كان السلف الصالح يترجمون الفضائل النظرية إلى واقع عملي
ملموس. فلم تكن هذه الأيام تمر عليهم كأيام السنة العادية، بل كانوا يُشمِّرون
فيها عن سواعدهم ويرفعون حالة التَّعَبُّد إلى أقصى درجاتها، ويُحْيُون فيها
السُّنَنَ التي نبَّه عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وتنوعت فيها صور
طاعتهم لخالقهم لتشمل كل أبواب الخير ، ومن أبرزها:
(أ) إحياء سنة التكبير والذكر في
الأسواق:
كان السلف يجهرون بالتكبير في البيوف والطرقات والأسواق، ليعم
تعظيم الله في كل مكان، فكان هذا هو حال عبد الله بن عمر وأبي هريرة –رضي الله
عنهما- فقد خرَّج الإمام البخاري في صحيحه معلقًا: "وكان ابن عمر وأبو هريرة
يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما".
ولم يكن تكبيرهم تكبيرًا جماعيًا مُنْضَمًّا، بل كان كل واحد
يكبر بمفرده، فيتذكر الناس التكبير فيكبر كل واحد لنفسه، حتى ترتجّ السوق بأصوات
التكبير.
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يُكبّر في قبته بمنى فيسمعه
أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا.
(ب) الصيام والمداومة عليه:
كان الصيام من أحب الأعمال إليهم في هذه الأيام، وذلك لأنَّ
الصيام داخل في جملة العمل الصالح، بل من أفضل الأعمال الصالحة والنوافل التي
يُتَقَرَّب بها إلى رب العالمين؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم، «من صامَ
يومًا في سبيلِ اللَّهِ فريضةً؛ باعدَ اللَّهُ منهُ جهنَّمَ كما بينَ السَّماواتِ
والأرضِ، ومن صامَ يومًا تطوُّعًا؛ باعدَ اللَّهُ منهُ جهنَّمَ مسيرةَ ما بينَ
السَّماءِ والأرضِ» [مجمع الزوائد للهيثمي، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير].
فكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يصوم العشر كلها، وكان
الحسن البصري وابن سيرين وقتادة يفرغون أنفسهم للصيام في هذه الأيام، ويرون أن
صيام يوم منها يعدل صيام شهر أو أكثر في الفضل.
(ج) قيام الليل:
كانوا يُحْيُون ليالي
العشر بالصلاة، مستشعرين أن ليالي العشر لها المنزلة العظيمة التي من أجلها أقسم
الله –تعالى- بها فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: ١-٢]. ، والجمع
بين قيام الليل وصيام النهار هو غاية المجاهدة، وقد مرَّ بنا قول التابعي الجليل
سعيدبن جبير "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر".
(د) الصدقة:
كان بعض السلف يخص هذه الأيام بصدقات يومية متتابعة، اقتداءً
بالحديث الشريف «العمل الصالح فيها أحب إلى الله»، وكان أبو موسى الأشعري -رضي
الله عنه- يُعَظِّم هذه الأيام تعظيمًا شديدًا، ويرى أن الصدقة والعمل الصالح فيها
له مزية كبرى. وروي عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يضاعفون نفقاتهم
وصدقاتهم في هذه العشر. [فتح الباري].
(ه) قراءة القرآن:
كان أبو عوانة اليشكري -واسمه (الوضاح بن عبد الله)- كان من
شدة تعظيمه للعشر واجتهاده في القرآن، أنه يختم القرآن في كل ثلاث ليالٍ من العشر.
(و) حفظ الجوارح:
كان بعض التابعين إذا دخلت العشر لا يُرى إلا مصلّيًا أو
ذاكرًا أو كافًّا لسانه إلا عن خير، وكانوا يتواصون بحفظ الجوارح، خاصة السمع
والبصر واللسان؛ تهيئةً ليوم عرفة مستحضرين قول النبي ﷺ في يوم عرفة: «يومٌ مَن
مَلَكَ فيه سَمْعَه وبَصَرَه ولِسانَه غُفِرَ له» [رواه أحمد].