Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة النبوية أعظم نموذج للتكافل في الإسلام

الكاتب

هيئة التحرير

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة النبوية أعظم نموذج للتكافل في الإسلام

كيف تحولت أزمة الهجرة النبوية الحرجة وتجريد المهاجرين من أموالهم إلى نقطة انطلاق لبناء دولة قوية؟

تجلى ذلك في عبقرية مبدأ (المؤاخاة) النبوي الذي حوّل المعاناة المادية والنفسية إلى ملحمة تكافل وتآخٍ غير مسبوقة صهرت المجتمع في نسيج واحد.

السياق التاريخي للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة النبوية

واجه المجتمع الإسلامي الناشئ عقب الهجرة النبوية المباركة إلى المدينة المنورة أزمة مركّبة هددت كيانه؛ حيث تدفق المهاجرون من مكة المكرمة بعد أن جُرِّدوا من كافة ممتلكاتهم وثرواتهم وتجارتهم بضغط من قريش، وقد وثق القرآن الكريم هذه الحالة في قوله تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، فصاروا عبئًا على يثرب ذات الطبيعة الزراعية المحدودة الموارد، والمهيأة بطبيعتها لنظام معيشي محدد لا يستوعب مئات الوافدين دفعة واحدة، فضلًا عن معاناتهم النفسية بسبب مفارقة وطنهم، وفي هذا السياق الحرج تجلت العبقرية القيادية والتشريعية للنبي – صلى الله عليه وسلم - في صياغة (وثيقة المدينة) لتكون دستورًا سياسيًّا ينظم العلاقات بين ساكني المدينة بمن فيهم اليهود، ثم أطلق مبادرة (المؤاخاة) في دار أنس بن مالك - رضي الله عنه – [صحيح البخاري: ٢/ ٨٠٣]، "فكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه - وَخَارِجَةُ بْنُ زُهَير أَخُو بلْحَارث بْنِ الخَزرج أَخَوَيْنِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - وعِتْبان بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْف بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ أَخَوَيْنِ، وَأَبُو عُبيدة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن الجراح وَسَعْدُ بنُ مُعاذ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخَوَيْنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْف وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخُو بلْحارث بْنِ الْخَزْرَجِ أخَوَيْن..." [سيرة ابن هشام: ٢ /١٠٩، وصحيح البخاري: ٣/ ١٥٣]؛ ليكون هذا العقد وسيلة أمان اجتماعي بديلة عن الرابطة القبلية الجاهلية، ومؤسسًا لدولة قوية تذوب فيها العصبية وتتحطم على عتباتها التحديات الداخلية والخارجية.

المرتكزات الإيمانية والتشريعية للتكافل في عقد المؤاخاة

تأسست مبادرة (المؤاخاة) على مرتكزات عقائدية وتدابير تشريعية صارمة جعلت من الأخوة الإيمانية أصلًا مقدمًا حتى على أواصر الدم والقرابة في بداية الأمر؛ إذ شرع الإسلام نظام التوارث المالي بين الأخوين المتآخيين دون ذوي أرحامهم كحل تشريعي استثنائي وجذري للأزمة المادية الحادة للمهاجرين، وهو ما وثّقه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوۤا۟ أُو۟لَٰۤئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَٰیَتِهِم مِّن شَیۡءٍ حَتَّىٰ یُهَاجِرُوا۟ۚ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وظل هذا الحكم ساريًا يربط الاقتصاد بالدين حتى استقرت الأوضاع وتآلف المهاجرون مع بيئتهم الجديدة واكتسبوا استقلالهم المالي، فنزل النسخ القرآني ليعيد نظام الإرث إلى طبيعته الرحمية مع الإبقاء على التكافل كقيمة أخلاقية مستدامة، قال تعالى: ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ فِی كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنفال: ٧٥]، جاء في صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما: "﴿وَلِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مَوَٰلِیَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: وَرَثَةً، ﴿وَٱلَّذِینَ عَقَدَتۡ أَیۡمَٰنُكُمۡ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مَوَٰلِیَ﴾ نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَٱلَّذِینَ عَقَدَتۡ أَیۡمَٰنُكُمۡ﴾ إلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ، وَيُوصِي لَهُ" [صحيح البخاري: ٢ /٨٠٢]؛ مما يثبت بالدليل القاطع أن التكافل في الإسلام أصل تعبدي ينطلق من أمر الوحي وحكمه، وليس مجرد مصلحة دنيوية مؤقتة تنتهي بانتهاء الأزمة.

أعظم نموذج تكافل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

وتعد المؤاخاة التي عقدها الرسول – صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار أعظم نموذج تكافل في التاريخ، فالمهاجرون تركوا أموالهم وديارهم في مكة ووصلوا المدينة لا يملكون شيئًا والأنصار كانوا أصحاب أرض وزرع، فكان لابد من نظام يحفظ للمدينة استقرارها  من شأنه أن يلغي الفوارق الطبقية والقبلية، فكانت المؤاخاة، ففي صحيح البخاري: "قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سوقُ قَيْنُقَاعٍ، قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَ: امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: كمْ سُقْتَ؟ قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [صحيح البخاري: ٣/ ١٥٣]، وكان في هذا الفعل إيثار منقطع النظير، وقد وصف القرآن الكريم هذا التكافل في قوله تعالى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩]، ولم يقتصر الأمر على الدعم المادي وإنما بلغ مدى أوسع من ذلك بأن وفر الأنصار للمهاجرين ما يجعلهم يشعرون بالأمان والانتماء وهذه نعمة جليلة من نعم الله على العباد.

الآثار الاجتماعية والاقتصادية للمؤاخاة على المجتمع المدني

وقد مثّلت المؤاخاة أول خطة إنقاذ اجتماعي واقتصادي في تاريخ الإسلام لبناء مجتمع مدني متماسك؛ فكان من آثارها الاجتماعية أنها نجحت في تفكيك النظام القبلي والعصبية الجاهلية وصهر المهاجرين والأنصار (الأوس والخزرج) في نسيج وطني وإنساني واحد قائم على الهوية العقائدية والمواطنة، الأمر الذي أزال النتائج العكسية لصدمة الهجرة عند المهاجرين، أما الآثار الاقتصادية فقد منعت المؤاخاة حدوث كارثة معيشية أو بطالة هيكلية؛ نتيجة تجريد المهاجرين من أموالهم، فتحولت من مجرد إعالة لمحتاجين إلى تمكين وشراكة إنتاجية، استثمرت خبرة المهاجرين التجارية مع مؤهلات الأنصار الزراعية، وظهرت هذه الحالة الطيبة في الموقف الذي كان بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري – رضي الله عنهما - عندما عرض سعد على عبد الرحمن أن يقاسمه ماله وأرضه، فرفض عبد الرحمن الاتكالية قائلًا عبارته الشهيرة: (بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ)، ويروي البخاري هذا الموقف عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: "قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الْأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: مَهْيَمْ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَا سُقْتَ فِيهَا قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [صحيح البخاري: ٥/ ٣١]، هذا الموقف أذاب الفوارق الطبقية والنفسية، وحوّل الأزمة الاقتصادية إلى ملحمة أخلاقية رسّخت أركان الدولة الجديدة؛ مما أدى سريعًا إلى كسر الاحتكار الاقتصادي في الأسواق القديمة وتأسيس كيان مالي مستقل وقوي للمدينة المنورة.

الخلاصة

كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة استراتيجية تشريعية واقتصادية عبقرية قائمة على الوحي الإلهي، فقد نجحت في تفكيك العصبيات القبلية، وبسببها تحولت المدينة المنورة سريعًا من دولة وافدة ومستهلكة إلى كيان اقتصادي وسياسي مستقل وقوي قادر على مواجهة كافة التحديات، ولعل السر في هذا التوازن الفريد بَيَّنَ إيثار الأنصار وعزة نفس المهاجرين – رضي الله عنهم أجمعين.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية كانت نموذجًا لبناء المجتمع الإسلامي على أسس: الأخوة، والتكافل

 كانت الهجرة النبوية تحولًا استراتيجيًا بتدبير إلهي، جسده النبي -ﷺ- مع أصحابه على أرض الواقع

الهجرة النبوية كانت نقطة تحول جذري ساهمت بشكل كبير في إعادة تشكيل خارطة التاريخ الإنساني

شكلت الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة فجرًا جديدًا للأمة

الهجرة النبوية كانت بداية لتأسيس مجتمع إسلامي جديد، مبني على أسس العدالة والمساواة والتعايش السلمي

موضوعات مختارة