وإذا
قدَّموا الهدي قدّم هو الأُضحِيَة طيبة بها نفسه؛ ليعتق به نفسه، وليتحلل بها من
أوزاره ومعاصيه؛ طالبًا القربى بتلك القربة، أعمال العشر، وأعمال الحج، وغير حج
القلوب والنفوس إلى كعبة السماء وعرش الرحمن، فإن أعمال العشر الأوائل من ذي الحجة
بها من الخيرات والبركات والاشتراك في الأجر والمثوبة مثل ما يقع من أعمال الحجيج
في موسم الخير، نذكر منها على وجه الخصوص ثلاثة في مقدور الجميع -عدا المرضى المعذورين- أداؤها، وهي:
١-
الصوم: فإذا
كان الحجيج يطلبون من ربهم أن يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم، فيعودوا إلى رحالهم
كيوم ولدتهم أمهاتهم؛ فإن في أعمال العشر ما ينوب عن ذلك، وعلى رأس تلك الأعمال
الصيام، وخاصة صوم يوم عرفة؛ فقد روى أبو قتادة - رضي الله عنه عن النبي -صلَّى الله
عليه وسلَّم- قال: «صِيامُ يوم عرفة أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السَّنة التي
قبلَه والسنةَ التي بعدَه، وصيام يوم عاشوراء أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السنة
التي قبلَه» [مسلم (١١٦٢)].
وأكثر
ما يعتق من الرقاب يوم عرفة، وإلى هذا أشار النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في
الحديث الشريف؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: «إِنَّ
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ
يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ
لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ
: مَا
أَرَادَ هَؤُلَاءِ» [رواه مسلم (١٣٤٨)]، فالحجيج
يُكفِّر الله -عز وجل- عنهم ذنوبهم يوم عرفة، وغيرهم من الصائمين الطائعين يُكفِّر
الله -عز وجل- ذنوبهم وهم في بلادهم على بعد مئات أو آلاف الأميال من مكة، وهذا من
نعمة الله -عزَّ وجلَّ- على المسلمين جميعًا.
٢-
الدعاء: مِن
دأب الناس في أيام الحج سؤالهم الحجيج بالدعاء لهم على عرفة، وعند الجمرات، وعند
الملتزم، وفي أيام الموسم كلها، حتى أصبح الأمر سنة ماضية بين الناس، ولمن حبسه
العذر سبيل للترقي في الدعاء، وذلك بصورة عامة في كل ليلة، وبصورة خاصة في يوم
عرفة؛ فعن أبى هُرَيرة - رضي الله عنه - عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «يَنْزِلُ
اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ
يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. أَنَا الْمَلِكُ.
مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ! مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي
فَأُعْطِيَهُ! مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ! فَلَا يَزَالُ
كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ» [مسلم (٧٥٨)]، وفي روايةٍ أخرى لمسلم: «إِذَا
مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللهُ - عزوجل - إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ
مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ» [مسلم
(٧٥٨)].
ماذا
يريدُ الإنسان أكثر من ذلك؟! الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يتودَّد إليك ويُرِيدك
أنْ تسأَلَه حاجتَك، فهلمّ بحاجاتك كلها يا عبد الله، ضَعها بين يدي الكريم الذي
لا يُضام سائله، كما أن يوم عرفة يوم يرجى إجابة الدعاء فيه؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «خَيْرُ
الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ
مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رواه الترمذي (٣٥٨٥) ]، فعلى المسلم أن يتفرغ
للذكر والدعاء والاستغفار في هذا اليوم العظيم، وليدْعُ لنفسه ولِوالديْه ولأهله
وللمسلمين أجمعين بما يحب ويرجو.
٣- الذكر: من مقاصد الحج الذكر، ويتضح ذلك من قول الله -تبارك
وتعالى: ﴿لِّیَشۡهَدُوا۟
مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ
مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟
ٱلۡبَاۤئِسَ ٱلۡفَقِیرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقوله عز وجل: ﴿لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ
جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُوا۟ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ
عَرَفَٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا
هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ [البقرة:
١٩٨]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَیۡتُم
مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَاۤءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ
ذِكۡرࣰاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا فِی ٱلدُّنۡیَا وَمَا
لَهُۥ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقࣲ﴾ [البقرة:
٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟
ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِی یَوۡمَیۡنِ فَلَاۤ
إِثۡمَ عَلَیۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ
وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّكُمۡ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [البقرة:
٢٠٣].
وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر -رضِي
الله عنهما- عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ
أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ
هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ،
وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ» [أحمد (٥٤٤٦)].
يـــا ســائـرًا نــحـو الـحجاز مـشـمرًا ...
أجهد فديتك في المسير وفي السرى
وتـــذرع
الـصـبر الـجـميل ولا تـكـن ... فــي مـطـلب الـمـجد الأثـيل مـقصرًا
اقصد إلى حيث المكارم والندى ... يلقاك
وجههما مضيئًا مقمرًا
وإذا سهرت الليل في طلب العلا ... فحذار ثم
حذار من خدع الكرى
[محمد بن
شاكر الكتبي، فوات الوفيات، ج٣، ص٤٤٤].
فالشوق
إلى لقاء الله - عز وجل - يُشَوِّقُه إلى أسباب اللقاء لا محالة، هذا مع أن المُحب
مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة … والبيت مضاف لله - عز وجل - فبالأحرى أن يشتاق
إليه لمجرد هذه الإضافة، فضلًا عن الطلب لنيل ما وُعد عليه من الثواب الجزيل.