلب سيد النبيين، فيخرج صاحبه من الشدة والفزع والخوف ويشعره بالراحة النفسية ويطمئن قلبه بتلك الكلمات الماتعة، ويسجل القرآن الكريم تلك اللحظة السعيدة من جوف الغار ويطلعنا على حقائق الأسرار فيقول العزيز الغفار: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾ [التوبة: ٤٠].
إنها معية الله وعنايته ورعايته التي حولت الحزن إلى سرور، والهم إلى فرح، والكرب إلى فرج، والهزيمة إلى نصر، وكم لله من منح، وكم لله من عطاءات يدخرها لأنبيائه وأوليائه، ومن رحم البلاء يولد العز، ومن جوف البلايا تأتي المنح، فأزالت السكينة كل ضرر أو حاجة كما قالها الخليل إبراهيم عليه السلام حين همَّ قومه بإلقائه في النار، وعرض عليه جبريل عليه السلام أن يعينه فرد عليه قائلًا: «أما إليك فلا، وأما من الله فبلى»، [تفسير ابن كثير (٥/ ٣٥١)] فأنجاه الله من النار وخاطبها قائلًا: ﴿یَٰنَارُ كُونِی بَرۡدࣰا وَسَلَٰمًا عَلَىٰۤ إِبۡرَٰهِیمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، وهي المعية التي أحاطت الكليم موسى عليه السلام حين أرسله الله إلى فرعون فخاف من بطشه فطمأنه ربه قائلًا: ﴿لَا تَخَافَاۤۖ إِنَّنِی مَعَكُمَاۤ﴾ [طه: ٤٦].
ويصف الإمام البوصيري -رحمه الله- تلك السكينة بقوله:
وُقايَةُ الله أغنَت عَن مُضاعَفَةٍ ... من الدُّروعِ وعن عالٍ مِن الأُطُمِ
مَا سَامَنِي الدَّهْرُ ضَيمًا وَاسْتَجَرْتُ بِهِ ... إِلَّا وَنِلْتُ جِوَارًا مِنْهُ لَمْ يُضَمِ
ولا التمستُ غِنَى الدارَين من يَدِهِ ... إلا استلمتُ النَّدَى مِن خَيرِ مُستَلَمِ
الثبات واليقين في أوقات المحن يثمران سكينة تملأ القلوب وتزيل الخوف، فالمعية الإلهية هي الزاد الحقيقي للمؤمن، وبها يستمد قوته وطمأنينته لتجاوز أصعب اللحظات والتحديات، مستندًا إلى إيمانه العميق وقربه من الله عز وجل.
كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان.
نسائم بداية العام تتلاقى مع روائح ختام العام المنقضي.
كان المجتمع المكي قبل الهجرة قائمًا على العصبية القبلية والتمييز الطبقي.