Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حج القلوب - كيف نعيش أجواء مكة ونحن في أوطاننا

الكاتب

هيئة التحرير

حج القلوب - كيف نعيش أجواء مكة ونحن في أوطاننا

لماذا نالت أيام العشر من ذي الحجة هذه المكانة العالية، وكيف يستفيد منها من لم يكتب الله له الحج؟ 

نالت هذه المكانة لأنها موسم اجتماع أمهات العبادة، فتجتمع فيها أصول العبادات الكبرى التي لا تجتمع في غيرها معًا، وعلى من فاته الحج بجسده، أن يغتنم هذه الأيام بكثرة الطاعات كالتكبير والصيام والصدقة وقراءة القرآن.

لماذا تربَّعت "العشر" على عرش الزمان؟

إن حكمة التشريع سرٌّ من أسرار العليم الحكيم؛ فتارة تراها ظاهرة ماثلة للعيان، وتارة تراها خفية لا يدركها إلا أهل العلم، وتارة تكون مجهولة تمامًا حتى للراسخين في العلم؛ فإن أهل العلم قد تكلموا في حكمة تفضيل العشر الأوائل من ذي الحجة، وذهبوا فيها مذاهب شتى، ولكنها في مجملها ترجع إلى حكمة كلية رئيسة مستقاة من قوله -تعالى: ﴿وَرَبُّكَ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُ وَیَخۡتَارُۗ﴾ [القصص: ٦٨]، فالاصطفاء والاختيار والتفضيل من أعلى خصوصيات الخالق، وهذا الكلام إنما يقودنا إلى إعادة طرح السؤال نفسه: بم تفوقت أيام العشر ونالت المكانة السامقة في الفضل والخير؟  

وحتى نُلمَّ بالحديث عن الأيام العشر من جميع جوانبه لا بد أن نُبحر في عباب التاريخ منذ آثار النبوة الأولى، وبناء خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- الكعبة المشرفة، وأمر الله -عز وجل- له بالتأذين في الناس بالحج، وبداية شعيرة الحج السنوية في شهر معين، ولكرم وعظم الفريضة فيه أطلق عليه العرب شهر "ذي الحجة"، ومنذ أن تشرفت تلك الأيام بركن الإسلام الأعظم؛ الحج، صارت منبع الخيرات وموئل البركات وموسم النفحات، وفضلت عن سواها بأمور لا تجتمع في سواها، ومنها:

١- أنها أفضل أيام العام على الإطلاق؛ فقد ورد عن سيدنا  عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:  «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [سنن أبي داود (٢٤٣٨)].

٢- أنها الأيام المعلومات التي شرع الله فيها ذكره: قال تعالى: ﴿لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِی یَوۡمَیۡنِ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّكُمۡ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:" وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: "إن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق" [ابن رجب الحنبلي، فتح الباري (٩ /٥)].

٣- أنها الأيام المتمِّمات: قال تعالى: ﴿وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِینَ لَیۡلَةࣰ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرࣲ فَتَمَّ مِیقَٰتُ رَبِّهِۦۤ أَرۡبَعِینَ لَیۡلَةࣰۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِیهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِی فِی قَوۡمِی وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِیلَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].

قال الإمام القرطبي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمَسْرُوقٌ: هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ الشَّهْرَ، وَيَنْفَرِدَ فِيهِ بِالْعِبَادَةِ، فَلَمَّا صَامَهُ أَنْكَرَ خَلُوفَ فَمِهِ فَاسْتَاكَ، قِيلَ: بِعُودِ خَرْنُوبٍ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْشِقُ مِنْ فِيكَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ فَأَفْسَدْتَهُ بِالسِّوَاكِ، فَزِيدَ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ [القرطبي، الجامع لأحكام القران (٧/٢٧٤)]، وذكر الإمام الرازي عدة أقوال لهذه الآية، منها: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذۡ ‌وَٰعَدۡنَا ‌مُوسَىٰۤ﴾ [البقرة: ٥١]، مَعْنَاهُ وَاعَدْنَا مُوسَى انْقِضَاءَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، كَقَوْلِهِمْ: الْيَوْمُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُنْذُ خَرَجَ فُلَانٌ، أَيْ: تَمَامُ الْأَرْبَعِينَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿وَسۡءَلِ ‌ٱلۡقَرۡیَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢]، وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْمُرَادُ انْقِضَاءَ أَيِّ: أَرْبَعِينَ كَانَ، بَلْ أَرْبَعِينَ مُعَيَّنًا وَهُوَ الثَّلَاثُونَ مِنْ ذِي الْقَعْدَة،ِ وَالْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّ مُوسَى - عليه السلام - كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ هَذِهِ الْأَرْبَعُونَ [الفخر الرازي، مفاتيح الغيب (٣ /٥١١)].

٤- أن الله تعالى أقسم بها: وإذا أقسم الله بشيء دلَّ هذا على عِظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يُقسِم إلا بالعظيم، قال تعالى: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ * وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ﴾ [الفجر: ١-٢]، قال ابن كثير: "والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغيرُ واحد من السلف والخلف" [ابن كثير، تفسير القران العظيم (١٤ /٣٣٨)].

من حبسَه العذر أدركه الأجر

من فاته المكان لم يَفتْه الزمان، وفي مثل هذه الأيام المباركات من كل عام تتحرك قوافل الحجيج من كل حدب وصوب، ميمِّمة وجوهها شطر البيت الحرام لأداء مناسك فريضة الحج، معلنةً خضوعها لرب البرية، ملبية للنداء الخالد الذي أطلقه أبو الأنبياء الخليل ابراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیقࣲ﴾ [الحج: ٢٧].

ومن لم يتيسر لهم الحج من المسلمين؛ فإن أفئدتهم تهوي وتخفق نحو هذه البقاع، وتشرئبُّ أنظارها إليها، تحقيقًا لدعوة الخليل الخالدة -عليه السلام- ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡءِدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، والتي تتحقق منذ ذلك الحين إلى وقتنا هذا، فنراها في الرغبة العارمة في حج بيت الله الحرام من قِبَل الصغار قبْل الكبار، ومن عظمة الإسلام في تشريعاته: أنه يفتح لعباده من العبادات والخير ما يعوضهم عن بعض ما يفوتهم من الخير والعبادات، والتي تتطلب قدرًا من الاستطاعة المادية أو البدنية.

والنصوص الشرعية في المسألة كثيرة؛ ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ، إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» [مسلم (١٠٠٦)].

فمن فاته الحج في هذا العام فدونه العمل الصالح في هذه الأيام، قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "لما كان الله سبحانه قد وضع في نفوس المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرًا على مشاهدته في كل عام، فرض على المستطيعِ الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركًا بين السائرين والقاعدين؛ فمن عجز عن الحج في عام، قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج" [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف (١/٦٠١)].

لَيالي العَشْرِ أوْقاتُ الإجابَهْ … فَبادِرْ رَغْبَةً تَلْحَقْ ثوابَهْ

ألا لا وَقْتَ لِلعُمَّالِ فيهِ … ثَوابُ الخَيْرِ أقْرَبُ لِلإصابَهْ

مِنَ اوقاتِ الليالي العَشْرِ حَقًّا … فَشَمِّرْ وَاْطلُبَنْ فيها الإنابَهْ

مناسك الأرواح حين تُحرم القلوب وتطوف النفوس

الطريق إلى الله -تعالى- طريق طويل وشاق، يحتاج فيه العبد لأهمَّ من قوة البدن، وهي قوة القلب وإخلاصه ويقينه وسلامة نيته؛ فالطريق إلى الله تُقطع بالقلوب لا بالأبدان، فيبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله؛ فالنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- في غزوة تبوك حث الصحابة على الإنفاق في سبيل الله وعلى الجهاد، فجاءه الضعفاء والفقراء من المسلمين؛ ليحملهم معه، فاعتذر لأنه لا يجد ما يحملهم عليه؛ فماذا كان شعورهم؟ هل قالوا في أنفسهم: عملنا ما علينا، ورجعوا وهم فرحين بإعفائهم من مشقة الجهاد وكلفته؟ أم أن قلوبهم تمزقت حزنًا وألمًا؛ لأنهم لا يجدون ما ينفقون؟

لقد وصف القرآن الكريم مشاعرهم بأروع الآيات والأوصاف؛ فقال عز مِن قائل: ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِینَ إِذَا مَاۤ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَاۤ أَجِدُ مَاۤ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَیۡهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعۡیُنُهُمۡ تَفِیضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا یَجِدُوا۟ مَا یُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]، فكان جزاء صدق نيتهم أن أشركهم في الأجر والثواب مع من غزوا وجاهدوا في سبيله؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- رجع من غزوة تبوك، فدَنَا من المدينة فقال: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» [البخاري (٤٤٢٣)].

فمن حبسه العذر عن الذهاب إلى مكة للحج وهو صادق العزم والنية، ويهفو قلبه وتشتاق نفسه للذهاب، فليَعش هذه العَشر المباركات كأنه أحدُ حجاج بيت الله، ويتمثل مشاهدَهم ومشاعرهم وأخلاقهم، والأجر والثواب عند الله.  

فإذا أحرم الحجيج من الميقات فليُحْرم قلبه عن كل ما يغضب الله -تعالى- من حقد، وغل، وكراهية، ونفاق، ورياء، وليخلع مع الحجيج ثياب المعصية، والزور، والبهتان، وليتزين بلباس التقوى والإيمان، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَیۡرࣱۚ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وإذا طافوا حول الكعبة هناك فليَعرُج قلبه وروحه وهو في محراب الصلاة نحو السماوات العلا؛ لتطوف روحه مع الملائكة الكرام حول البيت المعمور، مترفعة على الدنيا وحقارتها وسفاسف الأمور.  

وإذا سعوا بين الصفا والمروة فليسْعَ المعذور في قضاء حوائج الناس؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهُم للناسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى الله سرورٌ تدخله على مُسْلمٍ، أو تكشِفُ عنْهُ كُرْبة، أو تقضى عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المُسْلِم في حاجة أحبُّ إلىَّ من أن أَعتكِفَ، في هذا المسْجِد شهرًا، ومن كفَّ غضبه ستر اللهُ عورته، ومن كظم غيظه - ولو شاء أنَ يُمضيه أمضاه - مَلأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يُثبتها له أثبت اللهُ قدميه يومَ تزول الأقدامُ، وإن سوءَ الخلق ليُفسدُ العملَ كما يُفْسد الخلُّ العَسَلَ» [السيوطي، الجامع الكبير (٣٥/٦١٩)].

وإذا كانوا يُقبِّلونَ الحجر الأسود فليقَبِّل يديْ أبيه وأمه وليَبرَّهما؛ فهما باب الجنة، وإذا كانوا يشربون ويغتسلون من زمزم فليغسل وجهه وليطهر قلبه بدموع التوبة والندم على ما أسلف من الذنوب والمعاصي، وحين يقف الحجيج بعرفات خاشعين متذللين ضاجِّين باكين؛ فليدخل مسجده وليرفع أكفَّ الضراعة يناجي ربه، وليخِرَّ ساجدًا لوجهه الكريم سجدة ذل وانكسار، وليعلن فاقته وفقره وضعفه وندمه بين يدي العزيز الغفور؛ طالبًا فكاك رقبته في اليوم الذي يعتق فيه الله -عز وجل- أكثر مما يعتق في سائر العام، وحين يتزاحم الحجيج لرمي الجمرات؛ فليعلن حربًا على الشيطان، وليطرد وساوسه بالاستعانة بالله، والاستعاذة به، وليقطع علائق الشيطان بالتوبة، وترك مواطن الشبهة والشهوة.

محراب المقيمين زادُ الطاعة في أيام النفحات

وإذا قدَّموا الهدي قدّم هو الأُضحِيَة طيبة بها نفسه؛ ليعتق به نفسه، وليتحلل بها من أوزاره ومعاصيه؛ طالبًا القربى بتلك القربة، أعمال العشر، وأعمال الحج، وغير حج القلوب والنفوس إلى كعبة السماء وعرش الرحمن، فإن أعمال العشر الأوائل من ذي الحجة بها من الخيرات والبركات والاشتراك في الأجر والمثوبة مثل ما يقع من أعمال الحجيج في موسم الخير، نذكر منها على وجه الخصوص ثلاثة في مقدور الجميع -عدا المرضى المعذورين- أداؤها، وهي:

١- الصوم: فإذا كان الحجيج يطلبون من ربهم أن يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم، فيعودوا إلى رحالهم كيوم ولدتهم أمهاتهم؛ فإن في أعمال العشر ما ينوب عن ذلك، وعلى رأس تلك الأعمال الصيام، وخاصة صوم يوم عرفة؛ فقد روى أبو قتادة - رضي الله عنه عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «صِيامُ يوم عرفة أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السَّنة التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه، وصيام يوم عاشوراء أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السنة التي قبلَه» [مسلم (١١٦٢)].

وأكثر ما يعتق من الرقاب يوم عرفة، وإلى هذا أشار النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ» [رواه مسلم (١٣٤٨)]، فالحجيج يُكفِّر الله -عز وجل- عنهم ذنوبهم يوم عرفة، وغيرهم من الصائمين الطائعين يُكفِّر الله -عز وجل- ذنوبهم وهم في بلادهم على بعد مئات أو آلاف الأميال من مكة، وهذا من نعمة الله -عزَّ وجلَّ- على المسلمين جميعًا.  

٢- الدعاء: مِن دأب الناس في أيام الحج سؤالهم الحجيج بالدعاء لهم على عرفة، وعند الجمرات، وعند الملتزم، وفي أيام الموسم كلها، حتى أصبح الأمر سنة ماضية بين الناس، ولمن حبسه العذر سبيل للترقي في الدعاء، وذلك بصورة عامة في كل ليلة، وبصورة خاصة في يوم عرفة؛ فعن أبى هُرَيرة - رضي الله عنه - عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. أَنَا الْمَلِكُ. مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ! مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ! مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ! فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ» [مسلم (٧٥٨)]، وفي روايةٍ أخرى لمسلم: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللهُ - عزوجل - إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ» [مسلم (٧٥٨)].

ماذا يريدُ الإنسان أكثر من ذلك؟! الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يتودَّد إليك ويُرِيدك أنْ تسأَلَه حاجتَك، فهلمّ بحاجاتك كلها يا عبد الله، ضَعها بين يدي الكريم الذي لا يُضام سائله، كما أن يوم عرفة يوم يرجى إجابة الدعاء فيه؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رواه الترمذي (٣٥٨٥) ]، فعلى المسلم أن يتفرغ للذكر والدعاء والاستغفار في هذا اليوم العظيم، وليدْعُ لنفسه ولِوالديْه ولأهله وللمسلمين أجمعين بما يحب ويرجو.  

٣- الذكر: من مقاصد الحج الذكر، ويتضح ذلك من قول الله -تبارك وتعالى: ﴿لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡبَاۤئِسَ ٱلۡفَقِیرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقوله عز وجل: ﴿لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُوا۟ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَیۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَاۤءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرࣰاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا فِی ٱلدُّنۡیَا وَمَا لَهُۥ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقࣲ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِی یَوۡمَیۡنِ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّكُمۡ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].

وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر -رضِي الله عنهما- عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ» [أحمد (٥٤٤٦)].

يـــا ســائـرًا نــحـو الـحجاز مـشـمرًا ... أجهد فديتك في المسير وفي السرى

وتـــذرع الـصـبر الـجـميل ولا تـكـن ... فــي مـطـلب الـمـجد الأثـيل مـقصرًا

اقصد إلى حيث المكارم والندى ... يلقاك وجههما مضيئًا مقمرًا

وإذا سهرت الليل في طلب العلا ... فحذار ثم حذار من خدع الكرى 

[محمد بن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، ج٣، ص٤٤٤].

فالشوق إلى لقاء الله - عز وجل - يُشَوِّقُه إلى أسباب اللقاء لا محالة، هذا مع أن المُحب مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة … والبيت مضاف لله - عز وجل - فبالأحرى أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة، فضلًا عن الطلب لنيل ما وُعد عليه من الثواب الجزيل.

حنين الوجد حين يحجُّ المرءُ بالروح لا بالقدم

وهذا الحب والشوق المتأجج في القلوب لا تسكن جَذوتُه إلا بمُشَاهَدٍ يوجِّه المُحب إليه أشواقَه، ويقضي به حنينه، ويذَكِّرُه بالمحبوب سبحانه.

وإذ قد منعهم العذر عن شدِّ رحال الأجساد، توجهت قلوبهم وأرواحهم للقاء محبوبهم، وتعلقت بالبيت والمشاعر، فعظموها كما أمر الله - سبحانه: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، كلما ذُكر لهم البيت والمشاعر حنوًا، وكلما تذكروا بُعدهم بكوًا وأنُّوا، ويحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى دار الأحبة وهو قاعد أن يحزن، غبطة لمن وصلهم الله لا حسدًا، لسان حالهم يقول:

لــلــه در ركــائــب ســــارت بــــــهــم     تطوي القفار الشاسعات على الدجى

رحـــلوا إلـى الـبيت الحرام وقد شجـا      قـلـب الـمـتيم مـنـهم مــا قــد شـجــا

نــزلــوا بــبــاب لا يــخـــيـب نـزيـــــلـه    وقـلـوبـهم بــيـن الـمـخـافـــة والـرجـا

وما أرق وأجمل قول الشاعر:

ألا قـــل لــزوار دار الـحــــبيب       هـنيئاً لـكم في الجنان الخلود

أفيضوا علينا من المـــاء فيضا        فـنـحن عـطـــاش وأنـتم ورود

[ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، (١/٤١٨)]. 

ولشيخنا الإمام الرائد رحمه الله – محمد زكي ابراهيم– قطعة أدبية رائقة حول حال أهل الشوق، عنوانها: (ذكَّروني فذكرت)، ضمَّنها أبياتاً للإمام السيد إبراهيم الخليل - رضي الله عنه - نقتطف منها قول شيخنا الرائد عليه سحائب الغفران والرضوان:

إن قـصر الـمــــال أو إن قـصرت هـممي     أحـــج بــالـروح حــج الـنـاس بـالـقـــــدم

أطــوف بـالـبيت أو أسـعـى عـلـى ثـقة       فـي مـشهد مـن مـجالي الـغيب مزدحم

مــهـيـم فــــي أداء الــنـسـك مـجـتـهد       تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي

يــرانـي الــنـاس طـيـفـاً ثـــم بـيـنـهمو          عـلـى مـقـامي فـلـم أحـرم مـن الـحرم

[من كتاب "كلمة الرائد" لفضيلة الإمام الرائد الشيخ: محمد زكي إبراهيم]

الخلاصة

إن العشر من ذي الحجة ليست مجرد زمن يمر، بل هي "محراب" مفتوح للأرواح التائقة، إن حبسك العذر عن الطواف بالبيت، فليطف قلبك بعرش الرحمن بالذكر والإخبات، ولتغتسل روحك بدموع التوبة في يوم عرفة، إن فلسفة النية في الإسلام تفتح لك أبواب الأجر موازية لجهد الحجيج، فاجعل من ذِكرك وطاعتك وزادك في هذه الأيام مركبًا يبلغ بك منازل المتقين، فالكريم يعطي على الصدق ما لا يعطي على العمل المجرد.

موضوعات ذات صلة

أسرار الحج والعمرة دليلك الشامل لخطوات صحيحة ومناسك مقبولة.

يوم عرفة: أسرار إكمال الدين وميثاق الغفران وتجليات الرحمة.

أسرار الهدي: مدرسة التوحيد والتكافل وفقه العبادة في الحج.

موضوعات مختارة